السياسة وكرة القدم.. لعبة لا تنتهي


٠٨ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٨:٥٢ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - مها عطاف

في صباح هادئ، تحت سماء القاهرة، تجد الأعلام المصرية تجوب الشوارع، وشباب الوطن على أهبة الاستعداد، يرتدون تيشرتات المنتخب، نظرات المارة إلى بعضهم لبعض بابتسامة آملة، ما هي إلا رسائل طمأنينة تقول سنصل اليوم إلى حلم الـ28عامًا، ودعوات المصريين تخيم على مواقع التوصل الاجتماعي في أهم مباريات الجيل الحالي لفريق الكرة المصرية، مع منتخب الكونغو، اليوم على استاد برج العرب بالإسكندرية.

تلك الحالة لم تقتصر فقط على الشعب المصري، فشعوب العالم كافة تستعد وتخرج وتحتفل بعد فوز ببطولة أو مبارة كبرى، أو عند التأهل لنهائيات كأس العالم، أن تشاطر عددًا كبيرًا من الأفراد نفس الشغف والقناعة، أن تشعر بمدى انتمائك للوطن من خلال هذه اللعبة، ولكن هذا الشغف البريء لم يكن بعيدًا عن أعين السياسيين ورجال الدولة، بداية من محاولات البتر إلى ذروة الاهتمام والالتفاف، بل وتقديمها كراية محببة يقف تحت ظلها السياسيون بمظهر المحب والمشجع، فمع تعاظم أهمية كرة القدم وسحرها على الشعوب، أصبحت ورقة من أوراق رجال السياسة، والتي يلعبون بها للوصول إلى الحكم أو تعزيزه أو باعتبارها وسيلة من الوسائل التى تقرب خطوط الاتصال مع الشعوب التى هى الجماهير.

يقول الكاتب الأمريكي سيون كوبر: "كرة القدم ظاهرة، لها مدلولها السياسي وهي رمز للفوضى ولحكم الأقلية وهي تؤدي إلى إسقاط سياسيين وانتخاب رؤساء وتحدد الطريقة التي يفكر بها الناس تجاه بلادهم"، والسؤال هنا: كيف استغل القادة السياسيون شغف جماهير كرة القدم؟ وكيف يمكن لكرة القدم أن تتأثر بالسياسة؟ أو ربما العكس؟

كان أول تعامل رسمي بين نظام سياسي وكرة القدم عام 1314، عندما أصدر ملك إنجلترا آنذاك إدوارد الثاني وثيقة رسمية يدين فيها "تلك الضوضاء التي عمَّت المدينة، الناتجة عن اشتباكات حول كرات كبيرة الحجم، مما يؤدي إلى شرور كثيرة لا يبيحها الرب، لذا فبأمر من الملك تُمنع ممارسة هذه اللعبة في المستقبل، حدث ذلك في زمن كان الشعب يدين فيه بالولاء للملك بالضرورة، إلا أن الأمر تغير كثيرًا في عصور احتاج فيها السياسيون إلى دعم الشعب، فلم يجدوا طريقًا أكثر تمهيدًا ليتسللوا عبره من كرة القدم.

أوروغواي.. لم تعد تلك البقعة المنسية على خريطة العالم

كانت أوروغواي قديمًا جزءا من بلاد "ريو دي بلاتا" أو نهر الفضة، وهي البلاد التي تشمل الأرجنتين وأوروغواي معًا، فبوينس أيرس ومونتيفيديو عاصمة أوروغواي أُنشئتا على يد الإسبان، وبمرور الوقت صارتا أهم مينائين لإنجلترا في أمريكا الجنوبية، واستقبلتا السلع البريطانية والقطارات، واستقبلتا كذلك كرة القدم عن طريق أقدام البحارة الإنجليز.

وفي عام 1924، وعلى متن الباخرة ذات التذاكر الأرخص ثمنًا، حطَّت أقدام أول لاعبي كرة القدم اللاتينيين في أوروبا، 21 رجلًا قادمون من تلك البقعة الصغيرة جدًّا في أمريكا الجنوبية المسماة أوروغواي، ووجهتهم كانت باريس حيث تقام الألعاب الأولمبية الصيفية، وانتهت أموالهم تمامًا بمجرد أن وصلوا إلى إسبانيا حيث حطت الباخرة، ثم لم يجدوا طريقا آخر من استغلال المهارة الوحيدة التي يتقاسمونها جميعًا، سوى لعب كرة القدم، فلعبوا سبع مباريات مقابل المبيت والطعام وقليل من الأموال، ضمنت لهم مقاعد خشبية قاسية في إحدى عربات الدرجة الثانية لقطار متجه إلى باريس، وبالطبع كانوا قد فازوا بالمباريات السبعة جميعًا.

وكانت المباراة الأولى في الأولمبياد الصيفية ضد يوغسلافيا، ويومها علق علم أوروغواي بالمقلوب، وعزف مارش عسكري برازيلي بدلًا من النشيد الوطني، وذهب الجميع لمشاهدة هؤلاء القادمين من نصف العالم الآخر كي يلعبوا كرة القدم، وكانت النتيجة قاسية، فأوروغواي فازت بسبعة أهداف مقابل لا شيء، مع أداء مبهر تمامًا، وفاز منتخب أوروغواي بالمباريات تباعًا وبأداء أقرب ما يكون إلى السحر، حتى تقلدوا الميداليات الذهبية في المباراة النهائية، وارتفع علم أوروغواي فوق كل الأعلام، لكنه علِّق بصورة صحيحة هذه المرة، وعزف النشيد الوطني في حضرة العمال.

وعرفت أوروبا علم أوروغواي، بل واعترفت بها رسميًّا، بسبب المنتخب الذي كان مكونًا من العمال، فـ"بيدرو أريسبي" كان يعمل صباحًا في تقطيع اللحوم و"خوسيه ناسازي" في تقطيع الرخام، وكلاهما يقطع الكرات من الخصم مساء، أما "بيدرو بيتروني" فكان بقالًا، وعلى أرض الملعب يوزع الكرات، يشاركه في التوزيع "بيدرو سيا"، الذي كان يعمل في توزيع الثلوج خلال الظهيرة، بينما كان "خوسيه أندرادي" موسيقيًّا متجولًا في الكرنفالات وماسح أحذية، وأول لاعب ذو بشرة سمراء تعرفه كرة القدم في أوروبا، بعدها بأربع سنوات، رجع هؤلاء الفتية ليفوزوا بالذهب مرة أخرى في أولمبياد 1928، ثم بأول كأس للعالم عام 1930، وحينها علق المسؤول الأوروغواني "أتيليو نارانشيو" قائلًا: "لم نعد تلك البقعة المنسية على خريطة العالم".





مبارة الهندوراس والسلفادور1970.. بداية حرب

قد تندلع الحرب من ساحة مغطاة بعشب أخضر، كما حدث في تصفيات كأس العالم عام 1970، بعد فوز السلفادرو على الهندوراس، حيث نشرت الأخيرة جيشها على طول الحدود بين البلدين، ونشبت حرب راح ضحيتها آلاف، فكانت مباراة كرة القدم التي أقيمت بين الهندوراس والسلفادور عام 1969، مباراة فاصلة في تصفيات كأس العالم 1970، بعد مباراتين تناوب فيها البلدان الفوز كل على ملعبه، وتناوب جمهور كل فريق الاعتداء على الجمهور المنافس بعد كل مباراة لأسباب لا علاقة لها بكرة القدم، يعود سبب النزاع إلى هجرة السلفادوريين للهندوراس، التي تسببت في زيادة حجم البطالة هناك، فأصدرت الهندوراس قانونًا بعدم تمليك الأراضي الزراعية للقادمين من السلفادور، واحتفظ كل بلد بقدر مماثل من العداء للآخر واستغل الإعلام المباراة لشحن الجماهير.

وإلى الآن تشهد مباريات الأرجنتين وإنجلترا تناحرًا غير مبرر، ويرجع الجميع ذلك إلى حرب الفوكلاند بين الدولتين عام 1982، وكذلك شهدت مباراة كرة القدم بين إيران وأمريكا في كأس العالم 1998 اهتمامًا دوليًّا غير مفهوم، لمباراة بين فريقين تذيلا المجموعة وخرجا من الدور الأول للمسابقة.




كرة القدم هزمت العنصرية في أمريكا الجنوبية

يقول إدواردو غالياني -في كتابه- "كرة القدم بين الشمس والظل: "ھذا الخلاسي المولود لأبوين أبيض وأسود ذو العينين الخضراوين ھو مؤسس الطريقة البرازيلية في اللعب، وھو من مزق المناهج الإنجليزية، ھو أو الشيطان الذي كان في باطن قدمه، لقد حمل فريدنريتش إلى الاستاد الأبيض الوقور وقاحة الفتيان السمر، ممن يستمتعون بتقاذف كرة من الخرق القماشية في الأحياء الفقيرة، وهكذا ولد أسلوب جديد منفتح على الخيال، يفضل المتعة على النتائج".

أقيمت أول بطولة لكرة القدم في أمريكا الجنوبية عام 1916، وكانت مباراة الافتتاح بين تشيلي وأوروغواي، وانتهت لصالح الأخيرة بأربعة أهداف مقابل لا شيء، لكن مسؤولي تشيلي طالبوا في اليوم التالي للمباراة بإلغاء النتيجة، بدعوى أن فريق أوروغواي ضم لاعبين أفارقة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يشارك فيها لاعبون سود البشرة في مباريات كرة قدم رسمية، هما إيزابيلينو غرادين وخوان ديلغادو، ولم يكن هذا منتشرًا حينها، ورغم التهميش الذي لاقاه مثل هؤلاء من رجال الدولة، فإنه لم يقف حائلًا أمام فرض موهبتهم على الجميع، وانتزاع بقعة ضوء ليقفوا فيها منتصرين.

وفي عام 1921، قرر الرئيس البرازيلي "إبيتاسيو بيسوا" عدم إرسال أي لاعب أسود إلى بطولة كأس أمريكا المقامة في بوينس أيريس لأسباب تتعلق بسمعة الوطن، فحرم منتخب البرازيل من الأسطورة "آرثر فريدِنريتش"، وكانت النتيجة خسارة مباراتين من ثلاث مباريات، ليعود فريدِنريتش إلى المنتخب مرة أخرى عام 1922 ويحقق اللقب مجددًا.




كرة القدم..طوق النجاة في جنوب إفريقيا

يقول السياسي ورجل الأعمال الجنوب إفريقي طوكيو سيكسويل: "كرة القدم حافظت علينا أحياء"، ويقول العظيم نيسلون مانديلا: "عندما كنا في جزيرة روبن حيث السجن، كان الراديو منفذنا الوحيد نحو بطولة كأس العالم، وعبر كرة القدم استطعنا أن نحتفي بالإنسانية في الطرف الجنوبي للقارة الإفريقية، ونتشاطر ذلك مع بقية أنحاء القارة والعالم".

في ديسمبر 1964 وفي أحد أكثر السجون عنصرية في جزيرة روبن، على بعد سبعة كيلومترات من كيب تاون في جنوب إفريقيا، حيث عزل كل أصحاب البشرة السوداء الذين نادوا بالمساواة والعدل، تقدم المساجين بمذكرة إلى مسؤولي السجن، من أجل السماح لهم بممارسة كرة القدم على أرض ممهدة خارج مبنى السجن، وقوبل الأمر بالرفض، لكن بعد إلحاح المساجين كل سبت لمدة ثلاث سنوات متصلة، واقتراحهم تخفيض حصص الغذاء مقابل كرة القدم، سمح لهم باللعب، وتطور الأمر إلى إنشاء دوري من ثلاث مراحل تحت مظلة اتحاد رسمي، عُرف باسم اتحاد الماكانا.

ولعبت كرة القدم بقواعد الاتحاد الدولي فيفا المعروفة للجميع، فكانت الكرة في هذه الجزيرة بمثابة صرخة في وجه السياسة التي اتسمت بالعنصرية المطلقة آنذاك، وكان من ضمن المشاركين في هذا الدوري نيلسون مانديلا، أما الرئيس الحالي لجنوب إفريقيا، جاكوب زوما، فكان يشارك كحكم ساحة.




مباريات غيرت العالم..  كرواتيا وصربيا 1990

بعد الحرب العالمية الثانية، استطاع تيتو أن يكون يوغوسلافيا الاتحادية بتوحيد كرواتيا وصربيا وسلوفينيا والجبل الأسود ومقدونيا والبوسنة، وكان الاتحاد في بدايته جيدًا، لكن الوضع اختلف كثيرًا بعد وفاة تيتو عام 1980، فتعالت أصوات الاستقلال في كرواتيا، وكانت كرة القدم تؤدي دورها المعتاد والمحبب إلى الجماهير.

وفي 13 مايو 1990 كان مشجعو فريق دينامو زغرب الكرواتي على موعد مع مشجعي فريق رِد ستار بلغراد الصربي، كانت مواجهة قومية في المقام الأول، سبقتها حرب شوارع بين الطرفين، بعد عشر دقائق من بداية المباراة، بدأت جماهير رِد ستار بلغراد في الهتاف "زغرب صربية"، وهو الأمر الذي لم يتحمله الكروات، فبدأت أعمال الشغب ووصلت إلى الملعب سريعًا، ركض لاعبو بلغراد خارج الملعب، وبدأت الشرطة تتعامل مع المشاغبين، وفي وسط الملعب تمامًا كان شرطي، اتضح لاحقًا أنه من البوسنة واسمه رفيق أحميتوفيتش، يضرب مشجعًا لدينامو زغرب بهراوته، لكنه فوجئ باللاعب الكرواتي زفونيمير بوبان يركض ويطير موجهًا قدمه نحو وجهه، في واحدة من أشهر الركلات في الملاعب على الإطلاق، انتهى اليوم بكثير من الجرحى، وبصراخ بوبان: "أين الشرطة الآن؟ أين الشرطة من كل ذلك؟"، أصبح بوبان بطلًا شعبيًّا في كرواتيا بعد ذلك المشهد، وربما كانت تلك الركلة حلقة شعبية مهمة في سلسلة استقلال كرواتيا، التي استقلت رسميا بعد عام من الحادثة، وصنفت المباراة في تقارير إخبارية واحدة من خمس مباريات غيرت العالم.


لمشاهدة الفيديو اضغط هنا


استقلال كتالونيا يهدد منتخب إسبانيا

منذ أيام قليلة، شهدت إسبانيا أزمة تعد من أكبر الأزمات التي تشهدها منذ عودة الديموقراطية إليها بعد وفاة الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو عام 1975، وذلك بعد استفتاء عن استقلال كتالونيا، ولم تُرحم كرة القدم من هذه الأحداث حيث حتم الاستفتاء على انفصال الإقليم عن إسبانيا على فريق برشلونة اللعب لأول مرة في كامب نو بدون جمهور مع ضيفه لاس بالماس، في إطار منافسات الجولة السابعة من الدوري الإسباني، فإن الملعب الفارغ هنا حالة نادرة الحدوث، ولذلك لم تحدث مشكلة كبيرة في برشلونة.

لكن ما ينتظر النادي الكاتالوني في المستقبل هو ما يثير قلق عشاقه في جميع أنحاء العالم، حيث يلتزم اتحاد الكرة الإسباني بموقف الحكومة ولا يعترف بالاستفتاء، وإذا حصلت كتالونيا بشكل رسمي على الاستقلال، فإن النادي الرئيسي المحلي قد يفقد مكانه في البطولة الإسبانية.

وكل ذلك يرجع بنا إلى الستينات والسبعينات من القرن العشرين، حيث وجدت التيارات والحركات القومية الانفصالية الكاتالانية والباسكية "اقليم الباسك الذى يسعى للانفصال عن اسبانيا" فى رياضة كرة القدم عاملا حافزا لتنمية طموحاتها السياسية، وحافظت عليه بعد زوال النظام الديكتاتوري وتطبيع الديمقراطية نتيجة لموافقة الشعب الإسبانى على دستور عام 1978، وهكذا تلاشت نزعة الوطنية التي رافقت منتخب إسبانيا أثناء النظام الديكتاتوري وبدأت رياضة كرة القدم تعيش مرحلة جديدة من التشدد الإقليمي.

وهكذا تحول كل من فريقي برشلونة وأتليتيكو دي بيلباو إلى رمزين إقليميين قوميين، وحافظ فريق نادي ريال مدريد على نزعته اليمينية التي تميز بها منذ تأسيسه فى عام 1902، وبرشلونة هذا النادي الكاتالوني أسسه سويسري عام 1899، وتتحول مباريات الفريقين إلى معركة طاحنة داخل وخارج الملعب، ويعتبر معظم الإسبان أن العلاقة قائمة وحاضرة بين الأندية والسياسة، كما يعتبرون نادي ريال مدريد محسوبا على الأحزاب المحافظة واليمينية، ونادي برشلونة محسوبا على التيارات الكاتالانية ذات النزعات القومية الانفصالية، ونادي أتليتيكو دي بيلباو محسوبا على الحزب القومي الباسكي الداعي إلى استقلال إقليم الباسك وانفصاله عن إسبانيا.




الكلمات الدلالية كرة القدم السياسة وكرة القدم

اضف تعليق