أفريقيا الوسطى.. "نزيف" في قلب القارة السمراء


٢٥ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٦:٣٩ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمود سعيد

سنوات من الاضطهاد، تعرض فيها "المسلمون" في أفريقيا الوسطى لمجازر وحملات تهجير ممنهجة أمام أنظار العالم أجمع، حيث هرب عشرات الآلاف منهم إلى شمال البلاد أو إلى الدول المجاورة، أو في كانتونات في بعض أنحاء البلاد في حماية القوات الأممية.

بداية المأساة كانت مع فرنسا عندما خلعت قواتها العسكرية رئيس أفريقيا الوسطى ونزعوا سلاح المسلمين، ولم يفعلوا الأمر نفسه مع مليشيات "انتي" بالاكا المسيحية المتطرفة، وبعدها اكتفى جنود فرنسا بمشاهدة المجازر بحق المسلمين!.

ويشكل المسلمون من 20 إلى 25% من سكان أفريقيا الوسطى البالغ عددهم أربعة ملايين ونصف، ومن المسلمين من يؤكد أن النسبة أكبر من المذكورة بكثير، وتوجد النسبة الكبرى منهم في شمال البلاد في جهة حدود تشاد والسودان وجنوب السودان.

وذكرت الأمم المتحدة، أن هناك نحو 900 ألف شخص فروا من البلاد، وهناك 2.2 مليون شخص يعتمدون على المساعدات الإنسانية، ومع انسحاب منظمات الإغاثة بدأ الجوع يفتك بأطفال أفريقيا الوسطى نتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية.

المليشيات تستهدف القوات الدولية

وقد استهدفت مليشيات أنتي بالاكا المتطرفة، القوات الدولية التي قدمت إلى أفريقيا الوسطى، وقتلت وأصابت العشرات من جنود المغرب وتشاد ونيجيريا وغيرها.

وعندما رأى جنود تشاد (القوات الدولية) الظلم الواقع على المسلمين، تحركوا ودافعوا عنهم وعن أنفسهم، فكان رد الأمم المتحدة اتهام تشاد بتجاوزات، الأمر الذي دفع الخارجية التشادية للرد بقوة على الأمم المتحدة!.

ومع هذا فقد أدان أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، "بأشد" العبارات تلك الهجمات التي نفذتها، عناصر من مجموعة "أنتي بلاكا" ضد الدوريات التابعة لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة.

الحوادث الأخيرة

الأسابيع الماضية فقط، شهدت حوادث دامية، حيث مقتل 146 شخصًا من الأقلية المسلمة بعد هجوم  نفذته مليشيا "أنتي بالاكا" المسيحية على قرية بونبولي، وقبلها بأيام قليلة، قتل إمام مسجد و25 من المصلين في مدينة بانغاسو.

حيث استهدفت المليشيات المتطرفة المسلمين ببلدة بانغاسو على الحدود الكونغولية مما أدى إلى مقتل قرابة 30 شخصًا وسعى مئات المسلمين للاحتماء داخل مسجد بالبلدة, كما تعرضت قاعدة الأمم المتحدة الموجودة هناك لهجوم أيضا، مما أدى إلى إرسال تعزيزات من القوات إلى تلك البلدة النائية تحسبا لوقوع هجمات أخرى.

وبثت فضائية فرنسا 24 الناطقة بالفرنسية، تقريرا لها عن أوضاع المسلمين في أفريقيا الوسطى، حيث استقبلت الأسقفية الكاثوليكية في مدينة بانغاسو 2000 من المسلمين الذين فروا من ديارهم بعد تهديدهم من قبل مليشيات "أنتي بالاكا" المسيحية، وقتل تلك المليشيات لـ100 من المسلمين داخل أحد المساجد.

ويظهر التقرير صورا لقوات الأمم المتحدة التي تحمي الكنيسة، وأظهرت اللقطات بعض المسلمين وهم يتلون القرآن الكريم، فيما قالت دانا محمد: "إن هذا هو المكان الوحيد الآمن لهم في جنوب شرق البلاد حتى لا يتم قتلهم على أيدي المليشيا المسيحية أو اتخاذهم رهائن، واستغربت دانا مما يجري خصوصا أن المسلمين تعايشوا مع السكان من الديانات الأخرى في الماضي".

فيما يقول أسقف "بانغاسو" الفرنسي جوان أجيير، الذي أظهره التقرير وهو يعاين المسجد المدمر الذي وقعت فيه المذبحة بحق المسلمين، حيث دان ما جرى للمسلمين.

وأكد التقرير، أن المسلمين لا يستطيعون الذهاب لمستشفى المدينة، حيث يقول إرنست لوالوالي أحد "أطباء بلا حدود"، عن سوء الأوضاع الإنسانية.

إدانة حقوقية

منظمة العفو الدولية الصادر حملت في إحصائياتها وحيثياتها المليشيات "المسيحية" مسؤولية ما يجري في البلاد و يحاول وصم الصراع بالاستهداف الديني للمسلمين، فقد ذكر التقرير أن مجموعة الآنتي-بالاكا المسيحية المتعصبة تمنع على المسلمين الصلاة و ارتداء الملابس المميزة للمسلمين و تمنعهم من الحركة داخل البلد و أن أكثر من 500 مسجد تم تدميرهم من طرف الميليشيات المسيحية .

الأنتي بالاكا

بدأت أعمال العنف ضد المسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ عام 2013 عندما أطاح تحالف "سيليكا" وأغلبه من المسلمين بالرئيس فرانسوا بوزيز وتم تنصيب رئيس مسلم للبلاد، مما دعا مليشيا "آنتي بالاكا المسيحية" إلى خوض حرب على المسلمين انتقاما منهم, وقد أجبرت القوى الكبرى الرئيس المسلم على التنحي بحجة امتصاص غضب "المسيحيين" إلا أن العنف لم يتوقف منذ هذا الوقت.

"أنتي بالاكا" إذن هي مليشيا مسيحية تعرف بإسم مليشيا "مناهضو بالاكا" أو "أنتي بالاكا" أو "مناهضو السواطير" بلغة السانغو، بمليشيا الدفاع الذاتي، وقد دعمها بقوة الرئيس المسيحي فرانسوا بوزيزيه الذي حكم خلال الفترة بين عامي 2003 و2013، وتضم في صفوفها بعض جنود الجيش الذين خدموا في عهده، إضافة إلى عناصر مسيحية ووثنية، كما تتهم إحدى الدول الأجنبية بتمويلها.

حيث قامت مليشيا "أنتي بالاكا" بممارسات شنيعة من عمليات قتل وصفت بالوحشة ضد المدنيين المسلمين، وتضمنت جرائم حرق الجثث وبتر الأعضاء وتدمير المساجد وتهجير أعداد كبيرة من السكان المسلمين، ومنذ استقالة الرئيس السابق ميشال جوتوديا في يناير/ كانون الثاني 2014، قتلت هذه المليشيا آلاف المسلمين في العاصمة بانغي وخارجها، مما أجبر عشرات الآلاف من المسلمين على الفرار إلى دول الجوار.
ورغم تعهد مليشيات "الأنتي بالاكا" بتسليم أسلحتها للقوات الدولية والمشاركة في العملية السياسية ونبذ العنف إلا أنها نقضت عهودها مستغلة عدم حسم القوات الأممية والمجتمع الدولي تجاهها.

رؤية عن قرب

الباحث في الشأن الأفريقي د. محمد البشير أحمد موسى أكد أن: "هنالك خلط بين ما تعرض له المسلمون ووصول حركة سيلكا إلى سدة الحكم ، الأمر مخطط له منذ سنوات بل كانت هنالك مجزرة كبيرة للمسلمين في عام 1993 م ، إلا أن الإعلام حينها لم يتعرض له لعدم معرفة كثير من المسلمين بهذه الدولة أصلاً ، وكذلك عدم توافر وسائل الإعلام الحديثة وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت الدور الأكبر لإبراز المجزرة الأخيرة للعالم، لذلك فإن الأمر مخطط له مسبقاً ، وهذه الحركة سياسية تناضل من أجل حقوق المناطق المهشمة فيها المسلم وغير المسلم ، وليست حركة إسلامية كما يعلن عنها في بعض المنابر من حيث النشأة والتأسيس ، حيث كانت حركة لمعارضة ،ومأخوذة من الكلمة " سيلكا " أي العقد بلغة السنغو المحلية ، أي تعاهدوا على إسقاط النظام وهم ذو مرجعيات فكرية مختلفة".

وأكد الباحث المختص بشئون أفريقيا، أنه لا توجد إحصائيات رسمية عن تعداد المسلمين ولكن من خلال الانتخابات وغيرها من الفعاليات السياسية التي يشارك فيها المسلمون تعرف النسبة عبر الدوائر التي يعد المسلمون فيها أغلبية ، كحي كيلو خمسة، وحي مسكين الذي دمر مثلاُ في العاصمة، أو مدن الشمال ذات الغالبية المسلمة، وهكذا يتم الرصد، والوثنيين أغلبية سكان البلاد.

وتابع: "الأزمة من حيث الجانب السياسي في طريقها إلى الحل، وأن وضع المسلمين لن يكون كما كان قبل الأحداث الأخيرة ، أما الوضع الإنساني فمع الظروف الصعبة التي يمرون بها في المخيمات ومناطق اللجوء فالأمل بالله تعالى كبير ، وأن الاستقرار والهدوء في مناطق تواجد الغالبية العظمى من المسلمين سيسود عما قريب مع ما تعاني هذه المناطق بين الفينة والأخرى من تجاوزات من العصابات ذات المنافع الخاصة".



 






اضف تعليق