دول عايروني وقالولي يا "اسمر اللون"


١٠ أكتوبر ٢٠١٧ - ١٠:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

دول عايروني وقالولي يا اسمر اللون/ يا لالالي/ صحيح أنا اسمر وكل البيض يحبوني/ يا لالالي/

هو ذلك الأسمر النوبي ابن النيل الذي صاغ بمشواره الفني ذكريات شعب انعجن في تفاصيل أغنياته حتى النخاع، وانغمس حتى الصميم مع كلماته ليعانق همَ الوطن ويعكس آلام البسطاء ويحكي "حدوته مصرية".

بملامح مصرية أصيلة وشعر مبعثر وحركات تلقائية مميزة ولد محمد منير في أسوان في مثل هذا اليوم 10 أكتوبر من عام 1954.

سرعان ما خلق "الكينج" حالة من الشجن الغنائي غير التقليدي أسر بها قلوب المصريين، فاستطاع بحرفية أن يحافظ من خلال أعماله على نسيج متمايز ومغاير عن كل أبناء جيله وتملص من قبضة النماذج والقوالب التقليدية وكسر الروتين المتبع الذي اقتصر على أغاني الحب.

أدرك منير مبكرًا أن التجديد ضرورة حتمية للاستمرارية والنجاح فجدد بحذر ووعي وبعبقرية منقطعة النظير عكست دراية بحاجات العصر ومتطلباته، فواكب الجديد دون إسفاف وحافظ على القديم دون رجعية.

من أصالة كلمات أكبر شعراء العامية المصرية انطلق منير ليختار كلمات أغانيه، فنهل من فيض صلاح جاهين، وفؤاد حداد، وعبد الرحيم منصور وغيرهم، ليلحق بكتائب المثقفين المصريين الذين آمنوا بأن للفن دور مؤثر في صياغة مستقبل الأوطان من خلال صياغة الذوق العام وتشكيله.

لقد خرج منير من قلب السبعينات ذلك الجيل الذي خسر كل شيء ليس فقط من الصراع السياسي بل من صراعه الوجودي والحضاري.



قبل الطوفان ما يجي/ خلتني اخاف عليك يا مصر واحكيلك على المكنون / مين اللي عاقل فينا مين مجنون
مين اللي مدبوح من الألم/ مين اللي ظالم فينا مين مظلوم
يا ناس يا ناس يا مكبوتة هي دي الحدوتة/ حدوتة مصرية


منذ نعومة أظفاره انغمس منير في الهم الوطني وعايش آلام الناس، وقد ساهمت نشأته وعلاقته باليسار المصري في فترة شبابه في تكوينه الثقافي والروحي فتتلمذ على يد الزعيم اليساري زكي مراد ليخرج لنا بقيمه النبيلة مزيجًا مختلفًا متفردًا عن أبناء جيله.

من قلب النوبة التي صنعت هجرات أهلها عقب بناء السد العالي نوعًا من الحنين الذي لا ينقطع جاء منير بفيض من الأحاسيس والمشاعر استطاع أن ينقلها بحرفية لتحاكي أحلام وآمال الشباب.



في دايرة الرحلة طرق بنا تخلى/ آه يا حبيب عمري وصحبتي وقمري
عيون مرة تبعد/ خطاوي مرة تعند/ حنين جوانا يحكي/ وشوق جوانا يبكي/ ده لولا فينا صبر لهان علينا العُمر


ومن خلف منير جلس الأب الروحي للفن النوبي أحمد منيب مرشدًا وملهمًا وبخلطة مشبعة بالحنين والتراث امتزج منير بدماء الانتماء الأصيل، ليحاول نقل فن بلاد الذهب إلى المحروسة.

لقد كان منير واثق الخطى رسم مشروعًا خاصًا استند فيه على رؤى لم ترتكن للقديم فقط بل أخذت بمقادير محسوبة من كل الجهات لتخرج لنا مزيجًا من الأغنيات الملفوفة بعناية بالحب والعمق والبساطة ورائحة الأرض.

أبدع منير في دمج المقسوم الذي تألفه آذان المصريين مع الألحان النوبية التي تشبه الموسيقى الأفريقية، وكذلك استخدم الجاز والراب ليقدم ذوقًا طاب للكثيرين في مصر والوطن العربي.

أدرك الكينج أن الموسيقى تنطوي على أعلى التدفقات الشعورية غير المنطوقة فلعب على أوتارها بحرفية، ولم يكتف بالموسيقى بل كان حريصًا أن تكون الكلمة معبرة عن تلك النزعة الإنسانية بامتياز فأصاب الهدف ولامس القلوب والآذان دون عوائق فخرج "من الببان الحر الضيقة" "بره الشبابيك" ليعكس "طعم البيوت".



وعلى الرغم من أن الأسمر قد أحزن الملايين عندما "علق حلمه على الشماعة" لكنه بعث فيهم الأمل من جديد عندما "علّى صوته بالغنا".

ومن وحي إيمانه بأهمية الفن لم يقتصر منير على الغناء فبرز مع الراحل يوسف شاهين في ثلاث أفلام هي "حدوتة مصرية" و"اليوم السادس" و"المصير".

ولو في يوم راح تنكسر/ لازم تقوم واقف كما النخل باصص للسما / ولا انهزام ولا انكسار/ ولا خوف ولا ولا حلم نابت في الخلا

كانت مشاركته الأكثر رواجًا وشعبية في غناء تتر المسلسل الكرتوني "بكار" الذي كان بطله طفلا نوبيا.

لم يختلف وعي منير بالفن عن طريقة أدائه، فهو ليس من أولئك المتسمرين أمام الميكروفون بطريقة كلاسيكية، بل نجده يحلق على خشبة المسرح كفراشة حرة ليخطف الألباب بهذه اللهجة الهجينة التي تجمع بين العامية المصرية والأسوانية.


أيوو شمندورة منجنا/ بهر جاسكو مينجنا/ سجري مالا واينا/ مورتنا نا واينا

تمكن منير من أن يلامس جوهر معاناة الشعب ويعايش أدق تفاصيلها فجاءت أغنياته محايثة لهم دون تعالٍ ولا انفصالٍ، على الرغم من أنه ارتبط لفترة ليست بالقصيرة بالثقافة النخبوية حتى أنه أطلق عليه اسم "مغني المثقفين".




أدرك منير أن التعبير عن النخبة ليس هو الهدف الأسمى، فأسرع يلتحم بالجماهير ومزج بين الأشكال الفنية الشعبية لتحقق ألبوماته نجاحات متوالية منقطعة النظير.

إن التربع على القمة لا يأتي اعتباطًا وقد استطاع منير بجهده أن يرسخ أقدامه على أرض صلبة قوامها البساطة والهدف السامي ومحبة الجمهور.

بننجرح كل يوم لكن بيفرحنا/ إن انت جوه القلب/ ساكن في أفراحنا/ دا انت الأمل في العيون/ والنشوى ساعة الجنون.
   




الكلمات الدلالية محمد منير أغاني محمد منير

التعليقات

  1. عادل ١٠ أكتوبر ٢٠١٧ - ١١:١٧ ص

    محمد منير حالة اجمع عليه الجميع بمختلف اذواقهم وثقافاتهم ونجح موضوعك الجميل في وصفها بكل دقة شابو ليكِ ومحبتي لمنير

اضف تعليق