"شاهروردي" خلفًا للسيستاني .. مساعي إيرانية للقضاء على المرجعية الشيعية العربية


١١ نوفمبر ٢٠١٧ - ١٢:١٠ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

لطالما سعت إيران منذ الدولة الصفوية إلى السيطرة على المرجعية الشيعية في النجف بالعراق، في إطار الصراع المذهبي السني الشيعي، والذي تقف وراءه دوافع سياسية أكثر منها دينية.

ورغم تأسيس المرجعية الشيعية الخاصة بإيران منذ الشاه إسماعيل الصفوي في مدينة قم الإيرانية، بهدف تعزيز وتمكين الدولة الصفوية، إلا أنها لم تستطع أن تسحب البساط من تحت أقدام مرجعية النجف في العالم الإسلامي، والأمر يرجع لأسباب تاريخية ولموقع النجف بالقرب من العتبات المقدسة لآل البيت، ولذلك تحاول إيران ابتكار آلية جديدة للهيمنة على النجف الأشرف عبر استقطاب المراجع الدينية أو التدخل في شئون مرجعية النجف.

الشاهرودي يخلف السيستاني

في أوائل سبتمبر توجه محمود الهاشمي الشاهرودي، أحد كبار المسؤولين وكبار رجال الدين في إيران، إلى النجف في وسط العراق، وكان ضمن حاشيته عدد غير قليل، من رجال الأمن والرئيس السابق للحرس الثوري الإيراني.

قضى الشاهرودي (69 عاما)، عدة أيام في لقاءات مع المسؤولين ورجال الدين وطلبة المدارس الدينية في محاولة لاستمالتهم ويقول مسؤولون عراقيون حاليون وسابقون، إن هدفه هو تعزيز مكانته لخلافة علي السيستاني (87 عاما) أعلى المراجع الشيعية في العراق.

ورغم أن الاهتمام ينصب على معركة العراق في مواجهة تنظيم داعش، فإن مستقبل البلاد قد يتوقف بالقدر نفسه على ما يدور الآن في النجف.

ولتقدم السيستاني في السن ولاستمرار الشائعات عن حالته الصحية، أصبحت مسألة خليفته أكثر إلحاحا، وتتنافس طوائف الشيعة العراقيين لاقتناص دور في اختيار خليفة السيستاني، وتساند إيران الشاهرودي في مسعاه.

واختار خامنئي نهاية سبتمبر شاهرودي رئيسا لمجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو يعد أحد أبرز المرشحين لخلافة المرشد الإيراني علي خامنئي.

وقد يصبح الشاهرودي خليفة تختلف فيه الآراء للسيستاني، إذ يخشى كبار رجال الدين في النجف أن تحاول إيران توسيع نفوذها.

ولأن السيستاني باعد بينه وبين السياسة الإيرانية فقد لا يريد بعض أتباعه أن تخلفه شخصية مقربة من طهران.

وقد رفضت المصادر في النجف الحديث بشكل علني لحساسية مسألة خلافة السيستاني، غير أن مسؤولا عراقيا كبيرا سابقا قال -لـرويترز- "الإيرانيون سيبذلون قصارى جهدهم... فالمسألة ليست دينية فقط بل أصبحت السياسة جزءا منها. وستحدد مصير العراق".

وعمدت إيران إلى توسيع نفوذها في العراق من خلال مساعدة الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد على استعادة المناطق المتنازع عليها من أيدي الأكراد.

وإذا أمكن لإيران أن تفرض سطوتها في اختيار أكبر رجال المذهب الشيعي في العراق فسيصبح بوسعها أن تحكم قبضتها على السلطة في البلاد لسنوات مقبلة.

كذلك فإن وجود رجل دين رفيع المقام في النجف متعاطف مع المصالح الإيرانية سيبدد إمكانية وجود منافس للزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي الذي يعتبر نفسه زعيما للشيعة في مختلف أنحاء العالم.

فعلى مدى سنوات، ظل السيستاني، الذي اختط لنفسه خطا مستقلا عن إيران على الصعيدين الديني والسياسي، أكبر شخصية تتحدى خامنئي على زعامة الشيعة على مستوى العالم.

ونادرا ما يظهر السيستاني على الملأ، غير أن قراراته لها قدسيتها عند الملايين من أتباعه الشيعة، وكانت فتواه التي دعا فيها أتباعه لحمل السلاح في وجه مقاتلي تنظيم داعش هي التي أحبطت زحف التنظيم باتجاه بغداد في عام 2014.

كما استخدم السيستاني قراراته في التخفيف من حدة العنف الطائفي في العراق، وعارض انفصال إقليم كردستان العراق بعد الاستفتاء على استقلاله في سبتمبر، غير أنه حث بغداد على حماية الأكراد بعد أن ظهرت تقارير عن وقوع انتهاكات بحقهم الشهر الماضي.

وتتوقع المصادر في النجف أن يبقى السيستاني في منصبه حتى وفاته، ولا توجد عملية واضحة لاختيار من يخلفه غير أن الشاهرودي سيحتاج للحصول على تأييد عدد كبير من الشيعة العاديين وطلبة المدارس الدينية ورجال الدين الآخرين.

مشروع جديد للحرس الثوري

لتخفيف الوطء، صدر عن مكتب شاهرودي في النجف بيان غير مقنع لأحد يقول فيه إن زيارته جاءت شخصية فقط ولزيارة العتبات المقدسة، وقد رافق زيارته الأخيرة إطلاق مشروع ضخم لشركة إنشائية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني لتوسيع مرقد الإمام علي في النجف بتكلفة 300 مليون دولار أمريكي، ليصبح ثاني أكبر موقع بعد الحرم المكي في السعودية، لأغراض ليست طائفية وحسب، إنما لخلق نوع من التبعية غير المنظورة لإيران، بحكم وصول التبرعات المالية والمساعدات والنذور إلى الشركة المشرفة على البناء والإعمار، والتي بدورها تعتبر مرتبطة بالحرس الثوري الساعي إلى دمج البنية التحتية العراقية بالبنية الإيرانية التي ستكون متحكمة بالأموال والقرارات لاحقا.

رافق زيارة الشاهرودي عدد غير قليل من كبار رجال الأمن الإيراني والرئيس السابق للحرس الثوري، وقام بزيارة ميليشيا “النجباء” في محافظة صلاح الدين، وسمّاها بالمقاومة الإسلامية، وحثها على القتال في سوريا، وصرّح ممثل تلك الجماعة له بأنهم تابعون لولاية الفقيه بكل شيء، ولا يعترفون بالحدود الوطنية التي يتحدث عنها الآخرون، بعدها عاد الشاهرودي إلى مكتبه في النجف ليوزع المنح الدراسية على الطلبة الدارسين في المعاهد والحوزات الدينية، لضمان ولائهم وأصواتهم لصالح مرجعيته المحتملة لخلافة السيستاني بدعم مباشر من طهران.

شاهرودي من أصل عراقي

وليس الشاهرودي بغريب على النجف؛ فقد ولد في المدينة لأبوين إيرانيين. وفي السبعينات دخل السجن وتعرض للتعذيب على أيدي قوات الأمن في عهد صدام حسين بسبب أنشطته السياسية.

ثم انتقل إلى إيران بعد قيام الثورة الإيرانية ورقي إلى مناصب عليا منذ أصبح خامنئي الزعيم الأعلى عام 1989.

ورأس الشاهرودي القضاء الإيراني على مدار عشر سنوات، وهو يرأس الآن مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يتولى تسوية المنازعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وهو هيئة رقابية من الجناح المتشدد.

وفي المناسبات العامة يظهر الشاهرودي في كثير من الأحيان جالسا بجوار خامنئي.

تمثل زيارة الشاهرودي مظهرا واحدا فقط لمدى سعي إيران لحشد التأييد لمرشحها لخلافة السيستاني.

إذ تشارك شركة مرتبطة بالحرس الثوري في مشروع تبلغ كلفته 300 مليون دولار لتوسيع مرقد الإمام علي.

وقال علي ألفونه، الخبير في شؤون الحرس الثوري في المجلس الأطلسي: هذه المشروعات تخلق حالة من التبعية لإيران بين مستقبلي المساعدات لأنها تعمل على دمج البنية التحتية العراقية في شبكة البنية التحتية الإيرانية.

وأضاف: بل إن مثل هذه الأنشطة توفر غطاء لشبكات المخابرات التابعة للجمهورية الإيرانية العاملة في العراق.

وفي عام 2011 افتتح الشاهرودي مكتبا في النجف وبدأ يدفع منحا لطلبة المدارس الدينية. ويقول مراقبون إن هذا يمثل محاولة من جانب إيران لزيادة نفوذها.

وقال محلل عراقي على صلة وثيقة برجل الدين الشيعي طلب عدم نشر اسمه: �كانت خطوة استفزازية�. وفيما بعد افتتح الشاهرودي مكتبين في بغداد وكربلاء. وهو يدفع منحا لآلاف الطلبة على حد قول مسؤولين عراقيين ومصادر دينية في النجف.

ويقول مراقبون: إن رجال الدين يدفعون في كثير من الأحيان منحا للطلبة لكسب تأييدهم وتعزيز مكانتهم لربما يلقون قبولا فيصبحون من المراجع الدينية.

والسيستاني هو الآن الراعي الرئيسي لطلبة المدارس الدينية الشيعية وينفق في سبيل ذلك ملايين الدولارات في العراق وخارجه.

ويشرف ابنه محمد رضا على الأعمال المالية والإدارية لمكتبه.

وقال مسؤول عراقي كبير مطلع على المناورات السياسية بين رجال الدين في النجف: "تعقب الدولارات لمعرفة ما سيحدث مستقبلا، ومحمد رضا السيستاني يتحكم في المال كله". ويقول المراقبون: إن عمل محمد رضا قد يجعله في وضع يتيح له خلافة والده غير أن انتقال المكانة الدينية من أب لابنه سيكون حدثا غير مسبوق في العرف الشيعي.


اضف تعليق