استراتيجية ترامب للأمن القومي.. كثير من الجدل قليل من الواقعية


١٩ ديسمبر ٢٠١٧ - ١١:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الإثنين، عن استراتيجيته للأمن القومي، ليثير موجة من الانتقادات الحادة كعادته، وهذه هي المرة الأولى التي يستعرض فيها رئيس للولايات المتحدة استراتيجيته للأمن القومي خلال عامه الأول في البيت الأبيض، وتركز الاستراتيجية الجديدة على أربعة محاور رئيسية هي حماية الولايات المتحدة والشعب الأمريكي، ودعم الازدهار، والحفاظ على السلام من خلال إظهار القوة، وتوسيع النفوذ الأمريكي تحت شعار "أمريكا أولا".

هذه الاستراتيجية المثيرة للجدل تعيد للأذهان لغة الحرب الباردة، إذ تتحدث عن ثلاثة أنواع من التهديدات لأمن أمريكا العظمى تتمثل في القوى الساعية لتغيير النظام العالمي كالصين وروسيا، و"الأنظمة المارقة" مثل كوريا الشمالية وإيران، ومجموعات ناشطة لأعمالها تأثير دولي، مثل داعش.

أبرز ملامح الاستراتيجية

وبحسب موقع الخارجية الأمريكية تتبلور أبرز ملامح الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي حول المحاور الآتية:

أولا : حماية الولايات المتحدة والشعب الأمريكي، عبر تعزيز السيطرة على الحدود وإصلاح نظام الهجرة لحماية الوطن واستعادة السيادة، واستهداف التهديدات في مصدرها قبل أن تصل إلى الحدود أو تسبب ضررا للشعب الأمريكي، ومضاعفة الجهود لحماية البنية التحتية الحيوية والشبكات الرقمية، ونشر نظام دفاع صاروخي متعدد الطبقات للدفاع عن البلاد ضد الهجمات الصاروخية.​

ثانيا: تعزيز الرخاء الأمريكي، وذلك عبر تجديد الاقتصاد لصالح العمال والشركات، عدم التسامح مع الانتهاكات التجارية المزمنة والسعي إلى علاقات اقتصادية حرة وعادلة ومتبادلة، وتحقيق النجاح في المنافسة الجيوسياسية، والعمل على حماية قاعدة الابتكارات الأمنية الوطنية، والعمل على ضمان أن تظل أسواق الطاقة العالمية مفتوحة وأن تعزز فوائد التنويع.​

ثالثا: الحفاظ على السلام من خلال القوة، عبر إعادة بناء القوة العسكرية الأمريكية لضمان بقائها في المرتبة الأولى، واستخدام جميع الأدوات الدبلوماسية والمعلوماتية والعسكرية لحماية المصالح الأمريكية، وتعزيز قدرات الولايات المتحدة في المجالات المختلفة، والحفاظ على توازن القوى لصالح الولايات المتحدة في المناطق الرئيسية من العالم الهند والمحيط الهادئ وأوروبا والشرق الأوسط.

رابعا:  تعزيز النفوذ الأمريكي، وذلك عبر مواصلة تعزيز نفوذ البلاد في الخارج، وتنافس الجهود الدبلوماسية والتنموية للولايات المتحدة لتحقيق نتائج أفضل في مختلف المجالات، والسعي إلی إقامة شراكات مع الدول ذات التوجهات المماثلة من أجل تعزيز اقتصادات السوق الحرة ونمو القطاع الخاص، ومناصرة قيم سيادة القانون وحقوق الفرد، والعمل على تعزيز نفوذ الولايات المتحدة في العالم كقوة إيجابية يمكن أن تساعد على تحديد ظروف السلام والازدهار وتنمية المجتمعات الناجحة.

ذهنية الحرب الباردة

في أول رد فعل على وصفهما كمصدر لتهديد أمن الولايات المتحدة، اعتبرت بكين وموسكو  الاستراتيجية عودة إلى "ذهنية الحرب الباردة" و"الطابع الإمبريالي" لدى واشنطن، ومن جانبها قالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية هوا شونينج في بيان مقتضب نحض الولايات المتحدة على التوقف عن تشويه نوايا الصين الاستراتيجية بصورة متعمدة، والتخلي عن مفاهيمها التي عفا عليها الزمن.

فيما اتهمت موسكو واشنطن بالتمسك بـ"عالم أحادي القطب"، وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: الطابع الإمبريالي لهذه الوثيقة يبدو جليا، وكذلك رفض التخلي عن عالم أحادي القطب، رفض يتسم بالإصرار، مشيرا إلى أن سلطات بلاده لا يمكن أن تقبل بأن تعامل روسيا على أنها تهديد لأمن الولايات المتحدة.

وتحت عنوان "استراتيجية ترامب للأمن القومي ماتت لدى الإعلان عنها" قال إيلان جولدنبرج مدير برنامج الأمن في الشرق الأوسط في مركز الأمن الأمريكي الجديد في مقال نشرته "نيوزويك"، هذه الوثيقة لا تساوي الورق الذي كتبت عليه، وهي واقعيا ماتت يوم خرجت إلى النور، فمن الواضح أنه من المستحيل تنفيذها مع وجود شخصية كترامب غير قادرة على قيادة البلاد بالدبلوماسية المطلوبة، ولكي نفهم لماذا يكون ضربا من الخيال الاعتقاد بأن استراتيجية الأمن القومي سترسم سياسة إدارة ترامب خلال السنوات المقبلة، لا بد أن ننظر فقط إلى نمط ترامب خلال الأشهر الماضية، فهو منذ توليه الرئاسة يسند إلى فريقه مهمة وضع الخطط، ثم يأتي ليقوض هذه الخطط بنفسه، إما بسبب بعض معتقداته الشخصية أو هوسه بتمزيق كل ما بني في عهد أوباما.

 وأضاف جولدنبرج هذا يجعل من المستحيل وضع أي نهج ذي مغزى ومتماسك وطويل الأجل إزاء أية مشكلة صعبة، ومثال على ذلك ما حدث في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أخيرا، خلال العام الماضي أكد الرئيس أنه يريد إبرام اتفاق سلام نهائي بين الطرفين، وكلف فريقا يرأسه كوشنر ومستشار إسرائيل جيسون جرينبلات بوضع خطة، وبعد أن  أمضوا شهورا في الاستماع إلى جميع اللاعبين الرئيسيين، وأعلنوا قرب التوصل إلى خطة مطلع 2018، فاجأ ترامب العالم مطلع الشهر الجاري باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، والنتيجة الآن أن الفلسطينيين يرفضون حتى الاجتماع مع المسؤولين الأمريكيين، ويبدو أن خطة السلام "الخطيرة" قد خرجت عن مسارها.

وتابع خلاصة القول.. ترامب يتعامل مع السياسة كما لو كان شيطان "تسمانيا"، ففحين يقوم مستشاروه بالتداول  بجدية حول الخطط الهامة للسياسية الأمريكية والخيارات المتاحة، يدخل هو ليحول كل شيء بعنف رأسا على عقب، وفي هذا المناخ تصبح فكرة وضع استراتيجية وطنية شاملة قابلة للتطبيق ضربا من الخيال.. إذا هذه الاستراتيجية كي تصبح قابلة للتنفيذ يجب أولا سدّ الفجوات بين أهدافها المعلنة وحقيقة السياسات التي يتبعها ترامب فعليا.



اضف تعليق