حصار داعش على الإنترنت يحول التنظيم إلى دعاية غير مركزية


١٢ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٩:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
تشتد وتيرة المواجهة على الإنترنت ما بين تنظيم داعش والحكومات ودول أوروبا والغرب، مع كل مرة يخسر هذا التنظيم معقل من معاقله، في الموصل والرقة وغيرها من المدن. السؤال: هل الحكومات والبرلمانات نجحت بالنهوض في مسؤوليتها؟ أم أنها اكتفت بوضع الضغوطات على شركات الإنترنت، لتقليص مساحة نشر المواد التي تدعو إلى التطرف وتمجيد داعش؟
 
أعلنت بريطانيا يوم امس 11 نوفمبر 2017، باتخاذها إجراءات جديدة، للضغط على محركات الإنترنت، وذلك من خلال اعتمادها إجراءات جديدة أكثر تشددا في مواجهة الدعاية المتطرفة للجماعات المتطرفة بضمنها تنظيم داعش.
 
توصلت دراسة بريطانية صادرة في 19 سبتمبر 2017 إلى أن مواقع الدعاية المتطرفة على الإنترنت تجذب أكثر التفاعلات في بريطانيا، مقارنة بأي دولة أخرى في أوروبا. وتعد بريطانيا خامس جمهور في العالم يشاهد المحتويات المتطرفة. لقد نجح تنظيم داعش بنشر دعايته المتطرفة على شبكة الإنترنت اكثر في اعقاب اجتياح داعش الى الموصل في أبريل عام  2014.
 
كشفت التحقيقات بأن التنظيمات المتطرفة  نجحت في الإبقاء على انشطتها الإعلامية على الإنترنت بسبب استخدام الاتصالات المشفرة، وهذا ما يمثل تحديا كبيرا الى اجهزة الاستخبارات.
 
التحقيقات التي جرت في فرنسا بعد حادثة مسرح "الباتاكلان" يوم 13 نوفمبر 2015،  تقول بأن المخططين قد استخدموا في التواصل بينهم بعض الألعاب المتاحة على شبكة الإنترنت، وقد نجحوا في خداع أجهزة الأمن الفرنسية، وذلك عبر تجنبهم استخدام طرق التواصل أو الاتصال المعروفة، بدءاً من اللقاءات الشخصية، مروراً بالبريد الإلكتروني أو رسائل الهواتف الجوالة. اما تقاريرهيئة الأمن الفيدرالي الروسي فتقول بأن معظم عناصر تنظيم داعش يستخدمون برامج "ميسنجر"، التي تتيح لهم إقامة محادثات سرية على مستوى من تشفير البيانات المنقولة.
 
وكشفت دراسة من معهد “بروكنجز” الأمريكي إلى أن طبيعة الأجهزة الإلكترونية المستخدمة لإدارة هذه الحسابات من قبل المنتمين لداعش، تباينت بين 69% مستخدم للهواتف التي تعمل بنظام أندرويد، و30% مستخدم للهواتف التي تعمل بنظام “آي أو إس”، و1% لهواتف “بلاكبيري”، بالإضافة إلى أن اللغة العربية كانت اللغة الأكثر استخداماً في إدارة حسابات تويتر بنسبة 73%، و18% من الحسابات باللغة الإنجليزية، و6% من الحسابات باللغة الفرنسية.
 
وقالت وكالة "يوروبول"، يوم 15 سبتمبر 2017، إنّ تنظيم داعش مازال يحتفظ بقاعدة من المؤيدين له على شبكة الإنترنت، وذلك على الرغم من الخسائر التي يتكبدها التنظيم الإرهابي على الأرض، في العراق وسورية. وإن المجموعات "الجهادية" تستخدم أيضا منصات صغيرة ومنتديات على الإنترنت لبث دعاياتها الإرهابية، وأوضحت يوروبول أنها كشفت وجود 1029 كيانا بمضامين تمجد الارهاب.

مساعي أوروبية لحذف مواد التطرف
 
ذكرت مسودة وثيقة  صادرة من الاتحاد الأوروبي فى 23 أبريل 2017، مساعي الاتحاد في اتخاذ إجراءات تشريعية لتنسيق كيفية قيام مواقع إلكترونية مثل “فيسبوك وتويتر وجوجل” بحذف مواد التطرف، وأدى انتشار المواد المتطرفة والأخبار المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تعرض الشركات لضغوط متزايدة للتخلص منها بسرعة.
 
وأشارت المفوضية الأوروبية “إن هناك قدرا كبيرا من التفاوت في الأساليب المطبقة لحذف المحتوى غير القانوني سواء كان تحريضا على الإرهاب أو خطاب الكراهية.
 
التدابير الجديدة التي تتبعها المفوضية بالشراكة مع شركات الإنترنت هي:
 
ـ تدابير تشريعية أو غير تشريعية بحلول نهاية عام 2017 لمعالجة التشتت والغموض القانوني المرتبط بحذف المواقع الإلكترونية للمحتوى غير القانوني”.
 
ـ تطوير قاعدة بيانات تشاركية لصناعة الإنترنت مع شركات الإنترنت من "دالات التجزئة"، وهي بصمة رقمية فريدة، تصنف الفيديوهات والصور المتطرفة والعنيفة.
 
ـ سرعة حذف المحتوى على مواقع التطرف، بمعدل ساعة واحدة بعد النشر.
 
ـ إيجاد بيانات مشتركة واعتماد تقنية أحدث تتعلق بالبصمة الرقمية.
 
ـ اعتماد شركات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، في عملها على خبراء معنيين في مكافحة الإرهاب، لتتجاوز في عملها الموضوع التقني الروتيني، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح.

توجيه ضربات إلكترونية ضد داعش
 
نجحت أجهزة الاستخبارات الأوروبية بتوجيه الضربات الإلكترونية ضد داعش، خلال عامي 2015- 2016، لتقوم بغلق أكثر من 235 ألف حساب على تويتر، مع رصد أكثر من 2000 تدوينة على أكثر من 52 منصة إلكترونية، وأغلق 70 قناة لداعش على تليجرام كانت تبث بـ12 لغة مختلفة، بالإضافة لتراجع أعداد المتابعين لـ300 متابع للحساب الواحد.
 
وأعلنت الأمم المتحدة من جهتها يوم 21 سبتمبر 2017 عن تمرير قرارات لمكافحة انتشار المواد الدعائية الإرهابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت. القرار تضمن إلزام شركات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى مواقع الاستضافة، إزالة أي مواد دعائية، محتويات، أو منشورات تابعة او تروج لعصابات داعش الإرهابية حول العالم، أو التعرض لعقوبات من قبل الحكومات والأمم المتحدة في حالة فشلها بذلك.
 
تحديات محاربة دعاية داعش
 

المشكلة تكمن أيضا، بإمكانية تنظيم داعش إنشاء حسابات على الإنترنت وشراء نطاقات خدمة"سيرفر" على الإنترنت، يتمكن خلالها من نشر دعايته المتطرفة، عملية الشراء تكون على الأرجح من قبل أشخاص وشبكة علاقات ومنظمات أو واجهات وهمية يعتمدها التنظيم في تحريك أمواله، وعمليات الشراء هذا تكون عن بعد على الإنترنت وباستخدام بطاقات مدفوعة الثمن. هذه التطورات دفعت المفوضية على سبيل المثال خلال عام 2016، إلى فرض رقابة مشددة على البطاقات المدفوعة الثمن وحجم الأموال التي يمكن لصاحبها تحويلها إلى جانب فرض شروط التسجيل لشراء بطاقات الهاتف المدفوعة الثمن في بعض دول أوروبا أبرزها بلجيكا.
 

ما يشهده العالم في الوقت الحاضر هو إرهاب لا مركزي على الأرض، بالتوازي مع إرهاب لا مركزي على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والأكثر خطورة هي المنتديات المغلقة التي عادة لا يمكن الدخول لها إلا عن طريق تسجيل حساب لديها. ورغم الجهود التي تبذلها بعض الحكومات الأوروبية بشكل منفرد، فإن الإجراءات التي تتبعها هذه الدول ما زالت بطيئة ومتأخرة، لم تصل لحد الآن إلى درجة الوضوح أو إلى وجود استراتيجية واضحة لمحاربة الدعاية المتطرفة.

ما ينبغي على الحكومات والبرلمانات الأوروبية، في أعقاب خسارة داعش في معاقله، هو النهوض بمسؤوليتها في مواجهة الدعاية المتطرفة على الإنترنت.
 
*باحث في قضايا الإرهاب والاستخبارات


الكلمات الدلالية أوروبا الإنترنت داعش

اضف تعليق