"أوراق الجنة".. هل تحول التهرب الضريبي إلى رياضة النخبة؟


٠٦ نوفمبر ٢٠١٧ - ١١:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

كشفت وثائق مسربة يطلق عليها "أوراق الجنة" أخيرا، أسرار تتعلق بثروة النخبة حول العالم، وفي مقدمتهم ملكة التاج البريطاني، والتي جاءت على رأس قائمة طويلة تضم رؤساء دول ورجال أعمال وسياسيين وفنانين متهمة بالتعامل مع مؤسسات مالية وهياكل معقدة للائتمان حول العالم، كملاذ ضريبي ولإخفاء معاملاتهم المالية بسياج من السرية.

"أوراق الجنة" مؤلفة من نحو 13.4 مليون وثيقة، حصلت عليها صحيفة سودويتش تسايتونج الألمانية من داخل شركة رائدة في مجال التمويل الخارجي، ومن ثم دعت الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين للإشراف على التحقق من صحتها ونشرها، والآن تعكف نحو 100 وسيلة إعلامية حول العالم على التحقق من أمر هذه الوثائق التي تمس شخصيات بحجم  الملكة إليزبيث، إذ أكدت "الجارديان" في تقرير لها نشر، اليوم الإثنين، أن هذه الوثائق تكشف استثمار الملكة لنحو 10 مليون جنيه استرليني من مالها الخاص خارج بريطانيا تحديدا في صناديق استثمارية في جزر كايمان وبرمودا، المشهورة بحماية المستثمرين من دفع الضرائب على ممتلكاتهم.

كما استثمر الصندوق الخاص بإدارة أموال الملكة جزء من المبلغ المذكور في متاجر تجزئة  تحمل اسم "برايت هاوس" متهمة باستغلال الفقراء وانتهاك حقوق العمالة، فضلا عن استثمار مبالغ طائلة في شركات غير مرخصة، أعلنت أفلاسها  ومدانة بـ 17.5 مليون جنيه إسترليني لصالح مصلحة الضرائب البريطانية.

وردا على هذه الاتهامات، قال كريس أدكوك، مدير الشؤون المالية لثروة الملكة البالغة 500 مليون جنيه إسترليني، إن "دوقية لانكستر" التي تمد الملكة بمدخولها، كما تشرف على استثماراتها التي تخص عقاراتها الخاصة تستند في استراتيجيتها الاستثمارية إلى المشورة، ولا تستثمر سوى في صناديق الأسهم الخاصة التي تحظى بتقدير كبير، بعد توصية قوية من مستشاري الاستثمار، مؤكدا أنه لا توجد أي إشارة في الوثائق المسربة إلى أن الملكة كانت على دراية أو لها سابق معرفة بالاستثمارات المحددة التي نُفذت نيابة عنها.

الملكة ليست وحدها

حتى إذا كان موقف الملكة لا يحتوي على أي إشكال قانوني بحسب بعض الخبراء، إذ لا يوجد دليل على سيناريو التهرب الضريبي، إلا أنه يمس بسمعة المملكة ولو بالقدر البسيط، لكن الأمر ليس بهذا السوء فموقف الملكة ربما أفضل من غيرها من الشخصيات العامة وحتى الشركات العالمية الوارد اسمها ضمن هذه الوثائق التي يعود بعضها إلى نحو 70 عاما مضت.

ومن أبرز السياسيين ضمن فضائح "أوراق الجنة"، وزير التجارة الأمريكي المعين من طرف دونالد ترامب ويلبور روس والذي لديه استثمارات فى شركة " "نافيجيتور هولدينج" للنقل البحري التي يرتبط اسمها بصهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوليجارشي روسي الخاضع لعقوبات أمريكية منذ انضمام "القرم" إلى روسيا، ومع ذلك أبقى روس على استثماراته فيها عقب تسلمه حقيبة التجارة، وبالطبع هنا نشتم رائحة فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية 2016.

ومما يزيد الأمر سوءا ورود أسماء أعضاء بارزين في الحكومة الأمريكية ومستشارين للرئيس ترامب ضمن قائمة "أوراق الجنة" قاموا باستثمار كميات كبيرة من الأموال في شركة مملوكة من قبل زوجة فلاديمير بوتين ومن ثم تحويلها إلى  مجموعة الشحن التابعة للوزير ويلبر روس، وهنا تجدر الإشارة إلى أن  "نافيجيتور هولدينج" ترتبطها استثمارات مشتركة مع "سيبور" الروسية للغاز والمنتجات البتروكيميائية والتي من بين مالكيها صهر بوتين كيريل شامالوف المتزوج من صغرى بناته، فضلا عن اوليجارشي.
 
ومن داخل النخبة الكندية، تحدثت الوثائق عن تورط أحد كبار مساعدي رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو في معاملات مالية خارجية قد تُكلف البلاد ملايين الدولارات من الضرائب، وهو أمر يحرج ترودو الذي تعهد بمكافحة التهرب الضريبي.

وإلى الشرق قليلا، أفادت الوثائق المسربة بتورط الباكستاني شوكت عزيز الذي عين رئيسا للوزراء في عهد برويز مشرف عام 2004، في استثمارات سرية خارجة البلاد، تحديدا في العام 1999 وقبيل تعيينه وزيرا للمالية قام بتأسيس صندوق استثمار في جزر برمودا يتم إدارته من جانب شركة "آبليبي" لصالح زوجته وأبناؤه الثلاثة وإحدى حفيداته، وبحسب الوثائق الصندوق ظل يعمل حتى العام 2015 ولم يفصح عنه عزيز أبدا كأصل من أصوله المالية وفقا لتقاليد البرلمان الباكستاني في التعامل مع الوزراء والمسؤولين.

وبالعودة إلى بريطانيا نجد اسم اللورد مايكل أشكروفت النائب السابق لرئيس حزب المحافظين وأحد كبار المانحين للحزب، وتكشف الوثائق أنه احتفظ بوضع قانوني يشمل غير المقيمين في بريطانيا رغم أنه كان عضوا في مجلس اللوردات من أجل حماية استثماراته فيما وراء البحار.
وإلى جانب هذه الأسماء اللامعة في سماء السياسة، ورد ذكر شركات متعددة الجنسيات مثل نايك وأبل وفيسبوك ونجوم مثل المغني الآيرلندي بونو، تورطوا في استثمارات عابرة للحدود من أجل التهرب الضريبي وحماية ثرواتهم السرية.

إحراج للكبار

ومن شأن هذه التسريبات أن تحرج قادة كبار تعهدوا بمكافحة التهرب الضريبي، وعلى رأسهم دونالد ترامب و رئيس وزراء كندا ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إذ تفضح "أوراق الجنة" الوضع الضريبي الهش في أمريكا وبريطانيا تحديدا، والذي سمح لأموال تقدر بمليارات  الدولارات بعبور الحدود والبحث عن ملاذ آمن تنمو فيه بعيدا عن سلطات الدولة، وتقدر مجموعة بوسطن الاستشارية حجم الأموال المحجوزة في أنشطة مالية وراء البحار بنحو 10 تريليونات دولار، وهو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة واليابان وفرنسا مجتمعة.

وتعد المملكة المتحدة مسؤولة بشكل مباشر عن تهريب هذه الأموال الطائلة خارج أوطانها، إذ تخضع لسيطرتها غالبية الجزر التي تستخدم كملاذات ضريبية مثال كايمان وبرمودا وفيرجن، كما أن العديد من المؤسسات التي تدير الأنشطة المالية فيما وراء البحار تتخذ من لندن مقرا لها، وهذا في حد ذاته يمس بسمعة التاج البريطاني.

وتشير التقارير الصحفية إلى أن "أوراق الجنة" هي جزء من وثائق تم الحصول عليها من داخل شركة للاستشارات القانونية والمالية تدعى "أبليبي" وتشتهربنشاطها في الجزر البريطانية، وتفتخر بأنها عضو بارز في الدائرة السحرية لمقدمي الخدمات القانونية لكبار الشركات البحرية حول العالم مثل الروسية، وفي أول تعليق لها على التسريبات أكدت الشركة عدم وجود دليل على أي مخالفات سواء من جانبها أو من جانب زبائنها، وأنها لا تتسامح مع أي سلوك غير قانوني.

تذكرنا "أوراق الجنة" بسيناريو وثائق بنما خلال العالم الماضي، عندما تسببت في إحراج شخصيات بارزة مثل رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف والرئيس الأرجنتيني ماوريسو ماركي وأعوان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتسببت في عزل بعضهم وخضوع البعض الأخر إلى تحقيقات موسعة، ما يفتح الباب هنا إلى مزيد من التكهنات حول قيام الإدارة الأمريكية خلال الأيام المقبلة وحفظا لماء الوجه بعزل بعض الساسة الوارد أسمائهم في التسريبات مثل وزير التجارة أو تجاهل الأمر تماما والتسريع بإقرار اصلاحات ضريبية أكثر حزما، أما في بريطانيا فربما ستحتاج رئيسة الوزراء إلى تبني أعلى معايير الشفافية والنزاهة  لكشف الوضع المالي للملكة أمام الرأي العام والأهم مطاردة المتهربين من الضرائب بشكل أكثر صرامة مما مضى.



اضف تعليق