القدس في مرمى مخططات "المسيحية الصهيونية"


١٨ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٤٧ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود سعيد

الانحياز الكامل لليمين الأمريكي لإسرائيل، والذي تجسد أخيرا في قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، ليس مجرد قرار سياسي بل هو مبني على عقيدة دينية ذات طابع إقصائي عنصري دموي، وهذه العقيدة هي الصهيونية المسيحية "البروتستانتية".

الصهيونية المسيحية

الصهيونية المسيحية اسم يطلق عادة على معتقد جماعة من المسيحيين المنحدرين غالباً من الكنائس البروتستانتية الأصولية والتي تؤمن بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان ضرورة حتمية لأنها تتمم نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وتشكل المقدمة لمجيء المسيح الثاني إلى الأرض كملكٍ منتصر. يعتقد الصهاينة المسيحيون أنه من واجبهم الدفاع عن الشعب اليهودي بشكل عام وعن الدولة العبرية بشكل خاص، ويعارضون أي نقد أو معارضة لإسرائيل خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يشكلون جزءاً من اللوبي المؤيد لإسرائيل.

أسباب قرار ترامب

وجاء في مقال لصحيفة "إندبندنت" البريطانية، للكاتب كيم سينغوبتا، أن ترامب خشى من خسارة قاعدته المسيحية المتطرفة، مشيرا إلى أن هناك الكثير من المسيحيين الإنجيليين الذين يؤمنون بنبوءة "نهاية الزمن" والذين يربطونها بسيطرة اليهود على القدس بالكامل وصدام الحضارات، أي المعركة الأخيرة (هرمجدون)، وظهور المسيح فلا يبقى أمام اليهود إلا إما تبني المسيحية، أو الموت من غضب الله بحسب النبوءة.

وأوضح الكاتب أنه بالنسبة للإنجيليين، فإن نقل السفارة هو بداية "نهاية الزمن"، كما يقول الإنجيلي بول بيغلي من إنديانا: "أنا هنا، أقول لكم، إنه عندما يبنى الهيكل فسيظهر المسيح للشعب اليهودي وسيؤمنون به.

كما بين الكاتب سينغوبتا أن أصوات هؤلاء تغلبت على من حذروا من إشعال القرار غضب المسلمين في العالم، وتعقيد عملية التسوية، ما يعرض أمريكا للخطر وفق تعبيره.

اختراق الإدارة

ترامب لم يكن المسؤول الأكبر في الإدارة الأمريكية ممن أقام علاقات مع اليمين المسيحي، بل نائبه مايك بينس وهو ينتمي للتيار المسيحي المحافظ المتشدد، وكان يرعى تنظيم دروس توراتية أسبوعية في البيت الأبيض، هذا الأخير كان وجهه يتوهج من الفرح عندما كان ترامب يلقي خطابه حول نقل السفارة، حيث ضغط بينس على ترامب لينقل السفارة، وكذلك السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، التي حاولت التقرب من الإنجيليين عندما كانت حاكمة لساوث كارولينا.

وأشارت تقارير إلى أن الرئيس الأمريكي تبنى رؤى اليمين المسيحي في عدة قضايا، لكن أكثرها أهمية علاقة إسرائيل بالقدس. وقد قال جوني مور، الناطق باسم مجموعة المستشارين الإنجيليين، للرئيس ترامب لقناة "سي ان ان" أن الرئيس قد أثبت لمؤيديه الإنجيليين أنه يقول ما يفعل ويفعل ما يقول. إذ يرى العديد من الإنجيليين في الكيان الإسرائيلي الحاليَ تحقيقا لوعد توراتي لشعب الله المختار.

وبحسب "الأب ديفيد نويهاوس اليسوعي": "فقد فرض الإنجيليون الأمريكيون أنفسهم على الحلبة السياسية والكثير منهم يشارك المسيحيين الصهاينة في معتقداتهم، ومنهم من عملوا كمستشارين مهمين للرؤساء الأمريكيين، بالتحديد في أوقات الرئيس ريجان وبوش الأب وبوش الإبن، وتبنت وسائل الأعلام الإنجيلية هذه الايديولوجية حيث تقدم مجموعةٌ واسعة من شبكات التلفزة الأجندةَ الإنجيلية للمشاهدين في أمريكا وفي كل أنحاء العالم. تجمع المسيحية الصهيونية بشكل فعال وناجح بين أهمية الأعلام والحركة السياسية. ومن الواضح أن أيديولوجية الصهيونية المسيحية وجدت صدى أكبر لها في ضوء الأعمال العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق والحرب على الإرهاب (الذي غالباً ما يستخدم كمرادف لإسلام متزمت)".

رؤية يهودية

يرى الكاتب اليهودي آرمين لانغر أن ترامب لا يعمل - من خلال قراره بشأن القدس - لمصلحة اليهود في الولايات المتحدة، بل فقط بـ"مباركة" الإنجيليين الأصوليين المسيحيين.

ويضيف: "أكبر منظمة صهيونية في العالم منحدرة أيضًا من الوسط الإنجيلي، أي منظمة "مسيحيون متَّحدون من أجل إسرائيل" (CUFI)، وبحسب لاهوتهم يجب أن يتجمَّع جميع يهود العالم في "أرض إسرائيل" قبل ظهور المسيح. وعندما يتحقَّق ذلك سيتحوَّل جميع اليهود إلى المسيحية. وهذا مفهوم لاهوتي من الممكن بالتأكيد تفسيره على أنَّه معادٍ لليهودية، ذلك لأنَّه لا يدعم في نهاية المطاف الشتات اليهودي، بل يشير في الوقت نفسه إلى أنَّ اليهودية ليست دينًا صحيحًا، بل طائفة دينية عفا عليها الزمن، وسيتم دحرها من خلال التحوُّل إلى المسيحية".

المسيحية الصهيونية والإسلام

فيما يقول الأب ديفيد نويهاوس اليسوعي: في قلب نهاية الزمان هذا تركز الصهيونية المسيحية على الشعب اليهودي ودولة إسرائيل. تقول الصهيونية المسيحية إن الوعود المقدمة إلى الكنيسة في نهاية الزمان والمتعلقة بالاعتراف الشامل بالمسيح كإله ومخلص، يجب إن يسبقه الإيفاء بوعود العهد القديم لإسرائيل. وتتضمن هذه الوعود عودة اليهود إلى وطنهم وتأسيس دولة يهودية وبناء الهيكل الثالث. وهذا كله يدعو إلى شبوب حرب نهاية الزمان التي يجب أن تسبق عودة المسيح الثانية.

ويتابع: "يميل المسيحيون الصهاينة ليس فقط إلى معرفة تفاصيل هذه الأحداث بل إلى معرفة الجدول الزمني لقناعاتهم. تعد أحداث 1948 و1967 نقاط تحوّل مهمة حيث أن ساعة النهاية بدأت تدق منبأة باقتراب النهاية. وفي الوقت العصيب (أنظر مرقس 13 وسفر الرؤيا 12-19)، الذي يسبق عودة المسيح الثانية، سوف تحارب إسرائيل معارك الله، التي ستبلغ ذروتها في معركة هرمجدون (سفر الرؤيا 19). وبعد عودة المسيح سيبدأ حكم المسيح الألفي، الذي سينتهي بالهزيمة الكبرى للشيطان وأعوانه. وسيتخلل هذا الوقت الكثير من العنف والحرب والدمار".

وأضاف: "يلعب الإسلام والمسلمون في سيناريو الحرب هذا دور القوى الشريرة (قبل الإسلام كانت الشيوعية تلعب هذا الدور الوحشي). ستواجه إسرائيل الإسلام وتخضعه حيث أن المسلمين لهم خياران فقط بالنسبة للمسيحيين الصهاينة: إما أن يعتنقوا المسيحية ويتقبلوا هذه الأفكار المسيحية الصهيونية (ويحاول المسيحيون الصهاينة جاهدين أن يحققوا هذه الغاية) أو أن يموتوا في الأحداث الفاجعة المصاحبة لنهاية الزمان. وفي الحقيقة، فإن المسيحيين العرب أمامهم نفس الخيارات كإخوانهم المسلمين (ويطمح المسيحيون الصهاينة بإخضاعهم هم أيضاً لقناعتهم)".

رد مسيحي

وقد وصف المطران عطالله حنا من كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس، الصهيونية المسيحية بأنها "مجموعات متصهينة تدعي المسيحية"، قائلاً أن هذا التيار وما ينادي به يناقض المسيحية وأسسها التي تدعو للسلام والمحبة على عكس الصهيونية المسيحية التي تسعى لهيمنة العنصرية والتمييز العرقي.

وقد فضحت الكاتبة غريس هالسل ابتزاز الغرب للنبوءات الدينية لخدمة الاحتلال في كتابها " Forcing of God's Hand " ، حيث رصدت سلوك وأفكار هذه الحركات الغربية التي دفعت ببعضها إلى القيام بانتحارات جماعية من أجل التعجيل بعودة المسيح المخلّص وقيام القيامة.

وتشرح هالسل كيف يستفيد الكيان الصهيوني من هذه النبوءة، حيث تجبر المسيحي الأمريكي على رؤية واقع مزيف، يبرر الانتهاكات الأخلاقية الفاضحة وجرائم  المشروع الصهيوني العنصري الذي يقوم على الاستيطان، وتهجير الآخرين، وطردهم من أرضهم، والاستيلاء عليها، بل والقيام بمذابح جماعية ضدهم، وهو ما يظهر في التعاطف الذي يبديه المسيحيون التوراتيون مع الاحتلال الإسرائيلي إلى حد المشاركة في المجازر التي يرتكبونها ضد الفلسطينيين، كما فعل بات روبرتسون الذي شارك في غزو لبنان مع إريل شارون والمذابح الوحشية التي ارتكبها وشارك معه متطوعون من المسيحيين التوراتيين حاربوا مع الجيش الصهيوني، كما كشفت هالسل، أن معظم المحاولات التي جرت لحرق المسجد الأقصى أو هدمه وبقية المقدسات الإسلامية في القدس هي من أجل إقامة الهيكل، وقد موَلَت تلك المحاولات وخطط لها "مسيحيون توراتيون" من المؤمنين بنبوءة "الهرمجدّون" إن لم يشاركوا فيها!.



والخلاصة أن تلك الأفكار المتطرفة، ليست في الكتب أو مواقع الإنترنت أو بين الصحف والمجلات، وإنما وصل المنتمون إلى مستويات صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، ومخططها واضح المعالم، تروج له فضائيات يتابعها عشرات الملايين من البشر.

وللأسف تدفع شعوب لا ناقة لها ولا جمل، ثمن تلك الأفكار الشيطانية، التي تزداد خطورة ووحشية، والواضح أن تلك المخططات اقتربت من المسجد الأقصى والقدس، وهو ما يعني أن ما يجري اليوم ليس إلا مقدمة لما سيجري غدا.



اضف تعليق