بعد 62 عاما.. مصر تطرق أبواب "الحلم النووي"


١١ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٧:٥٧ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - إبراهيم جابر:

القاهرة - بعد أكثر من 62 عاما بدأت مصر في تحقيق خطوتها الأولى نحو دخول عصر "النووي"، لتثبت أنها دولة نامية قوية لديها كافة أنواع البحوث والإمكانات لإقامة المحطات النووية على أرضها، بعد عدة محاولات منذعهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

يأتي ذلك بعد التوقيع على إشارة البدء في تنفيذ مشروع المحطة النووية بالضبعة وتزويد مصر بالوقود النووي، بين وزير الكهرباء المصري محمد شاكر، والمدير العام لشركة (روس آتوم) الروسية اليسكي ليكا تشوف، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في القاهرة، اليوم.

"بداية الحلم"

بحثت مصر قبل 62 عامًا تقريبا وتحديدا في عام 1955 خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن بداية لها للدخول في المجال النووي، وبالفعل وقع ناصر اتفاقية الذرة من أجل السلام للتعاون في المجال النووي السلمي مع الاتحاد السوڤيتي، وفي عام ١٩٥٨ بنى الاتحاد السوفيتي مفاعل مصر البحثي الأول في أنشاص بمحافظة الشرقية والذي لايزال يعمل حتى الآن في المجالات البحثية، لكن توقفت المحاولة في ظل حالة الحرب التي كانت تعيشها مصر.

وبعد حرب أكتوبر 1973، تمت اتفاقية بين مصر والولايات المتحدة لإقامة محطة نووية في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وقبل التوقيع فرضت أمريكا شروطا سياسية لم يقبلها السادات وتعطل المشروع مرة أخرى، ليعلن في بداية الثمانينيات عن خطة لإقامة 8 محطات نووية، وتقدمت فرنسا، وتم تشكيل مجموعة مشتركة، ليتم اختيار 23 منطقة بمصر، ثم تصفيتهم إلى 3 مناطق يصلحون لتنفيذ المشروع.

وفي ظل حالة الحرب التي عاشتها مصر خلال تلك الفترة، تعثرت المفاوضات، لتبدأ من جديد في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، حيث طرحت السلطة عام 1983، مواصفات مناقصة لإنشاء المحطة لتوليد الكهرباء بقدرة 900 ميجاوات، إلا أنها توقفت عام 1986 بعد حادث محطة تشيرنوبل.

واستمرت محاولات مصر فيما بعد، فأعلنت عام 2002 عن نية إنشاء المحطة لتوليد الطاقة النووية السلمية بمنطقة الضبعة في غضون 8 أعوام بالتعاون مع كوريا الجنوبية والصين، وأصدر مبارك في 25 أغسطس من العام ذاته، قرارا باختيار منطقة الضبعة لإقامة أول محطة نووية لتوليد الكهرباء، بعد الدراسات التي أجريت بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول الموقع، لكن الحلم تبدد مع تصريحات وزير السياحة المصري الأسبق زهير جرانة عام 2004 بأنه سيتم تحويل المدينة إلى قرى سياحية، وقضى ذلك التصريح على كل الآمال المتعلقة بحلم مصر النووي.

وبعد مرورو ثلاثة أعوام، من تصريحات زهير جرانة، ذكر الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2007 أن موقع أول منطقة نووية لتوليد الكهرباء، ستكون بالفعل منطقة الضبعة، لكن الأمور توقفت من جديد، وأثيرت قضية الضبعة مرة أخرى في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، حيث وعد أهالي المنطقة بتعويضات ومقابل عادي من أجل تنفيذ المشروع، لكن الأهالي رفضوا ونظموا عدة مظاهرة، ما أدى إلى توقف المشروع مرة أخرى.

"بداية جديدة"

وبدأت مصر مرحلة جديدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية من أجل تحقيق الحلم النووي، حيث أعلن الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي منذ توليه الحكم اهتمامه بالمشروع واتجه لتنفيذه، ودخلت وزارة الكهرباء في مفاوضات جادة مع 3 دول تقدموا بعروض لإنشاء المحطة النووية؛ وهى "روسيا وكوريا الجنوبية والصين"، ليتم اختيار العرض الروسي.

ووقعت الحكومتان والمصرية والروسية في مارس عام 2015 اتفاقا للتعاون في بناء وتشغيل أول محطة للطاقة النووية في مصر داخل منطقة الضبعة على البحر الأبيض المتوسط وفقا للتقنيات الروسية الحديثة، وبدأت أجهزة الدولة في التحضير لتنفيذ المشروع، حيث كشف رئيس هيئة المساحة بوزارة الموارد المائية والري مدحت كمال أن الهيئة انتزعت ملكية أرض مشروع الضبعة بالكامل، وسلمتها لهيئة الطاقة النووية، لافتا إلى صرف تعويضات وصلت حينها إلى 134 مليون جنيه.

ونصت الاتفاقية بين الجانبين على أن تقدم روسيا قرضا بقيمة 25 مليار دولار، من أجل تمويل الأعمال والخدمات الخاصة بمعدات الإنشاء والتشغيل لوحدات الطاقة الخاصة بمحطة الطاقة النووية، وأن يستخدم القرض بواسطة الطرف المصري لتمويل 85% من قيمة كل عقد لصالح تنفيذ الأعمال والخدمات والشحنات المتعلقة بالمعدات، ويسدد الطرف المصري القيمة المتبقية للتمويل والبالغة 15% في أقساط، إما بالدولار أو بالجنيه المصري لصالح المؤسسات الروسية.

 واستمرت المفاوضات بين الجانبين وزارة الكهرباء المصرية وشركة شركة روس آتوم الروسية حوالي 30 شهرا من أجل الوصول إلى صيغة نهائية لبدء تنفيذ المشروع، خصوصا مع سعي مصر على الحصول على أقل قيمة مادية، علاوة على توفير أفضل آلية للأمان، خاصة فيما يتعلق بعمل العنصر البشري.

وركزت مصر خلال المفاوضات على 8 معايير، تتمثل في: "عدم وجود أي شروط سياسية على مصر في هذا السياق، تاريخ التعاون بين البلدين في إقامة مشروعات قومية كبرى كالسد العالي والحديد والصلب، معاونة مصر السابقة في المجال النووى ببناء أول مفاعل بحثي، تعد روسيا الدولة الوحيدة التى تصنع مكونات المحطات النووية بالكامل وستشترك مصر بمكون محلي يصل إلى ٢٠%.

وكانت أبرز المعايير التي رجحت العرض الروسي، هو "موافقة الجانب الروسي على تدريب المهندسين والفنيين المصريين في محطات مماثلة لمحطة الضبعة في روسيا لصقل مهاراتهم ورفع مستوى خبراتهم، والموافقة على إنشاء مدرسة فنية متخصصة في المجال النووي، والموافقة على أن من حق مصر التعاون مع دول أخرى في تنفيذ المراحل التالية من المحطة بما يتناسب مع مصالح مصر السياسية والإجتماعية، والعمل على توطين الصناعات المكملة عن طريق تأهيل الشركات لإنشاء محطات نووية في مصر وتأهيلها للعمل في هذا المجال واشتراكها في إمدادات المكون المحلي".

"تفاصيل الاتفاق"

وذكرت وزارة الكهرباء المصرية في بيانات عدة لها، أن قيمة القرض ستبلغ من 20 إلى 25 مليار دولار مقدمة من الجانب الروسي، بأجل 13 عاما من 2016 إلى 2028 بفائدة سنوية تقدر بـ3%، إضافة إلى أن توفر موسكو 90% من المكون الأجنبي "عملة الدولة"، وتوفر مصر 10%، وأن نسبة التصنيع المحلى ستصل إلى 25% لإدخال تكنولوجيا الطاقة النووية للبلاد وبناء كوادر مصرية فى هذا المجال وتزداد بصورة تدريجية في الوحدات التالية لتصل الي حوالي 35% في الوحدة الرابعة.

وقالت شركة روس أتوم النووية الروسية المملوكة للدولة: إن المحطة النووية التي ستبنيها في الضبعة بمصر، ستضم أربعة مفاعلات وتتكلف 21 مليار دولار ويتوقع أن ينتهي العمل فيها في 2028/ 2029، إضافة إلى خدمة المحطة لستين عاما.

وأعلن وزير الكهرباء في بيانه، اليوم الإثنين، أن المحطة تتكون من أربع وحدات بقدرة إجمالية 4800 ميجاوات، ومن المتوقع الانتهاء من الوحدة الأولى منها والاستلام الابتدائي والتشغيل التجاري بحلول عام 2026، والوحدات الثانية والثالثة والرابعة بحلول عام 2028 .

وذكر الوزير أن مشروع المحطة يستخدم مفاعلات نووية من الجيل الثالث ويحتوي هذا الجيل على تصميم آمن ومقاوم لخطأ المشغل "العامل البشري"، ويزيد عمر المحطة على 60 عامًا، ولها قدرة على مقاومة الحوادث الضخمة فيمكنها أن تتصدى لاصطدام طائرة وزنها 400 طن وسرعتها 150 مترا في الثانية.

وأكد الوزير أن المفاعلات النووية تمتاز أيضًا بالتشغيل الآمن دون أية تأثيرات سلبية على البيئة المحيطة به، وتضمن عدم التسرب الإشعاعي عن طريق الفلاتر والحواجز المتعددة، وتحتوي على نظام التحكم الآلي الحديث، مشيرا إلى أن المشروع يوفر حوالي عشرة آلاف فرصة عمل جديدة لشباب المحافظة خلال فترة التشييد التي تمتد على قرابة ثمانى سنوات، فضلاً عن ما لا يقل عن 4 آلاف فرصة عمل أخرى بعد التشغيل.

ونوه الوزير إلى أن المشروع سيترتب عليه حدوث رواج اقتصادي وسياحي سيكون له تأثير على منطقة الضبعة ومحافظة مطروح بكاملها، لافتا إلى أن البرنامج النووي المصري السلمى سيؤدي إلى إدخال صناعات جديدة وسيرفع من جودة الصناعة المصرية المتاحة حاليا بما يتماشى مع معدلات الجودة المطلوبة للصناعات النووية.

وتابع: "سيؤدي ذلك بالضرورة إلى تطوير إمكانيات الصناعة المحلية في مجالات تصنيع المعدات الكهربائية والميكانيكية المستخدمة في المحطات النووية وأيضا المستهلكات من زيوت تشحيم وغيرها والتي تحتاجها المحطات النووية والمحطات التقليدية الأخرى والتي تنتجها نفس المصانع لضمان كفاءة التشغيل والصيانة وتعظيم القدرة التنافسية في السوق المحلي والعالمي مما يؤدي إلى تحسين فرص الاكتفاء الذاتي وبالتالي تحسين الدخل القومي".


اضف تعليق