مكاوي سعيد يطلق تغريدته الأخيرة ويرحل


٠٢ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٩:٤٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

"بصيت عليه في الليل ماشي، والدمعة حايرة مانزلاشي، شايفاه بيبعد بعيد بعيد، بالفرحة بعيد بعيد، بالذكريات والعيد، مشي حبيبي ماخلاشي، وقاللي الوداع، حط إيده في إيدي وقاللي، الوداع قاللي".. كانت هذه آخر تغريدة للأديب المصري مكاوي سعيد، وهي الكلمات التي غنتها المطربة الراحلة شادية. هل كان "ميكي" ينعى شادية أم ينعى إلينا روحه التي فارقتنا ظهر اليوم، لتترك ندبة في روح محبيه؟

الشهرة التي هبطت على مكاوي في سنواته العشر الأخيرة بسبب روايته "تغريدة البجعة"، لم تغير من عاداته ولا جلساته اليومية على المقهى، ولا المطاعم الفقيرة التي يرتادها، ظل الشخص نفسه، متمسّكاً بكل طقوسه، ما تغيّر فقط أنه استخدم التاكسي بدلاً من "الباص"، وارتدى الكتّان بدلاً من الجينز، يقول: "لم أتغيّر. لكني أمشي في الشوارع بتردد ورهبة. يحدث أحياناً أن يستوقفني شخص ليسألني عن الرواية. وهنا تكون الورطة لأنّي لست متحدثاً جيداً بطبيعتي الخجولة".

كان مكاوي سعيد لا يزال طالبا بكلية التجارة عندما كتب الشعر العامي والفصيح، متأثرا بصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، والبياتي، والسياب، والفيتوري؛ حتى إنه حصل على لقب "شاعر الجامعة". لكن بعد تخرجه اتجه إلى كتابة القصة القصيرة، متأثراً بيوسف إدريس، ومكسيم جوركي، وتشيكوف.


ابتعد "ميكي" سنوات عن الكتابة، فكان يعمل محاسبا فى شركة، وكان من الصعب وقتها أن يكتب مع المسئوليات التي تكبر كل يوم. في تلك الفترات كان يركز أكثر على القراءة، وقليلا ما كان يكتب.

وبعد سنوات طويلة من الابتعاد؛ قرّر "ميكي" ترك وظيفته كمراقب مالي للتفرغ للكتابة، وهو ما كلّفه أن يعيش أكثر من 6 سنوات بلا عمل أو دخل، لكنه كتب الكثير من الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة.

كتب ثلاث مجموعات قصصية هي "الركض وراء الضوء"، "حالة رومانسية"، "راكبة المقعد الخلفي"، ورواية "فئران السفينة"، قبل أن يكتب تميمة حظة "تغريدة البجعة". وفي كل كتاباته لم يتوجه إلى النخبة، بل إلى المثقف العادى، فكان يحاول أن يبسط المصطلحات والجمل. يقول: "لا أحب التسطيح الكامل في الكتابة، كما أنني أرفض التقعير فى اللغة، أكتب وفقا لذائقتي القرائية".

تغريدة البجعة


"كنت أراه كالبجعة في أيامها الأخيرة حين تستشرف الموت فتتجه إلى شاطيء المحيط، وتنطلق في رقصتها الأخيرة، وتغرد تغريدتها الوحيدة الشجية ثم تموت"..

جاءت رواية "تغريدة البجعة" لترسخ اسم مكاوي سعيد الذي كان مجهولا لدى الكثيرين، وذلك بعدما وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، ثم نالت جائزة الدولة التشجيعية، رغم عدم ترشحه لهذه الجائزة، لكن اللجنة رأت أنّ الأعمال المقدَّمة لا ترقى إلى مستوى الفوز، فقررت أن ترشح عملاً من اختيارها.

ترصد الرواية حركة مجتمع وسط البلد القاهري بمميزاته الفريدة، ويمثل المقهى البؤرة المركزية التي تتفرع منها الحكايات والأماكن، كما يقول الناقد دكتور يسري عبد الل، أمكنة متعددة وثقافات مختلفة لنصبح أمام وعي يتجاوز الواقع المحلي ليرصد واقعاً أشمل، وأشد شراسة في الآن نفسه، واقع تشكله آليات السوق الراهنة، والرأسمالية الغازية "الوقت بعد منتصف الليل بقليل. والمقهى على وشك الإغلاق، ثمة رواد قلائل لا يشغلون أكثر من منضدتين، يلعبون بروح ثأرية غير مبالين بالبرد والصقيع. كنت أحتمي بوجودهم ضد كآبة الجرسون وعصبيته وهو ينظر الى ساعته بمعدل ثابت كل خمس دقائق، ثم يهز رأسه بعصبية وغيظ".


تطارد البطل "مصطفى" ذكرى موت حبيبته "هند" التي توفيت إثر إصابتها بدانة مدفع محفوظة بمتحف كذكرى لأيام حرب 73. ومن خلال انضمامه لمظاهرات المعارضة في وسط البلد يحاول مصطفى أن يرفع صوته ضد ضرب الأطفال في لبنان بالقنابل وضد حرق المثقفين في بني سويف، وهو ما تشاركه فيه "مارشا" صديقته الأمريكية التي تجوب وسط البلد حاملة كاميرتها، لتصور فيلما وثائقيا عن ظاهرة أولاد الشوارع.

تتعدد الشخصيات في الرواية، فنرى ياسمين التي رآها مصطفى تجسيداً لحبيبته الراحلة رغم كل الاختلافات بينهما، عصام الفنان الحساس الذي يعشق بكل روحه وكيانه ويخسر حبيبته "السنغافورية" سامنثا، فيحاول أن يلم شتات نفسه باتباعه للفرق الصوفية، أحمد الحلو اليساري المتحول للفكر الوهابي الذي جعل من نفسه متحدثاً باسم الإله ليحكم على كل المجتمع بأفراده ومؤسساته بما يمليه عليه فكره.


مقتنيات وسط البلد


عن وسط البلد يقول "ميكي": "هنا ستجد كل أطياف البشر. الخرتية، الأجانب، الباحث عن الفرصة، البلطجي، المثقف، الفنان. ومن تأملي تلك النماذج تبلورت "تغريدة البجعة" التي كانت تميمة الحظ، في مشواري الأدبي".

في كتابه "مقتنيات وسط البلد" يكشف عن التاريخ الشفهي المجهول لوسط البلد، الذي صنعه موهوبون باتوا أقرب إلى المرضى والمجانين. ظل "ميكي" يفكر فى كتابة حكايات حول منطقة وسط البلد بما فيها من أماكن وأشخاص، خاصة خلال فترة محددة فى الثمانينيات، فهناك مقاه وبنايات كثيرة تعرضت للهدم أو البيع رغم أنها كانت تمثل جزءا أصيلا من المنطقة، لذلك فكر فى محاولة التأريخ لهذه الأماكن، وربطها بحكايات عن الشخصيات المهمشة والمجهولة التى كانت تتردد عليها.

أراد مكاوي أن يسجل وقائع داخل هذه الأماكن، فكتب عن شخصيات مهمشة كانت تمتلك مواهب أدبية وفنية فذة فى بداية الثمانينيات، لكنها اختفت، بعضهم رحل عن عالمنا، والبعض الآخر هاجر، وبعضهم أصيب بالجنون!












الكلمات الدلالية مكاوي سعيد

اضف تعليق