إضراب موظفي غزة.. قنبلة موقوتة في وجه المصالحة الفلسطينية


١٩ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٥:١٦ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

تحدٍ جديد يواجه حكومة "الحمد لله"، والتي أصبحت الحكومة التي يعقد عليها ملايين الفلسطينيين آمالهم، بعد المخاض العسير الذي وصلت إليه المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، والتي تمت برعاية مصرية، في مطلع شهر ديسمبر الجاري، ويتمثل ذلك التحدي في الإضراب العمالي الضخم الذي يشهده قطاع غزة، والذي توج اليوم باعتصام كامل أمام مقر رئاسة مجلس الوزراء في القطاع.

وقد حمل الإضراب في مجمله العديد من المطالب، كان أبرزها التعجيل بصرف الرواتب، والتي اتهموا حكومة الوفاق الوطني بالتلكؤ فيها، إلى الحد التنصل من وعودهم بها، فيما تصاعدت المطالب إلى حد التلويح بالتهديد للدعوة إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني بدلًا من الحكومة الحالية.

في التقرير التالي نسلط الضوء على الأزمة الجديدة، ولكن قبل ذلك نشير إلى خلفياتها، والتي أوصلت الأمور إلى حد الشلل التام، أو إن صح التعبير "الجفاء"، فيما بين موظفي القطاع والمسؤولين في الحكومة الوليدة.

رواتب الموظفين.. الشرارة الأولى للأزمة



يرى البعض أن حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية باتت "تتلكأ"، في دفع رواتب موظفي غزة عن شهر نوفمبر الماضي بحسب الاتفاق المبرم بين حركتي فتح وحماس في القاهرة مؤخراً، معربين عن خيبة أملهم بذلك آمال الموظفين الذين يرقبون بشغف كبير دمجهم على سلم رواتب السلطة الفلسطينية.

وقد تكفلت وزارة المالية بغزة بدفع 40% من رواتب الموظفين لشهري 9 و10، بينما جرى الاتفاق أن تتحمل حكومة "الحمد الله" رواتب شهر 11، كونها مسؤولة عن قطاع غزة بعد استلامها الوزارات والمعابر بشكل كامل في القطاع.

وصرفت وزارة المالية بغزة، أواخر نوفمبر الماضي دفعة بقيمة ألف شيكل لجميع الموظفين في غزة، وذلك للمرة الأولى التي يتم فيها صرف دفعة مالية موحدة لجميع الموظفين الذين كانوا يتقاضون رواتب بنسبة 40% و50% بما لا يقل عن 1200 شيكل، وذلك بعدما انتقلت المسؤولية على المعابر لصالح حكومة الحمد الله بداية نوفمبر الماضي.

وبحسب اتفاق القاهرة، فإن حكومة الحمد الله ملزمة بدفع رواتب للموظفين في غزة عن شهر نوفمبر الماضي، لكن المؤشرات السلبية وضعت الموظفين في حالة من التذمر لاسيما أنهم عقدوا آمالهم على إعادة رواتبهم كاملة بعد توقيع اتفاق المصالحة.

وكانت وزارة المالية في رام الله أعلنت نيتها صرف رواتب موظفي السلطة، في مطلع شهر ديسمبر الجاري، متجاهلة الحديث عن إدراج موظفي غزة ضمن هذه الرواتب.

وفي هذا السياق، أعلن الدكتور إيهاب النحال رئيس الحملة الشعبية لمناصرة موظفي قطاع غزة، النفير العام لجموع موظفي غزة وكل الجماهير المناصرة لقضيتهم العادلة؛ في ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة، يوم الرابع من ديسمبر الحالي، وقال: "الحكومة تعلن الحرب على موظفي غزة وقوت أطفالهم، ولم تدرجهم ضمن رواتب شهر نوفمبر حسب اتفاق المصالحة".

من جانبها، أكدت نقابة الموظفين في القطاع العام قرارها بمنع الموظفين المستنكفين من العودة للوزارات لحين الاعتراف بحقوق موظفي غزة كاملة، محذرة من النكوص عن دفع راتب شهر نوفمبر.

وأكدت النقابة على أن عودة المستنكفين إلى عملهم من اختصاص اللجنة الإدارية القانونية بعد التئام أعضائها كافة في غزة والضفة، مضيفة أن هذه العودة لن تتحقق إلا بعد دمج الموظفين وتسكينهم وتحقيق الأمان الوظيفي لهم.

وحذرت نقابة الموظفين أنه في "حال النكوص عن استحقاق 5 ديسمبر، وعدم صرف رواتب الموظفين في غزة، فإنها سنعتبر ذلك بمثابة إعلان حرب؛ إذ يمس أرزاق 45 ألف موظف يعيلون أكثر من ربع مليون فلسطيني".

وقالت النقابة في بيان لها "عدم صرف رواتب الموظفين يعتبر شرارة الغضب التي نحذر حكومة السيد الحمد الله من تبعاتها لأنها هي وحدها من تتحمل المسؤولية إضافة للجهة التي تتحكم بها وتصدر لها القرارات، ونعلن أن كل خياراتنا وفعالياتنا مطروحة على الطاولة".

اعتصام واحتجاجات متصاعدة



شهد قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، وتحديدًا من أمام مقر رئاسة مجلس الوزراء الفلسطيني، خيمة اعتصام، نصبها موظفو قطاع غزة، للمطالبات بكافة حقوقهم الوظيفية، متعهدين باستمرار خيمة الاعتصام، معتبرين في الوقت ذاته أنه إذا لم تلب حكومة "الحمد لله" الاستحقاقات تجاه 40 ألف من موظفي غزة، فإن الخطر سيتهدد المصالحة الوطنية الفلسطينية برمتها.

وليس ببعيد عن مجلس الوزراء، فعند مقر التأمين والمعاشات، صعّد الموظفون الذين أُحيلوا إلى التقاعد أيضًا من احتجاجاتهم ضد قرار الحكومة إحالة عدد كبير منهم إلى التقاعد، كان آخرهم كافة موظفي مكتب الرئيس في غزة والبالغ عددهم 400 موظف.

وبينما تسير الخطوات في تجاه تحقيق مصالحة شاملة وتمكين الحكومة، تبدو قضايا الموظفين قنابل مؤقتة تعترض طريق الحكومة والتمكين.

في هذا السياق، أشارت وسائل الإعلام الفلسطينية التي تناولت الحدث بالتغطية، أن الموظفون في الخيمة رفعوا شعارات "حقوق الموظفين هي أساس التمكين"، أما الموظفون لدى هيئة التأمين والمعاشات فرفعوا شعارات "الموظفون متساوون بالحقوق والواجبات في محافظات الوطن"، وقد تزامن رفع تلك الشعارات مع جلسة الحكومة الأسبوعية، ممنين النفس بأن تجد تلك المطالبات طريقها الى طاولة الحكومة اليوم.

نقابة الموظفين: الاحتجاجات مستمرة.. وندين مماطلة الحكومة وتنصلها من استحقاقات المصالحة



هددت نقابة الموظفين، على لسان رئيسها في قطاع غزة "يعقوب الغندور"، باستمرار الاحتجاجات النقابية، مشيرًا إلى أن الخيمة مجرد استكمال لسلسلة من أشكال الاعتراضات، بدأت الأسبوع الماضي بالإضراب الذي شمل جميع المؤسسات الحكومية بالقطاع، مشددا أن الخيمة ستتواصل حتى ينتزع الموظفون حقوقهم الوظيفية كاملة.

وأضاف الغندور:" يجب أن تحل قضية موظفي غزة حلًا كاملًا وإلا سيكون هناك خطر كبير على خطوات ومجريات المصالحة"، مشددًا أن الخيمة اليوم هي بداية واستكمال للتعبير عن حالة الغضب التي يعانون منها، جراء ما وصفه بـ مماطلة وتنصل الحكومة لاستحقاقات المصالحة وعلى راسها دفع رواتب الموظفين.

وحول اعطاء الفرصة للجنة الادارية والقانونية لاستكمال عملها قال الغندور:"لا نعتبرها موجودة كونها لم تلتئم بكل اعضائها من غزة والضفة وهذا يثير كثير من الريبة والخوف لدى الموظفين".


وتساءل:"لماذا لم تلتئم اللجنة الادارية حسب اتفاق القاهرة ما بين اعضائها من غزة والضفة هذا استحقاق تهربت وتنصلت منه الحكومة وحتى اللحظة وتهربها من استحقاقات الرواتب وعلى راسها استحقاقات رواتب شهر نوفمبر حسب اتفاق القاهرة".

من جانبه دعا خليل الزيان الناطق الاعلامي باسم نقابة الموظفين رئيس الوزراء الدكتور رامي الحمد الله لحل كافة الاشكاليات المتعلقة بالموظفين ومنها الاشكاليات التي تحدث داخل الوزارات.

وقال الزيان:" الموظفون و"المستنكفون" زملاء ونحن ابناء شعب واحد لذلك يجب صرف الرواتب بشكل عاجل لان الوضع الموظف في قطاع غزة لا يحتمل وهناك عشرات الوظائف بل المئات نتوقع ان نشهد المزيد من الاشكاليات في داخل الوزارات".

موظفو التأمين والمعاشات: قانون التقاعد الإجباري "مجحف" ومرفوض.. وعلى الحكومة التراجع




من جانبهم، أكد الموظفون الذين أحيلوا للتقاعد والذين اعتصموا عند مبنى التأمين والمعاشات، أن ما قامت به الحكومة من تمرير قانون التقاعد الاجباري المبكر لالاف الطاقات الشابة مرفوض، ودعت الحكومة للتراجع عن هذا القرار مشددين أنهم لن يكونوا حائلًا أو معيقًا أمام إنهاء قضية الموظفين الذين تم تعينهم في العام 2007.

في هذا السياق، أشار عارف ابو جراد نائب نقيب الموظفين في الوظيفة العمومية ان هذه رسالة موجهة الى مجلس الوزراء رافضين رفضا قاطعا قانون التقاعد الاجباري المبكر "المجحف" بحق جميع موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية.

وأكد ابو جراد بعدم قانوينة قانون التقاعد المبكر الاجباري وأنه يلحق اضرار جسيمة اقتصادية او اجتماعية او مكانة رمزية للموظف الذي بنى وأسس مؤسسات السلطة الفلسطنية وأرسى قواعد الدولة الفلسطينية.

وقال ابو جراد لمرسلة معا:"نحن نؤكد رفضنا للقانون الذي سيحول الاف الموظفين الى متسولين علما ان جميع الموظفين وما يقارب اكثر من 80% من موظفي السلطة على كاهلهم قروض كبيرة".

وأكد أبو جراد استمرار الاحتجاجات السلمية ضد قانون التقاعد وانهم مستمرين بالمطالبة بحقهم بالعودة الى اماكن عملهم وخدمة الشعب الفلسطينية داعيا الحكومة الى وقف الخصومات على رواتب الموظفين وإعادة ما تم خصمه من رواتبهم.

حكومة الحمدلله: لم نتسلم كامل صلاحياتنا في غزة.. ولم تتم عملية التمكين



قبل نحو أسبوعٍ، أطلقت حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية، تصريحات يمكن وصفها بـ "المدافعة" عن موقف الحكومة الجديدة المتمخضة عن المصالحة الأخيرة، وجاء مفادها على لسان "يوسف المحمود" الناطق باسمها، فأكد أن الحكومة لم تتسلم بعد كامل صلاحياتها ومسؤولياتها، ولم تتم عملية التمكين حسب الاتفاق.

وشدد المحمود على أن الحكومة تسعى بشكل حثيث لاستكمال تسلم مهامها، ومسؤولياتها، من أجل ضمان إنهاء معاناة شعبنا البطل الصامد، موضحا أن بعض العقبات ما زالت ماثلة  حتى اليوم، وتعرقل عملية  تمكين الحكومة، ومن ضمنها عودة الموظفين القدامى.

ولفت إلى العقبة الأخيرة التي تم إضافتها خلال الساعات الأخيرة، وهي وقف عملية الجباية والتي كانت ستبدأ يوم 10\12\2017، الأمر الذي سينعكس سلبا على العملية المالية، وعلى مسؤولية الحكومة في دفع كافة المستحقات المالية، وفي مقدمتها مستحقات الموظفين طبقا لما جاء في اتفاق القاهرة في تشرين أول الماضي.

وطالب المتحدث الرسمي حركة حماس بالتراجع عن خطوة وقف عملية الجباية، والعمل على اعادة العمل بها، حرصا على مصالح أبناء شعبنا، وعلى سير عملية المصالحة الوطنية التي نتمسك بها، ونعمل من اجل تحقيقها.

وجدد التذكير أن أكثر من عشرة سنوات من الانقسام تحتاج الى الوقت والى تضافر جهود الجميع، من أجل تذليل الصعوبات، والعراقيل، والأوضاع المعقدة التي خلفتها تلك السنوات الثقيلة السوداء، وطالت كافة الصعد الإدارية، والمالية، والقانونية، والسياسية، والأمنية، وهذا ما أدركته الحكومة منذ البداية، وكان من النتائج التي تم التوصل اليها من خلال دراستها، وبحثها المستمر في الوضع المعقد، وتبعاته السوداء.

الخلاصة

ما بين حالة الاحتقان الاجتماعي الذي تشهده غزة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وما بين أكوام من المشاكل تعانيها حكومة الوفاق الوطني، من أبرزها المصالحة الفلسطينية واستحقاقاتها، فضلًا عما تشهده الأراضي الفلسطينية من توترات جمة، بعد القرار الأمريكي حول القدس، تظل الأزمات تلاحقها الفلسطينيين سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فهل من أفق لحلحلة تلك الأزمات، في عهد الحكومة الحالية، أم تشهد تلك الأزمات تصاعدًا خلال الفترة المقبلة؟!.


اضف تعليق