ماكرون في ضيافة "الشريك الموثوق"


٠٨ نوفمبر ٢٠١٧ - ١٠:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - ولاء عدلان

يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، زيارة رسمية إلى دولة الإمارات العربية، للمشاركة في تدشين متحف اللوفر أبو ظبي، الذي يعد ثمرة لشراكة إماراتية فرنسية انطلقت قبل عشرة أعوام، كما يعد الحدث الأهم في هذه الزيارة التي تعد الأولى للرئيس الفرنسي في منطقة الخليج، منذ وصوله إلى سدة الرئاسة في مايو الماضي.

من المقرر أن تستغرق هذه الزيارة يومين، بحسب بيان لقصر الإليزيه، وإلى جانب افتتاح "اللوفر" في أبو ظبي، ستتضمن مشاركة للرئيس الفرنسي في منتدى اقتصادي في دبي، وسلسلة من المباحثات الثنائية سيجريها مع ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، ورئيس حكومة الإمارات الشيخ محمد بن راشد، ستنصب في الأساس على التشاور في الملفات ذات الاهتمام المشترك بالمنطقة.

وسيرافق ماكرون خلال الزيارة، وفدا رفيع المستوى يضم وزير الخارجية جان إيف لو دريان، ووزير الثقافة فرنسواز نيسان، ووزير الدولة لشؤون الاقتصاد والمال بنجامين جريفو، بالإضافة إلى عدد من رجال الأعمال ورؤساء الشركات ذات الوجود الفاعل في الإمارات أو الراغبة في الاستثمار في السوق الإماراتية.

علاقات "وثيقة"

"وثيقة ومنتظمة ومتنوعة"، هكذا وصف الإليزيه العلاقات الفرنسية الإماراتية، فالإمارات هي ثاني شركاء فرنسا التجاريين في الخليج بعد السعودية، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين بنحو 4,7 مليارات يورو خلال عام 2016، كما تطور مشاريع مشتركة في قطاعات الطاقة المتجددة لصالح الحكومة الإماراتية، ويسجل عدد مواطنيها المقيمين في الإمارات تزايدا متواصلا ويقارب الآن نحو ثلاثين ألف فرنسي.

وأصبحت الإمارات شريكا استراتيجيا أساسيا لفرنسا في الشرق الأوسط، في أعقاب حرب الخليج 1990-1991، والآن يتواجد على أراضيها نحو 700 عسكري فرنسي تحديدا في قاعدة الظفرة جنوب أبوظبي، والتي تنطلق منها  طائرت رافال الفرنسية الشهيرة لاستهداف مواقع  داعش في سوريا والعراق، وهناك أيضا قاعدة بحرية في ميناء زايد.

اقتصاديا، العلاقات بين البلدين تاريخية، ويكفي أن نذكر هنا بأن الغرفة التجارية الفرنسية في أبوظبي تأسست عام 1974، فيما وقع البلدين أول اتفاقية لمنع الأزدواج الضريبي عام 1989، لنكتشف عراقة هذه العلاقات، والآن هناك أكثر من 600 شركة فرنسية لديها استثمارات في الإمارات تغطي كافة القطاعات الحيوية مثل الطاقة والطيران والخدمات المصرفية والضيافة، وفي المقابل تعمل أكثر من 50 شركة إماراتية في فرنسا، وتقدر الاستثمارات الإماراتية المباشرة في فرنسا بأكثر من 50٪ من إجمالي الاستثمارات الواردة من منطقة الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق يقول الرئيس الضيف في تصريحات لصحيفة "الاتحاد" الإماراتية، تعتبر دولة الإمارات ركيزة لا غنى عنها للاستقرار في الشرق الأوسط، وبوابة مفتوحة على القارة الآسيوية، فالحيوية الاقتصادية التي تتمتع بها الإمارات، لا سيما دبي هي أمر رائع حقاً، وهي شاهد على قدرتها على الاستفادة المثلى من نقاط قوتها مثل الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والشباب، واليوم تشكل دولة الإمارات اتحاداً عصرياً وحيوياً ومفتوحاً على العالم، على غرار معرض إكسبو دبي الدولي في عام 2020.

أما فيما يتعلق بالعلاقات الثقافية، فأبرز ما يميز زيارة ماكرون، هو افتتاح "اللوفر أبو ظبي"، هذا الصرح الثقافي الذي يأتي تتويجا لشراكة تعبر عن إصرار البلدين على تعزيز حوار الثقافات والحضارات، وينبثق عن اتفاق حكومي وُقِّع في مارس 2007، لبناء أوّل متحف عالمي في العالم العربي، ليضم بافتتاحه مجموعةً غنيّة ودائمة من المقتنيات الخاصة المؤلفة من أكثر من 600 تحفة فنية تعود إلى العصور القديمة وحتى يومنا هذا، فضلًا عن مجموعة أخرى من 300 تحفة فنية مُقترضة من المتاحف الفرنسية.

وقبل اللوفر، تم إنشاء فرع لجامعة السوربون في أبو ظبي عام 2006، وفي نهاية 2016 أطلق البلدين مبادرة لحماية التراث الثقافي المعرّض للخطر في مناطق النزاعات، وتمخّض عنها إنشاء صندوق دولي لحماية التراث الثقافي.

وعن "اللوفر" قال ماكرون لـ"الاتحاد"، يمثل افتتاح متحف "اللوفر أبو ظبي" نقطة تحول حاسمة ليس فقط في العلاقة بين فرنسا والإمارات، وإنما أيضاً في الدور الذي تلعبه دولة الإمارات باعتبارها ملتقى حقيقي للثقافات في المنطقة، مضيفا ترتبط فرنسا والإمارات بأكثر ما يميز البشرية على مستوى عالمي، ألا وهي المُثل الإنسانية العُليا، فهنا تتحاور كل الأزمنة وكل الأماكن في وقت يتغذى فيه الإرهاب على الانقسامات بين الشرق والغرب.

ماكرون يراهن

تقول صحيفة "لوفيجارو" في مقال رأي نشرته، من خلال اختيار أبو ظبي لأول رحلة له إلى الخليج، يؤكد ماكرون حرصه على تعزيز العلاقات مع الإمارات كشريق موثوق وجدي في مكافحة الإرهاب، بل أن بعض المصادر من داخل الإليزيه وصفت الإمارات بالشريك الموثوق الوحيد لفرنسا في الشرق الأوسط ككل، وفي هذا السياق ينوي ماكرون التعامل مع ملف الإرهاب، كما كشفت حملته الانتخابية، بلا قفازات حريرية، وهو الذي تحدث صراحةً عن ضرورة تحمل بعض الدول المتورطة في الإرهاب مسؤولياتها التاريخية.

وأضافت الصحيفة الفرنسية على النقيض من أسلافه يبدو أن الرئيس يراهن على الإمارات والرجل القوي محمد بن زايد، ففي السابق راهن نيكولا ساركوزي وكذلك فرنسوا هولاند على دول مثل قطر، وأظهرت الأيام أنها لم تكن رهانات جيدة بالقدر المطلوب، لذا فور وصوله إلى سده الحكم انتقد ماكرون قطر بشدة لتورطها في تمويل الجماعات المتطرفة، وأكد أن نظامه سيتعامل بلا هوادة مع مسألة تمويل الإرهاب.

ومنذ اندلاع الأزمة الخليجية في يونيو الماضي، شدد ماكرون على أهمية تعامل قطر بشفافية كاملة مع هذا الملف وإثبات براءتها من تهم رعاية الإرهاب، وأن الأموال التي تتدفق على شبكات الإرهاب مصدرها بعض الأفراد بعيداً عن القيادة الرسمية للبلاد.

ولدى الرئيس الفرنسي قناعة تامة بضرورة تجفيف منابع الإرهاب والضرب بيد من حديد على يد مموليه، كما أنه مقتنع بأن أفضل طريقة لحل الأزمات الإقليمية عموما هي الحوار، وأنه لا وجود لحل عسكري بالنسبة لجميع النزاعات والتوترات التي يشهدها الشرق الأوسط، فالحوار هو وحده المسار السليم، بحسب تعبيره في حواره مع "الاتحاد".

وسيكون لملف مكافحة الإرهاب النصيب الأكبر من محادثات ماكرون في أبو ظبي، بحسب دوائر قريبة من الإليزيه، إذ يتطلع الرئيس الفرنسي إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي بين باريس وأبو ظبي، فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية وعقد المزيد من اتفاقيات الشراكة الثنائية، إذ يأمل ماكرون -بحسب تقارير فرنسية- في إقناع أبو ظبي بشراء صفقة طائرات رافال القتالية والتي تعد بديلا للأمريكية "إف 16"، وتتميز بقدرتها على حمل صواريخ "جو-جو" و"جو-أرض"، وتمتلك نظام حرب إلكترونية وردارًا قادرا على تعقب 40 طائرة في وقت واحد والاشتباك مع 8 طائرات دفعة واحدة.

وإذا كانت بعض الدوائر الفرنسية تتحدث عن تحضير الإليزيه لزيارات لاحقة للرئيس الفرنسي إلى الخليج خلال الأسابيع المقبلة، وزيارة إلى طهران مطلع 2018، فإن أبو ظبي ستظل محطته الأولى في الخليج وخارج أوروبا عموما، وهذا يعكس قدر رهان ماكرون على الإمارات وقيادتها، ومدى أهمية هذه الزيارة التي ستؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الفرنسية الإماراتية تمتاز بقدر أعلى من التعاون الاستراتيجي في شتى المجالات.


اضف تعليق