القبض على الجمال في حضرة الألم


٢٩ أكتوبر ٢٠١٧ - ١٠:٤٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

"المرض إذ يحرمنا من قدراتنا، يدفعنا إلى القبض على الجوهري، على الأصوات، والروائح، ومشاهد العالم، في شكلها الأكثر تشذيبًا".. فرجيينا وولف

كيف يمكن للكتابة أن تقاوم المرض. أن تتحول إلى وسيلة لمقاومة قدر محتوم؟ أن تصبح الكتابة "ليست صياغة جمل، بل أن تقاوم بما هو متاح"، كما يقول الروائي الفرنسي دانييل بيناك.

كثيرون قرروا الكتابة عن تجربة المرض، لمقاومة آلامهم، يتطهرون أمام هذا الكم الهائل من العذابات والوجع.


في كتابها "عام السرطان" تصف الكاتبة العراقية سالمة صالح، ما عاشته لمدة عام، يوما بيوم، بمجرد علمها بإصابتها بالمرض اللعين. غداة شفائها جلست إلى مكتبها وبدأت كتابة ما مرت به طيلة عام.

يأتي المرض ليغير مسار الحياة الطبيعي الذي كانت عليه الأسرة، لتنقطع المريضة كلية عما يجري في العالم من أحداث. بعدما أصبحت "مُعفاة من الهموم اليومية والواجبات"؛ تفرغت إلى الإجراءات الطبية، إلى عالم جديد يملوؤه القلق والرهبة واليأس والأمل، والكثير جدا من الألم.

تقهر المريضة داءها، وتخرج من التجربة بفلسفة حياة كاملة: "هل كان ينبغي أن أعيش سبعة عقود لأكتشف هذا؟ لم أعد بحاجة إلى أكثر من مكان أقيم فيه وقليل يقيم أودي".

الغوص في نهر السكون


صرت أنا والسرير
جسداً واحداً في انتظار المصير
"طول الليلات الألف
والأذرعة المعدن
تلتف وتتمكن
في جسدي حتى النزف"
صرت أقدر أن أتقلب في نومتي واضطجاعي
أن أحرك نحو الطعام ذراعي
واستبان السرير خداعي
فأرتعش
وتداخل -كالقنفذ الحجري- على صمته وانكمش
قلت: يا سيدي.. لم جافيتني؟
قال: ها أنت كلمتني
وأنا لا أجيب الذين يمرون فوقي
سوى بالأنين
فالأسرة لا تستريح إلى جسد دون آخر
فالأسرة دائمة
والذين ينامون سرعان ما ينزلون
نحو نهر الحياة كي يسبحوا
أو يغوصوا بنهر السكون

كان الشاعر أمل دنقل العاشق أبدا للحياة وكأنها الأبد، يحمل في كل لحظة الموت في أعماقه، مرددا دائما "أنا ابن موت".. تقول زوجته الكاتبة عبلة الرويني: جاء المرض ليفرض فكرة الموت، السرطان نوع من مواجهة الموت، لكن دائما حتى في أشد اللحظات قسوة ويأسا ومع المرض وفكرة الموت هناك دائما فكرة الأمل، وأنا مقتنعة أن اليائسين هم أكثر الناس إدراكا لمعنى الأمل..!

انتشر السرطان وبدأت أجهزة أمل تتوقف عضوا عضوا، وكلما استيقظ من غيبوبته يدرك الحبيبان أن الموت قادم لا محالة.. تسأله عبلة: هل أنت حزين؟ يشير وهو عاجز عن الكلام تماما أن نعم.. إنها المرة الأولى التي يقول فيها "نعم" إنه القرار الذاتي بالموت.. في الثامنة صباحا من يوم 21 مايو 1983 كان وجه أمل هادئا وهم يغلقون عينيه، وكان هدوء عبلة مستحيلا وهي تفتح عينيها، ووحده السرطان يصرخ والموت يبكي قسوته.

ما تخبئه لنا النجوم


"أنا أقرّر إن كنت سأمرض وأنا أقرّر إن كنت سأشفى مهما يكن المرض خطيراً وعضالاً ولا شفاء منه.. وصراعي مع المرض أشبه بحرب أهلية، حين يخرج الإنسان من خوفه نهائيا لا تعود هناك نهايات في نظره، بل لا نهايات تراوح بين الطول والقصر. عندها فقط يتحدّث عن الرحيل والوداع وكأنه يتحدّث عن نزهة على شاطىء بحيرة".

في روايته "ما تخبئه لنا النجوم" يروي الكاتب الأمريكي جون جرين، قصة هايزل جرايس الفتاة المصابة بسرطان الغدة الدرقية، التي تقع في حب أوغاستس واترز المصاب بسرطان العظام. يتعرف الشابان في مركز لمجموعات دعم مصابي هذا المرض، يعانيان معا، يتقاسمان الألم، يعيشان الأمل، يحاولان رسم غد مضيء بصرف النظر عن طوله أو قصره. يسعيان إلى أمنيات رائعة في وقت قصير ليدخلان صراعا مع الساعات والدقائق.
 
تفتيت الألم


في كتابه "رحلتي مع السرطان"، يروي الصحفي كمال قبيسي معايشته وصراعه مع "الإرهابي الأول" في العالم، يسرد معاناته مع المرض الخبيث الذي أصابه بسبب كثرة التدخين.

يتخفف المريض من آلامه، عندما يشاهد من أصابهم نفس مرضه، وكلما شاهد من شفوا من المرض؛ ازداد أمله في الشفاء. حتى خرج لنا بكتابه الذي يروي سيرته مع المرض بداية من معرفته به حتى تمام الشفاء، ليهب الآخرين الأمل.

اخترت أن أقول كل شيء


"كتابة عمل عن هذا الموضوع فكرة تفرض نفسها، سيكون كتابا مفيدا للرجال الذين سيخضعون لهذه التجربة -تجربة مرض سرطان البروستات- ولكن أيضا لمحيطهم، نسائهم، أطفالهم وأصدقائهم، الذين لا يعرفون كيف يتصرفون في هذه الحالة. لكن الوضع كان حساسا، هل كان ينبغي، كما طلب مني صديقي، أن أحكي كل شيء وأصف كل شيء، وأفضح كل شيء... لقد اخترت أن أقول كل شيء".

في روايته "الاستئصال" يسرد الكاتب الطاهر بن جلون، تجربته مع مرض السرطان. يحكي عن محنة المرض، والانتقال إلى مرحلة بين عالمي الحياة والموت، في رحلة مضنية للاستشفاء، وما يصاحبها من عذابات.

قلب عبده وازن المفتوح


"عندما فتحت عيني جيدا وعاد صوتي إليّ تذكرت أول ما تذكرت كيف مددوني على سرير العربة البيضاء ثم كمثل رجل ثمل أو مخدر استسلمت لنعاس لطيف تشوبه حال من النشوة. كانت هذه اللحظات آخر ما اذكره قبل أن يقودوني إلى غرفة الجراحة. كانت خطوتهم تلك حاسمة.. فإما أن اخرج حيا من هناك وإما..".

يروي الشاعر عبده وازن -في كتابه "قلب مفتوح"- رحلته الداخلية أثناء خضوعه لعميلة قلب مفتوح. يكتب عن ولادته الثانية. يروي لنا أصوات الداخل، ضجيج الوحدة، مواجهة الموت ومواجهة الذات بلا خوف.

تمتزج سيرة الشاعر وذكرياته برؤيته إلى الحياة، الدين، الفلسفة، الشعر، والحب. إنها رحلة في متاهة الهوية والدين والجنس والطفولة والحرب والكتابة.


اضف تعليق