حصار الغوطة.. عقاب جماعي بالموت لمن لا يرضخ


٢٤ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٩:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - دعاء عبدالنبي

تواجه منطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق عقوبات جماعية بحرمان سكانها من الخدمات الأساسية والسلع الغذائية، فباتوا يواجهون الموت البطيء يومًا بعد آخر، إضافة لعمليات القصف العشوائي للنظام السوري وحليفه الإيراني.

حصار بدأ في 2011 واشتد ليزداد خناقه على أهالي الغوطة وتحديدًا الأطفال الرضع وكبار السن والمرضى والنساء.. حصار لم تفلح معه اتفاقات خفض التصعيد التي توسطت فيها روسيا ليغلق النظام السوري كل مداخل المساعدات الإنسانية.. فبات الموت يحاصرهم جوعًا ومرَضًا أو قتلًا نتيجة للقصف العشوائي بتوقيع سوري إيراني يدعمه في ذلك عدم وجود رادع دولي للضغط من أجل تخفيف المعاناة التي قد تستمر لحين الرضوخ بقبول شرعية النظام السوري أو الدفع بتهجير سكانها كما حدث في داريا  وحي الوعر وغيرها.

حصار الغوطة

تواجه منطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق منذ 2011 حصارًا جزئيًا من قبل النظام السوري، تحول لحصارًا مُطبقًا شبه كامل في 2013، عانى فيه سكانها من قلة الغذاء والأدوية والموت نتيجة القصف المتوالي عليها.

وبعد محاولات عدة لإدخال المساعدات الغذائية، جرى اتفاق بين النظام السوري وفصائل المعارضة على إدخالها عبر مخيم الوافدين إلى بعض المناطق المحدودة في بداية 2015، فضلًا عن تهريب بعض السلع الغذائية عبر أنفاق تربط الغوطة الشرقية بأحياء القابون وبرزة وتشرين في مدينة دمشق.

ومنذ بداية فبراير 2017، شنت قوات النظام السوري حملة عسكرية واسعة على الأحياء الشرقية لمدينة دمشق (القابون وتشرين) وسيطرت بشكل كامل على الأنفاق التي تصل الغوطة بهذين الحيين، كما قامت بإغلاق معبر الوافدين نهاية مارس 2017، ما أدى لتشديد الخناق والحصار على ما لا يقل عن 350 ألف شخص معظمهم مدنيون.

تسببت تلك الحملة العسكرية في شُح المواد الغذائية الأساسية كحليب الأطفال، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني بنحو 30% في مايو الماضي، فضلًا عن ارتفاع نسبة البطالة والفقر وعجز السكان عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وبداية من شهر يوليو الماضي، تم التوصل لاتفاقية خفض التصعيد بين الفصائل المعارضة وروسيا، والتي شملت أربع مناطق من ضمنها الغوطة الشرقية، فتم إدخال قوافل إغاثية من السلع الغذائية والمواد الطبية، كان آخرها في سبتمبر الماضي وهي لا تكفي 25% من احتياجات السكان.

ورغم دخول الاتفاقية حيز التنفيذ إلا أن قوات الحلف السوري الإيراني استمر في استهداف المدنيين والمراكز الحيوية، فلم تتوقف عمليات القتل والتدمير بالتوازي مع سياسة التجويع حيث تم تسجيل 4 مجازر و23 حادثة اعتداء ووفقا لما وثقته "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، ما يشير إلى رغبة النظام وحلفائه في إفشال أي اتفاق لخفض التصعيد.

الموت يفتك بأهالي الغوطة

منذ اشتداد الحصار منذ ما يقرب من 7 أشهر، ارتفعت الأسعار بنحو 50% وانخفضت مواد غذائية عديدة لا يمكن لأحد شراؤها، فضلًا عن نقص المواد الطبية التي انعكست سلبًا على أصحاب الأمراض المزمنة/ ولاسيما مرضى السرطان والكلى، فهناك ما يقرب من 543 مريض سرطان، توفي منهم 4 أطفال وسيدة منذ إغلاق المعبر في مارس الماضي.

لم تقتصر معاناة أهالي الغوطة الشرقية على الحصار، فقد تجاوزت مع العمليات العسكرية لتتحول إلى تجويع وتضييق على المدنيين، كأحد أشكال العقوبات الجماعية بحرمانهم من الخدمات الأساسية والمواد الغذائية.

يذكر أنه خلال خمس سنوات وحتى الآن، تسبب حصار النظام السوري على الغوطة الشرقية في مقتل ما لا يقل عن 397 مدنيًا بينهم 206 أطفال و67 سيدة بسبب الجوع ونقص الأدوية، فأصابت حالات الوفاة الفئات الهشة كالأطفال الرضع وكبار السن والمرضى وجرحى القصف، ولم تسلم منها النساء الحوامل الذين عانوا من حالات التشوه الخلقي وفقر الدم، فضلًا عن مئات المجازر نتيجة القصف العشوائي وتدمير ألاف المباني والمراكز الحيوية المدنية.

ووفقا لآخر إحصائية لمنظمة اليونيسيف، فهناك أكثر من 25% من أطفال الغوطة الشرقية يعانون من نقص التغذية الشديدة نتيجة حصار النظام السوري.

كما أظهرت صور ومقاطع فيديو من داخل أحد المستشفيات في حمورية بالغوطة الشرقية، رُضعًا وأطفالًا أجسادهم هزيلة أشبه بهياكل عظمية يتنفسون بصعوبة كبيرة، حيث استقبلت المشفى في الأشهر الثلاثة الأخيرة حتى الآن 9700 طفل، يعاني 80 منهم من سوء تغذية حاد ومائتان أخرون من سوء تغذية متوسط، و4000 يعانون من نقص بعض المغذيات الدقيقة (الفيتامينات والمعادن)، والكميات المُرسلة عن طريق الأمم المتحدة لا تلبي إلا 5 إلى 10% من احتياجات الأطفال، بحسب ما أوضح مدير القسم الطبي بالمنظمة الإنسانية يحيى أبو يحيى.

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة الأخيرة، فهناك ما يقرب من 400 ألف محاصرين معظهم داخل الغوطة الشرقية، ويصعب الوصول إليهم، علمًا بأن آخر قافلة إنسانية تضمنت مساعدات غذائية ومستلزمات طبية وصلت إليهم كانت في 23 سبتمبر الماضي.

دوافع الحصار

يسعى النظام من هذا الحصار الى إيصال أهالي الغوطة الشرقية لمرحلة استنزاف كامل يؤدي لقبولهم بأي تسوية تدفعهم للتهجير، كما حدث في أحياء حلب الشرقية ومدينة داريا بريف دمشق وحي الوعر بحمص وغيرها ليرضخوا في النهاية لشرعية النظام السوري وحليفه الإيراني.

فما يحدث في الغوطة الشرقية اليوم من حصار خانق ما هي إلا محاولة ابتزاز سياسي واقتصادي تمهيدًا لترويض الغوطة وتركيعها تحت سيطرة النظام السوري وحلفائه، وإلا سيكون مصيرها القتل والموت جوعًا والترحيل، رغم أن الغوطة تدخل ضمن اتفاق خفض التصعيد.

وبحسب المحللين، فلا يوجد للغوطة أي منفذ حدودي مع دول الجوار أو مدن وقرى ريف دمشق، عدا الأسوار التي تحاط بها من قبل النظام السوري الذي لم يتوان عن تدمير الأنفاق بالقصف المنهجي بهدف تركيع الغوطة الشرقية .

مناشدات

حصار خانق ونزيف متواصل لن يتوقف إلا بتحريك الرأي العام العالمي عبر الوقفات الاحتجاجية من أجل مناشدة المجتمع الدولي لتطبيق قراراته في تحييد المدنيين الذين باتوا يعانون من الفقر والجوع ويواجهون العديد من الأوبئة كالسرطان والسل وغيرها.

ففي الوقت الذي تعاني فيه الغوطة الشرقية إثر الحصار الخانق، أطلق عدد من الناشطين حملة تطالب بفك الحصار المفروض على الغوطة منذ خمس سنوات، رافعين لافتات كتب عليها "الأسد يحاصر الغوطة" و"الأسد يقتل أطفالنا بالقذائف والتجويع" ولافتات أخرى تطالب المجتمع الدولي بالتدخل لفك الحصار.

وتهدف الحملة إلى حث المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لتحمل مسؤولياتهم تجاه شاب أعزل، ومطالبة روسيا بتطبيق اتفاق خفض التصعيد الذي ينص على فتح الطرقات ورفع الحصار والسماح بإدخال المساعدات الغذائية والطبية، فهل يستجيب المجتمع الدولي وتخضع روسيا لتنفيذ الاتفاق؟ أم ستستمر المعاناة لحين تكرار ما حدث من قتل ونزوح وموت وتهجير أقل ما يوصف عنها أنها جرائم حرب، ولكن هل من مُغيث لهذا الشعب الأعزل؟


اضف تعليق