"العهد الجديد والوصايا العشر".. عباءة "جيش الرب" لاستباحة الدماء


١٨ أكتوبر ٢٠١٧ - ١٢:٤٠ م بتوقيت جرينيتش

كتبت - أميرة رضا

تنظيمات إرهابية هنا وهناك، تنظيمات وجماعات ألقت بشباكها على مشارق الأرض ومغاربها، حتى أصبح الإرهاب آفة تبث الرعب في قلوب البشر، وباتت تتغلغل في المجتمعات لتصل إلى أنحاء مختلفة من العالم.

ففي عالمنا المعاصر انتشرت مظاهر العنف والإرهاب، وباتت على مرأى ومسمع من الجميع، فأصبحنا نشاهد أشكال الموت والقتل المفجع والمريب، كما ولو إنه شيء مألوف على أعيننا وآذاننا.

ومن المؤسف أن تلك المظاهر المخزية ارتبطت بجماعات تنسب نفسها إلى الإسلام، مما أدى إلى اتهام هذا الدين الحنيف دومًا في الإعلام الغربي برعايته للعنف والإرهاب، وكذلك اتهام الفكرة الإسلامية بأنها فكرة تصادمية لا تقبل بوجود الآخر ولا الحوار معه، وتعمد دائمًا إلى إقصائه والقضاء عليه.

لذلك اعتادت أغلب وسائل الإعلام قصر الحديث على الجماعات والتنظيمات المنتسبة للإسلام، بينما توضح الحقيقة أن الإرهاب قد يصدر من أتباع أي ديانة، فكل ديانات العالم لها أتباع متطرفون، ينصبون أنفسهم حماة للعقيدة.

التستر تحت "عباءة" الدين


في الوقت التي تنتشر فيه أخبار الجرائم التي تنفذها الجماعات الإرهابية أمثال داعش، والقاعدة، وبوكوحرام، وغيرها، تنتشر جماعات وتنظيمات أخرى لا تقل خطورة عن السابق ذكرها، بل قد تزيد وتتخذ الدين ستارًا لها لتنمو وتظهر كإحدى الجماعات الأكثر وحشية، التي تنتهك حرمة الإنسان وتذيقه العذاب ويلات.

ومن تلك الجماعات المسلحة الإرهابية التي تلقي الذعر على المواطنين الأبرياء، هذه المنظمة التي تعرف باسم "جيش الرب الأوغندي"، وهي منظمة نصرانية تمارس كل الأفعال الإرهابية وتصدر كل مشاهد العنف المستنكرة عالميًا، ولا يعود ذلك إلى عيب في الدين نفسه، بل إلى خلل في طريقة فهم بعض المتحمسين لهذا الدين أو المؤمنين به.

وبالرغم من وجود العديد من المنظمات الإرهابية التي تمارس العنف، و تنتمي إلى أديان أخرى غير الإسلام، فإنه قلما يتم تسليط الضوء عليها، في حين يتم التركيز بشكل مكثف على الأعمال الإرهابية التي يرتكبها المسلمون، لتبلغ ذروتها في مقولة "المسلمون هم مصدر الإرهاب"، ولكن عدم واقعية هذه الفكرة وابتعادها عن الدقة، يجعلنا نتأكد بأن التطرف ليس حكرًا على الإسلاميين المتطرفين وحدهم لأنه في حقيقة الأمر "الإرهاب لا دين له".

جيش الرب.. ميليشيات دموية شعارها "الصليب"


تعد حركة "جيش الرب" إحدى أكثر الميليشيات دمويةً في القارة الأفريقية، وهي حركة تمرد مسيحية تأسست في شمال أوغندا، كحركة معارضة أوغندية من قبائل "الأشولي" عام 1986، على يد "جوزيف كوني"، وهو العام نفسه الذي تولي فيه الرئيس "يوري موسيفيني" السلطة.

بدأت هذه الحركة نشاطها في عام 1988 في شمال أوغندا مستندة على دعاوى إهمال وتهميش الحكومات المتعاقبة في أوغندا، وتسعى إلى هدف رئيسي، وهو الإطاحة بنظام الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، فضلًا عن إقامة حكم ديني يتأسس على الكتاب المقدس؛ العهد الجديد والوصايا العشر.

ويعرف عناصر "جيش الرب" بضفائر شعرهم الطويلة، وبسكاكينهم المعروفة باسم "بانغا"، كما يُعرفون في القرى التي يهاجمونها باسم "تونغ تونغ" أي "اقطع اقطع".

أما عن مصادر تمويل هذه الحركة، فقد ارتبطت بأعمال الصيد غير المشروع والتجارة، فقد كشفت تقارير صحفية، عن أن "جيش الرب" يستخدم عناصره في صيد الأفيال، للاستفادة من أنيابها ببيعها لشراء أسلحة وذخائر، وتعد عمليات السلب والنهب والغارات على أموال المواطنين من أهم مصادر تمويل هذه الحركة أيضًا، إذ يعمد عناصر الحركة إلى الاستيلاء على ما يقع تحت أيديهم من أموال ضحاياه، أيضًا يقومون بغاراتهم المستمرة المسلحة، على المزروعات وقطعان الماشية ومخازن الحبوب والثمار في أنحاء البلاد.

"كوني" القائد المتعطش للدماء


بدأت عمليات "جيش الرب" المسلحة - التي فاقت في فظاعتها كل الحدود - بإجبار حوالي المليونين من الأوغنديين من سكان شمال أوغندا وحدها لترك قراهم والنزوح لأي مكان آمن لا يوجد فيه سيطرة لهذه الحركة الدماوية.

ويتركز نشاط "جيش الرب" في أجزاء من أوغندا وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية منذ أواخر الثمانينيات، وبحسب بيانات الأمم المتحدة؛ فقد تسببت هجمات "جيش الرب" في مقتل ما يزيد على 100 ألف شخص، واختطاف 60 ألف طفل، كما تسببت في نزوح أكثر من مليوني شخص قسرًا من ديارهم إلى مخيمات اللجوء.

وبحسب تقرير أعدته صحيفة "الباييس" الإسبانية عن جيش الرب، وصفت من خلاله قائد الحركة "جوزيف كوني"، بأنه شخص متعطش للدماء، ولا تزال أعماله الوحشية حية في ذاكرة أبناء وسكان جنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو، كما أشارت الصحيفة إلى أن خطره سيتزايد بعد إغلاق مقر المئات من ذوي القبعات الخضراء الأمريكية "القوات الخاصة"، التي جاءت المنطقة لتعقّب "كوني" وأنصاره، وأكدت أن "جيش الرب" شنّ حرب عصابات، ضد الحكومة الأوغندية لمدة تصل إلى 30 عامًا.

"جيش الرب" الوجه المسيحي لـ "داعش"


تحت مقوله "إرهاب واحد وديانات شتى"، وبالنظر إلى أفكار وممارسات التنظيمين، فهناك تشابه كبير بين "جيش الرب وداعش" رغم اختلاف الديانة لكل منهما، حيث يستند كل منهما في تفسير أعماله الوحشية، على المرجعية التفسيرية للنص الديني، إذ يستمد منها شرعية الحكم من خلال اسم الرب الذي يمنح شرعية إقصاء المخالفين لها - حسب زعمها.

ويشترك تنظيم "داعش" مع "جيش الرب"، في كونهما يسعيان إلى فرض سيطرتهما لا على رقعة جغرافية ضيقة والوصول إلى سدة الحكم في بلد معين، بقدر ما يسعيان لفرض سيطرتهما بطريقة لا تخضع للدول أو القارات، فهما يحاولان الوصول إلى سلطة تطال كامل المجتمع البشري.

وكما أن تنظيم "داعش" تعود جذوره إلى تنظيم "القاعدة" والفكر المتطرف، تعود جذور "جيش الرب" إلى "أليس لاكوينا"، وهي امرأة اعتقدت في ثمانينيات القرن الماضي أن الروح المقدسة تتحدث إليها وتأمرها بأن تطيح بالحكومة الأوغندية حتى ترفع الظلم والجَور عن الشعب الأشولي.

أطفال "الرب وداعش".. اغتيال للبراءة وتبديد الأحلام


بالنظر إلى مصير الأطفال الذين يعيشون تحت وطأة الإرهاب، فنجد أنه لا يختلف كثيرًا من تنظيم لآخر، فالمصير محسوم حيث اغتيال البراءة وتبديد الأحلام وضياع الأجيال، فمصير الأطفال تحت حكم "داعش" يشبه مصيرهم في المناطق التي تنشط فيها حركة "جيش الرّب" الأوغندي، فكلا التنظيمين يمارس جرائم بحق الأطفال، مما لا يقبله عقل ولا يقره دين، ويجبرانهم على ارتكاب أعمال وحشية.

 فإذا كان "داعش" يعد جيلًا من المقاتلين تحت مسمى "أشبال الخلافة"، فإن "جيش الرّب" أطلق ما يسمى بـ "أطفال الرب" وهو تنظيم خاص بالأطفال على غرار "أشبال الخلافة"، حيث استهدف "جيش الرب" بجرائمه الأطفال، واختطف منهم أكثر من 35 ألف طفل من أطفال المسلمين، بل إن هناك عدة تقارير دولية تقدر العدد بأكثرَ من 60 ألفًا.

كما وصل الحد إلى إجبار الأطفال المخطوفين على قتل آبائهم وأمهاتهم، أو اغتصاب أحد أفراد أسرهم، حتى تستحيل عودتهم إلى ديارهم، وهو لا يختلف عن "داعش" في ذلك، كما شوّه المسلحون أجساد الكثيرين منهم؛ بقطع شفاههم، وآذانهم، وأنوفهم، وأطرافهم، وكانوا يقطعون رءوس عدد من ضحاياهم بالخطاطيف والفئوس.

الإرهاب لا "دين" له


يعد الهدف الأول من رصد هذه التنظيمات الإرهابية وتسليط الضوء عليها، هو العمل على إقصاء كل أشكال التطرف والإرهاب، وعدم إلصاق هذه الأفعال الشنعاء إلى دين بعينه، لأن الإرهاب لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخرج من عقيدة واحدة، أو يخرج من الأساس من عقيدة سليمة أو فطرة سوية، فما الإسلام ولا المسيحية بالمسؤول عن إرهاب وتطرف قلة من أتباعهما، وإنما المسؤول الأول والأخير هو الخواء الفكري الذي هام فيه هؤلاء.



اضف تعليق