إيشيجورو.. الأحداث البسيطة يمكنها جعل أحلاما بكاملها عصية على التحقق


٠٥ أكتوبر ٢٠١٧ - ١١:٢٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
في دعابة يقول الكاتب الياباني البريطاني كازو إيشيجورو، إنه كتب في التاسعة والثلاثين روايته "مَن لا عزاء لهم" وهو يخوض أزمة منتصف العمر بعد أن أدرك أن الكُتاب يخطون أجمل روايتهم قبل سن الأربعين، مثلهم مثل لاعبي الكرة!

يقر إيشيجورا بأنه لم يولع بالقراءة أو الكتابة في مستهل حياته، إذ كان دافعه الأوحد لكتابة رواية "منظر شاحب للتلال" هو إبقاء ذكرياته عن اليابان حيةً في ذهنه، وفيها يحكي عن قوم يتعافون من دمار القنبلة الذرية الواقعة على ناكازاكي، دمار كابدته والدة إشيجورو، يقول: "تولاني إحساسٌ بالذعر، وودت أن أحافظ على نسختي من اليابان آمنةً، أن أصونها أدبيًا".


ولد في مدينة ناجازاكي المنكوبة بالقنبلة الذرية عام 1951 ثم انتقل في الخامسة من عمره إلى إنجلترا، لذلك يعيد إيشيجورو تقييم مبادئ الحرب والسلام في رواياته، ومنها روايته الأشهر "بقايا اليوم" التي نالت جائزة البوكر وتحولت إلى فيلم سينمائي.

درس في جامعة كينت، وحصل على بكالوريس في اللغة الإنجليزية والفلسفة. وأثناء دراسته قرر أخذ عام إجازة من الدراسة، سافر خلالها إلى أمريكا وكندا، وأثناءها كتب يوميات عن رحلاته.


في عام 1982 حصل على الجنسية البريطانية. ويعتبر مع ماكيوان وايميس وغيرهم من اهم الكتاب الروائيين البريطانيين اليوم.

تغلب الرمزية على نصوص إيشيجورو، ليطفو المعنى الحقيقي فوق الأحداث، الملاحقة والاحباط ومحاولة التمرد التي تنتهي بإذعان هي من علامات الكتابة لديه.

وفي إعلانها عن فوزه بجائزة نوبل، قالت الأكاديمية السويدية في حيثياتها إنه "كشف عن عمق شعورنا الوهمي بالارتباط بالعالم".

بقايا اليوم


في روايته "بقايا اليوم"، نجد البطل كبير خدم تافه الشأن يعمل عند لورد يتورط في خيانة بلاده. تتداخل الرواية وتتقاطع بين الذاكرة الفردية والتاريخ الوطني من خلال عقل "ستيفنس" الذي يعمل في قصر إنجليزي عريق "دارلنجتون هول"، يرى أنه خدم الإنسانية لا لشئ إلا لأنه سخر كل كفاءته وخبرته المهنية لخدمة رجل عظيم "لورد دارلنجتون".

وباستعراض تاريخه في المهنة يكتشف "ستيفنس" ما يجعله يضع كل شئ موضع المساءلة: عظمة اللورد، علاقته بالآخرين، معنى حياته التي عاشها في عزلة عن كل شئ باستثناء وظيفته، معنى الكرامة المهنية، الزمن المفقود الذي يحاول استعادته.

يفكر ستيفنس أن "الأحداث البسيطة  يمكن أن تجعل أحلاما بكاملها عصية على التحقق و الاستعادة ، لكنه يكتشف فى رحلته أن التشبث بالقديم ليس فضيلة، وأن عقارب الساعة  لا تعود للوراء، ولا يمكن أن يظل المرء يفكر فيما كان ينبغى أن يكون.

اليابان المحطمة


في رواية "فنان من العالم الطليق" - الفائزة بجائزة ويتبريد، وجائزة سكانو الإيطالية- يلقي نظرة أصيلة إلى اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ليقدم لنا نماذج اجتماعية طالها التغير، يصور لنا شعور اليابانيين الذين شنوا حربا وخسروها؛ لنرى مشاعر الكبرياء والوطنية، الخزي والهزيمة.

يعيش فنان الرواية شبابه في عالم من المتعة البوهيمية، ولكن رؤيته لدولة يابانية أكثر ضراوة، وتمرده النهائي على مُعلّمه حمَلاه على تحويل لوحاته إلى حملات دعائية، خادما بذلك حركات إمبريالية دفعت باليابان إلى أتون الحرب. لينتهي به الحال إلى العيش في مدينة محطمة.

من أجواء الرواية:
"ضبّاط جيش، سياسيون، رجال أعمال، كلهم ليموا على ما جرى لهذا البلد.. لكن بالنسبة إلى من هم على شاكلتنا يا أونو، كان إسهامنا هامشياً على الدوام، لا أحد يكترث الآن لما جاء به أمثالك وأمثالي في يوم من الأيام، فهم ينظرون إلينا ولا يرون سوى عجوزين بعكازين". ابتسم في وجهي ثم واصل إطعام السمك، "نحن مَن نأبه الآن ولا أحد غيرنا.. ولمّا يتطلّع أمثالنا إلى حياتهم من خلفهم ليفطنوا إلى أنها قد شابتها النقائص، سوف يجدون أنهم العابئون وحدهم".

"هؤلاء مَن أرسلوا أمثال كينجي إلى الميدان ليموتوا ميتتهم الشجاعة، أين هم اليوم؟ يواصلون حياتهم مثلما اعتادوا طيلة عمرهم والعديد منهم أنجح من ذي قبل، يتصرفون بتأدب أمام الأميركيين، هم عين الأشخاص الذين قادونا إلى الكارثة. ومع ذلك نلبس الحداد على أشباه كينجي. هذا ما يجعلني غاضباً. يموت الشبان الشجعان لأسباب غبية والمجرمون الحقيقيون ما زالوا معنا، يركبهم الخوف من أن يَظهروا على حقيقتهم، من أن يعترفوا بمسؤوليتهم". وأنا متأكد أنه قال عندئذ وهو يمد بصره نحو الظلمة بالخارج: "هذا في رأيي أفدح جبن على الإطلاق".


الكلمات الدلالية كازو إيشيجورو

اضف تعليق