"أزمة كتالونيا".. حرب الانفصال تعضُّ اقتصاد إسبانيا


٢٩ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٣:٠٢ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

دخلت الأزمة في كتالونيا مرحلة جديدة مع إعلان قادة الإقليم الانفصال عن إسبانيا وتأسيس دولة ورد الحكومة الإسبانية بالعديد من الإجراءات.

وتعد ورقة الاقتصاد من بين أهم أوراق النزاع بين الإقليم وإسبانيا، ففي حال انفصال الإقليم سيتعرض اقتصاد إسبانيا لمخاطر كبيرة قد تصل إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي.

فصل جديد من النزاع

أعلن قادة إقليم كتالونيا الاستقلال من جانب واحد وتأسيس دولة ذات نظام جمهوري، لكن الحكومة الإسبانية برئاسة ماريانو راخوي ردت على تلك الخطوة بتفعيل المادة 155 من الدستور والمتعلقة بفرض الوصاية والحكم المباشر على الإقليم.

بالإضافة إلى إقالة رئيس الإقليم كارليس بوغديمون، وقائد الشرطة جوزيب لويس ترابيرو، في إطار تولي الحكومة المركزية تصريف الشؤون لإحباط مساعي سلطات الإقليم للاستقلال.

كما أقالت مدريد كامل حكومة كتالونيا، وحلت البرلمان، ودعت إلى انتخابات مبكرة في ديسمبر المقبل.

خفض نمو اقتصاد إسبانيا

تأثر إسبانيا بانفصال إقليم كتالونيا وإعلانه جمهورية مستقلة، سيكون اقتصاديًا بنسبة كبيرة، خاصة وأن مدريد تعاني أزمة اقتصادية وارتفاع مستوى العجز وتكاليف الاقتراض، وهو ما كاد يدفعها نحو إعلان إفلاسها لولا وقوف الاتحاد الأوروبي في مواجهة هذا العجز فيما عرف بـ "أزمة اليورو"، والتي لا زالت مؤثرة على مدريد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الوضع في إسبانيا محفوف بالمخاطر، ويسبب حالة من عدم اليقين لاقتصادي كتالونيا وإسبانيا.

الوضع الكارثي لمدريد، يجعلها تتمسك بالإقليم الكتالوني بصورة أكبر، فهي تعتبره شريان الحياة بالنسبة للدولة الإسبانية، لكن في حال استمرار الأزمة الحالية فإنها ستقتطع 1.2% من الناتج المحلي الإسباني، أي ما يوازي 13 مليار يورو العام المقبل، في وقت خفضت فيه مدريد توقعاتها للنمو الاقتصادي للعام 2018 من 2.6% إلى 2.3%.

تداعيات على الأسواق الإسبانية

شهدت الأسهم الإسبانية موجة مبيعات ضخمة وابتعدت العديد من الصناديق الأوروبية عن شراء الأسهم، كما انخفض كذلك العائد على سندات الخزانة الإسبانية.

مؤشر IBEX 35 الإسباني؛ سجل تراجعات بنسبة 1.4% في جلسة الـ 27 من أكتوبر الجاري.

العائد على سندات الخزانة؛ سجل ارتفاعا متواضعًا في جلسة الـ27 من أكتوبر بمعدل 1.5% مقارنة بـ 4.5% في جلسة الـ 26 من أكتوبر.

بينما سجل اليورو تراجعات طفيفة أمام الدولار بنسبة 0.3%.

دور كتالونيا في الاقتصاد الإسباني

يلعب إقليم كتالونيا دورًا بارزًا في الاقتصاد الإسباني، ويعد من أكثر الأقاليم ثراء بعد مدريد الأمر الذي دفع نسبة كبيرة من سكان الإقليم للتصويت للانفصال للاستفادة من الموارد والثروات التي يمتلكها الإقليم.

ويضم الإقليم ميناء برشلونة الذي يعتبر ثالث موانئ إسبانيا من حيث الحركة التجارية، وأحد أكبر الموانئ الأوروبية لسفن الرحلات.

السياحة؛ تعتبر كتالونيا بعاصمتها برشلونة وشواطئ كوستا برافا، أكثر مناطق إسبانيا استقطاباً للسياح، وزار المنطقة أكثر من 18 مليون سائح في 2016 ما يعادل ربع الأجانب الذين دخلوا إسبانيا.

ويعتبر مطار كتالونيا ثاني أكبر المطارات الإسبانية بعد مطار مدريد، وسجل في 2016 حركة ركاب (وصول ومغادرة) تخطت 44 مليون مسافر.

وتجتذب كتالونيا شركات السفر منخفضة الكلفة التي تريد أن تجعلها محطة توقف لرحلات المسافات الطويلة المتجهة إلى القارة الأميركية.

الصادرات؛ تشكل ما يعادل 26% من صادرات إسبانيا، بقيمة 65.1 مليار يورو، وبلغ حجم صادرات الإقليم إلى الاتحاد الأوروبي 43 مليار يورو في 2016.

الناتج المحلي الإجمالي؛ تمثل كتالونيا 19% من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا، بما يعادل 224 مليار يورو، وتنافس مدريد العاصمة لتكون أغنى المناطق الإسبانية.

الاستثمارات الأجنبية؛ تتجاوز ربع الاستثمارات الداخلة إلى إسبانيا، بحجم 37 مليار يورو.

قطاع الصناعة؛ تعتمد كتالونيا على القطاع الصناعي، الذي يساهم برفد الخزينة العامة بإيرادات مالية كبيرة، ويعتبر قطاع التصنيع الغذائي، من أهم القطاعات الداعمة للصناعة في الإقليم، بجانب تصنيع السيارات.

مقارنة اقتصادية

معدل البطالة؛ في كتالونيا يبلغ 13.2% وهو أقل من المتوسط العام في إسبانيا البالغ 17.2%، فالأقاليم التي تتمتع بميزات ونشاط اقتصادي كبير تنخفض معدلات البطالة فيها عن تلك التي يسجلها المعدل العام في البلاد.

حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي؛ تبلغ 28.6 ألف يورو في كتالونيا مقارنة بما يقارب 24 ألف يورو في إسبانيا.

تدفقات الاستثمار الأجنبي؛ حلت كتالونيا في المرتبة الثانية، حيث جذبت مدريد في 2015 ما يقارب 64% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي، بينما جذبت كتالونيا 14%.

المديونية؛ تعتبر كتالونيا ثالث أعلى الأقاليم الإسبانية مديونية، حيث بلغت نسبتها 35% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم (ما يعادل 77 مليار يورو)، تعود في معظمها الى مدريد، كونها غير قادرة على الاقتراض مباشرة من الأسواق المالية.

ماذا بعد تصاعد الأزمة؟

اليوم بعد تصاعد حالة التوتر والنزاع بين إقليم كتالونيا والحكومة الإسبانية ربما هنالك ثلاث خيارات:

استعادة الحكومة الإسبانية السلطة على الإقليم؛ وذلك من خلال فرض الحكم المباشر وعودة الإقليم إلى مظلة التاج الملكي.

منح الإقليم المزيد من اللامركزية؛ كانت هناك محاولات متعلقة بهذا الجانب، لكنها فشلت في الآونة الأخيرة.

إجراء الإقليم استفتاء قانوني ملزم؛ وهذا احتمال مستبعد نظرا لرفض إسبانيا أي نوع من هذه الإجراءات، وبالتالي من الصعب على الإقليم إجراء استفتاء ملزم مشابه للاستفتاء الذي أجرته إسكتلندا في عام 2014.

ثراء إقليم كتالونيا مقابل فقر مناطق أخرى في إسبانيا لا يعفيه من أعباء مالية واقتصادية صعبة، تعاكس طموح الانفصال، فالجزء الأكبر من ديون مدريد مستحقة على حكومة كتالونيا، كما أن صعوبات استرداد الديون الهالكة موجودة في الإقليم، ونسبتها نحو 8.5% من سيولة النظام المصرفي، وبذلك فإن إسبانيا تحتاج إلى كل طاقاتها لتسديد ديون تتجاوز 100% من الناتج الإجمالي، والتغلب على بطالة الشباب الأعلى في كل دول الاتحاد الأوروبي، وفتح باب الأمل أمام الطبقات الوسطى التي افترستها الأزمة الاقتصادية، واستعادة جاذبيتها الاستثمارية والسياحية والثقافية كبلد متعدد العرق والحضارة من الأندلس العربية إلى جبال البرانس القشتالية.


اضف تعليق