واي مين لوف "مُزَز"؟


٠٨ أكتوبر ٢٠١٧ - ١١:٤٥ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

ربما اعتقدت عزيزي القارئ أن هذا المقال سيجيب على سؤال "لماذا يحب الرجال النساء"، وربما دخلت تحديدًا بسبب هذا العنوان الجذاب الذي وضعته "عمدا" لأوضح أزمة "شرف"، أزمة مخلة بالآداب تعاني منها الثقافة العربية.

"واي مين لوف مُزَز" ليس سوى اسم رواية للكاتب "إيهاب معوض" وقعت عليها بالصدفة، هذه الرواية نالت شهرة واسعة وحققت مبيعات كبيرة، ومن "برده هتجوز تاني" لـ" الرجال من بولاق والنساء من أول فيصل" كان يمكن التنبؤ بعنوان الرواية الأخيرة.

هذه المقالة ليست نقدًا لرواية بعينها أو كاتب بعينه؛ فنماذج هذه الكتب كثيرة ومنتشرة بشكل كبير، بل هي مجرد محاولة للوقوف على ظاهرة باتت تزحف رويدًا رويدًا لتحتل المساحة الأكبر من ثقافة جيل بأكمله سوف يخرج للنور ليجد أن رواية بعنوان "واي مين لوف مُزَز" تعكس ثقافته!

قد يدافع أحدهم عن هذه الروايات بحجة أنها أدب ساخر، لكن هناك فرق شاسع بين السخرية و"المسخرة".

ومن "محاولة رثاء بركان" إلى "محاولة رثاء ثقافة أمة" نسترجع وفاة الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني عندما رثاه الشاعر الكبير محمود درويش فقال: "إن جسد غسان لم يتناثر لحمًا بل تناثر يافا وحيفا وعكا وغزة"، إلى رثاء الوعي العربي والجمهور العربي الذي أضحى يهضم نصوصًا مهترئة سطحية مبتذلة لا تستقطب سوى الحشرات والذباب.

نجد أغلفة الروايات وقد اجتهد أصحابها لتخرج بصورة تخاطب الجانب الغريزي، ألوان حمراء، سيقان عارية أما المضمون فحدث ولا حرج؛ إن لم يكن يحوي ألفاظًا نابية وشتائم بالجملة، فسيكون فارغًا من أي محتوى لا محالة.

لا ضير أيضًا من بعض "الفذلكة" كإقحام أفكار سياسية هشة، كالحديث عن إسرائيل على سبيل المثال، أو زجّ سيلٍ من المصطلحات العلمية المعقدة غير المتداولة لاجتذاب القارئ كـ"نيكتوفيليا أو "تيستوستيرون"... وهلم جرا، والتي لا هدف منها ولا مغزى سوى استعراض العمق وادعاء وجود معنى لا وجود له وهو الأمر الذي يجيده الكثير من أشباه "الكتبة" الذين ينتجون أكثر مما يقرأون هذا إن كانوا يقرأون في الأساس، لتخرج لنا رواياتهم لا تصلح إلا كاقتباسات تافهة كتبها مجموعة من البائسين البلهاء.

ليس عيبًا أن تتفاخر بما تقرأ لكن لا تقرأ كي تتفاخر، ولا ترفع العدد كي تتباهى ولا تصعد لأعلى كي يراك الناس، بل اصعد لكي ترى العالم.

كلنا يتفق أننا نعيش في عصر أصبحت فيه الثقافة مشوهة، على الرغم من الانتشار الواسع لنصائح التواصل الاجتماعي حول أهمية القراءة، ولا أقول "الثقافة"، وشتان بين الاثنين، كذلك الانتشار الكبير لتطبيقات ومواقع تحديات الكتب التي يتهافت عليها الشباب للتباهي بقراءة أكبر عدد من الكتب في أقصر وقت ليتم اختزال مفهوم "الثقافة" في القراءة فقط.

ويخرج الجمهور المستهدف من هذه الروايات التي انكبوا على قراءتها مثل الحمار الذي يحمل أسفارًا!

المحصلة في النهاية صفر، فالسلعة المباعة لا تبتغي في الأساس سوى "الشهرة"، والجمهور المستهدف لا يرجو سوى القشور، تمامًا كالملابس الثمينة التي تظهر لامعة من الخارج بينما هي تخفي هشاشة وخواءً لا نهاية لهما.

إن اختزال الثقافة في القراءة كاختزال العلم في الجامعة ومعرفة الله في المعبد، وهي جريمة مارسناها دون وعي تيمنًا بالقدماء الذين اعتبروا الثقافة قراءة من باب الاختصار، كونها تشتمل ضمنيًّا على الفهم والوعي والتطبيق الذي يلي فعل القراءة.

الآن أضحت المادة التي تُقرأ تبعث على الغثيان بلغتها العامية وإسقاطاتها الجنسية، التي تتمحور في أغلبها حول مواضيع الحب والعشق التي تستقطب المراهقين.

إن حجة سهولة وصول العامية للقارئ التي يتمسك بها الكُتّاب ليست سوى ستار لإخفاء خيبتهم في الكتابة باللغة العربية الفصحى، فعندما يكون الهدف تجاريًّا في المقام الأول نجد اللغة "ساذجة" لا تُسمِن ولا تُغني من جوع، في حين أن الارتقاء بالمستوى الفكري للمتَلقّي لا يتأتى إلا بمطالعة تلك الكتب الصعبة التي تحتاج اجتهادًا في فهمها وجهدًا في تحليليها تلك التي تفتح آفاق القارئ على عوالم أخرى، وكيف لراغب ثقافة أن تصعب عليه لغته؟

جنون الشهرة السريعة وعدد التواقيع أحد أبرز الأسباب في مأساة انحدار مستوانا الثقافي، كيف يمكن أن تصبح مشهورًا في أسرع وقت ممكن؟ بالتأكيد بالخروج عن المألوف ولفت الانتباه والحديث في كل ما هو ممنوع، وتجاوز كل الخطوط الحمراء.

القراءة كما قال كافكا: "هي التي تغيّر... هي التي تُفيد... هي التي تخبطنا على رؤوسنا"، وليست مجرد مطالعة ببغاوية لا طائل منها.

الكاتب هو خلاصة لتجربة حقيقية قيمة، وجب تمريرها من خلال كلمات "حية" نابضة تلامس قلب الجمهور ليستفيد من عصارته الفكرية والشعورية لا لينقل من خلال كلماته أمراضه النفسية وقيئه الفكري الذي سرعان ما تتسرب رائحته الكريهة لتلوث المحيط بأكمله.


الكلمات الدلالية واي مين لوف مزز روايات أدب ساخر

التعليقات

  1. محمد ٠٩ أكتوبر ٢٠١٧ - ١٠:١٤ ص

    اتفق تماما

اضف تعليق