2017.. إرهاصات "التنوير" بين قطبي العالم الإسلامي والمسيحي


٢٤ ديسمبر ٢٠١٧ - ١٠:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

التقدم الإنساني يأتي على شكل "فرص" و"لحظات" باهرة لا تتكرر كثيرًا في التاريخ، وكتل الدفع اللامعة لتلك اللحظات هي التي تغير إحداثيات المشهد وتدفع به إلى الأمام في "قفزات" ثورية لا يمكن أن تمر مرور الكرام.

من أبرز التطورات التي شهدها عام 2017 تلك الحركة التنويرية التي ضربت السعودية التي نجدها تواجه بقايا فكر "متحجر" لم يعد ينسجم مع طموحات الدولة الهادفة إلى ضرورة التطوير والتجديد، والتي تبناها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي حاز على لقب رجل العام.

على الجانب الآخر نجد انفتاحًا "مسيحيًّا" مع الآخر وزيارات متبادلة بين الفاتيكان وكل من مؤسسة الأزهر الشريف والمملكة العربية السعودية.

كما كان لمؤسسة الأزهر الشريف وقفات من نور هدفت لنشر الدين الإسلامي الوسطي الذي ينبذ العنف ويواجه التطرف.

في ضوء الأحداث والهزات السياسية الكبرى، التي شهدتها المنطقة والعالم كان لابد من رؤية جديدة تنويرية قادرة على التعامل والمواجهة في زمن أصبح فيه الحفاظ على الدولة "مطلبًا" أساسيًّا، ومواجهة الإرهاب أولوية قصوى.

التاريخ يشهد.. نضال في مواجهة الفكر الظلامي

يعد "التنوير" من المفاهيم الأساسية التي تضرب حالة التخلف والرجعية التي تقع فيها المجتمعات كما يعتبر مطلبًا لأي دولة تطمح في السير نحو التقدم، وهو تلك الحركة التاريخية الإنسانية الهادفة إلى دفع البشر للإيمان بقدراتهم العقلية والنقدية والتحرر من كهنوت السلطة السياسية والدينية.

في بدايات القرن الثالث الهجري كانت حركة الترجمة والتنوير قد بلغت أوجها في الحضارة الإسلامية بفضل الجهود الكبيرة التي أشرف عليها ورعاها واحد من أهم خلفاء الدولة العباسية وهو الخليفة المأمون، حتى قيل إنه كان يمنح من يترجم كتابًا من كتب اليونان إلى العربية ما يعادله ذهبًا، غير أن هذه النهضة كانت بدأت قبل المأمون بسنوات، وذلك بفضل إيمان المجتمع العربي في ذلك الوقت بأهمية العلم والمعرفة، وكانت هذه الفترة هي -بلا شك- من أزهى مراحل الحضارة العربية الإسلامية، غير أن هذه الروح المتنورة لم تكن موجودة طوال تاريخ الحضارة بل تخللها -قبلها وبعدها وخلالها- فترات من الظلام والتدهور والتخلف الفكري، كان سببه بلا شك الجمود العقلي والتطرف المذهبي الضيق، الذي يخنق الروح الإنسانية بصرف النظر عن أصله المذهبي، ففي منتصف القرن الثاني الهجري أعدم الفقهاء عبد الله بن المقفع وقطعوا أوصاله وأحرقوها في النار وهو ينظر لها حتى مات، وفي بدايات القرن الثالث الهجري أعدم الحاكم بإيعاز من الفقهاء المتصوف الشهير الحسين بن منصور الحلاج وصلبوه ومثلوا بجثته، وفي نهايات القرن الرابع وبدايات الخامس الهجري تعرض ابن رشد لمحنته الشهيرة وأحرقت كتبه ومؤلفاته بإيعاز من فقهاء عصره الذين اختلفوا معه فكريا، ولم يكن هذا الفكر الظلامي مقصورا على الحضارة الإسلامية في عصورها المختلفة، بل يمكن أن نجد نفس المأساة في الغرب المشهور بعقلانيته، فسقراط قبل عدة قرون قتلته الجماهير بإيعاز من أعدائه الذين استخدموا الدين في هذا الصراع، وفيما بين القرنين الخامس والسادس عشر الميلادي تعرض اثنين من أهم علماء الإنسانية -كوبرنيكوس وجاليليو- لانتهاكات سافرة من الكنيسة بسبب أفكارهم الجديدة عن الكون، وفي عام 1600 ميلادي حوكم الفيلسوف الإيطالي الشهير جوردانو برونو بتهمة الهرطقة والإلحاد وأحرقته محاكم التفتيش حيًّا.

في فترة النضال الأوروبي مع الكنيسة وممارساتها هناك العجب العُجاب، فكم من تنويريين فقدوا حياتهم نتيجة تلك المعارك الطاحنة التي خاضوها مع المؤسسة الدينية.

أمام محاولات اكتشاف الذات والعودة إليها والتي بدأت عام 1685 عجز الوعي المسيحي التقليدي عن الاستمرار واستمر كبت الكنيسة لمسارات اكتشاف الذات الأوروبية، وبدأت أوروبا سلسلة من المعارك التنويرية التي غيرت الاتجاهات في أوروبا، وكان جان جاك روسو وفولتير من أبرز المفكرين الذين ساهموا بفكرهم بما يمكن تسميته بـ" القطيعة الابيستمولوجية" مع الموروث الديني.

وقد استبدل التوجه الديني في هذه الفترة بـالإيمان بالعلم والمعرفة يقول جون لوك: "من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًّا أو فكريًّا أو اجتماعيًّا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تُنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف، يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر، هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحرارًا، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة".

السعودية.. التنوير في مواجهة التكبيل

رأت القيادة السياسية الجديدة في المملكة –في ثورة دينية وخطوة جريئة محسوبة الخطوات- أن التجديد الديني والانفتاح الثقافي هو سبيل المملكة لمزيد من الرقي والتقدم، وكانت نظرتهم هذه تتجلى من معرفتهم بأن للمملكة العربية السعودية بُعْدًا استثنائيًّا يتجلى في المكانة التي تتمتع بها في العالم الإسلامي، والصدى الذي تتركه سياستها في نظر العالم الغربي للإسلام ككل؛ كونها هي "الرمز" و"القطب" الذي يمثل الوعي الإسلامي.

في عام 1990 قررت وزارة الداخلية السعودية حظر قيادة المرأة بعد صدور فتوى دينية بتحريمه، وبعد أكثر من ربع قرن رأينا العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز يُمكّن المرأة من قيادة سيارتها، معتمدًا في هذا على فتاوى المعتدلين من علماء المملكة، وهو مؤشر "قوي" ودليل "قاطع" على أن الفاعل "الديني الوسطي" صار محطّ نظر الفاعل السياسي، وباتت الأصولية الدينية المتزمتة بعيدة عن الحداثة السياسية والاجتماعية، وتمكّنت الإرادة الدينية الوسطية من قيادة الدفة في المملكة، وكلها مؤشرات نحو مزيد من التنوير للحاق بركب التحديث.

وتظهر القرارات المثمرة للملك؛ كانتصار لحقوق المرأة واستنارة جديدة في مجال الحوكمة والتدبير الرشيد، ومحاولة للخروج من الفكر الأصولي وتحول النهج السياسي المعتمد في التعاطي مع الشأن الاجتماعي ليصبح أكثر انفتاحًا، وانعطافة تبلور بقوة الهوية الحضارية للمملكة بقرار ثوري يخترق بنية التشدد والجمود الاجتهادي، ويفتح الأبواب لمزيد من أنشطة التنوير والانفتاح.

وتندرج هذه التغيرات في السياق العربي الذي شمل -هذا العام أيضًا- الإصلاحات في تونس بشأن علمنة المواريث والزواج؛ فأحد الصفات الأساسية التي يجب أن يتحلى بها صناع القرار السياسي الإيجابية والمرونة والقدرة على الموازنة بين حاجات الفرد وحقوقه وحاجات الدولة واستحقاقاتها لتكون الدولة هي البوصلة التي تضبط الحريات وتصونها، لا تلك التي تقيدها وتصادرها اعتمادًا على التحريم والتجريم.

ويظل القرار السياسي بذرة تحتاج إلى بيئة خصبة ومتكاملة لتساعدها على النمو، وهنا تكمن مسؤولية المجتمع في محاربة التطرف والتشدد الذي هو من أخطر معرقلات التقدم.

وقرار الملك سلمان بخصوص قيادة المرأة له آثار رمزية هامة؛ فهو يعزز مفهوم المواطنة، ويرسخ فكرة الحرية الفردية في المجتمع، ويبدو أنه أرضية لانطلاق صحوة حداثية ومدنية معاكسة للصحوة الدينية.

إن قرار منح المرأة حق القيادة جاء ضمن خطة كبرى لتحسين أوضاع المرأة ككل من خلال إدخالها في مجالات العمل وجعلها تتولى العديد من الأدوار والمناصب الفعالة.

كان تجريد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صلاحياتها العام الماضي إحدى الخطوات التمهيدية لكسر أهم الركائز في المجتمع السعودي؛ حيث قام ولي العهد بتقليص صلاحيات الهيئة لتقتصر على الحديث مع الناس في الشوارع وتحويل أي مخالفات لجهاز الشرطة.

وتضمنت رؤية السعودية 2030 أيضًا خططًا تنموية واجتماعية للنهوض بالمجتمع السعودي تحقق ودعمه اجتماعيًّا وترفيهيًّا، فرأينا مشاركة نسوية هي الأولى من نوعها في فعاليات مهرجان اليوم العالمي للمشي، وقرارًا بالسماح للفتيات بممارسة الرياضة في المدارس الحكومية بعد أن كان أمرًا مخلًّا بالحياء، وترشيح ريم الغامدي للمشاركة في قمة "girls20" التي تقام سنويًّا في دولة مختلفة، وحفلات غنائية مختلطة للعائلات للمرة الأولى في تاريخ المملكة.

والموافقة على إصدار تراخيص للراغبين في فتح دور للعرض السينمائي بالمملكة السماح ببث الحفلات الغنائية والسهرات الفنية على شاشتها، الأمر الذي كان محظورًا على القنوات السعودية إدراج فن "الهيب هوب" ضمن ما تقدمه وتدعمه جمعية الثقافة والفنون في جدة، والسماح بعرض مسرحية كوميدية مصرية للعائلات للمرة الأولى.

وتوفر هذه القرارات مظلة لمقاربات أكثر معاصرة للنصوص الدينية تتيح إنتاج منظومة تأويلية جديدة تختلف عن المنظومة المتشددة التقليدية، وتفتح المجال أمام حراك فكري ديني وفقهي في الفضاء العربي والإسلامي، وتضع المؤسسات الدينية الرسمية التقليدية وجهًا لوجه، لتقوم بمسؤوليتها الأساسية في مراجعة التراث الفقهي والموروث الإفتائي خاصة ذلك الذي يعيق التقدم والازدهار.

هذه القرارات من شأنها أن تمهد طرقًا للحفر في بنية الهيمنة الأصولية في العالم الإسلامي تلك الهيمنة التي من خلالها تشكلت وترعرعت البيئة الحاضنة للتشدد والإرهاب.

المملكة السعودية باتت اليوم مختلفة بصورة كلية عن مملكة الأمس، ويبدو أنها ستتغير في المستقبل، خاصة بعد تطبيق خطط الإصلاح التي يتبناها الأمير المستنير والتي تهدف لمزيد من الانفتاح للمجتمع السعودي.

الفاتيكان.. تسامح وانفتاح وتجديد

تعد الدياناتان المسيحية والإسلامية من أكثر الديانات تجاورًا عبر التاريخ والجغرافيا، ويشكل الفاتيكان أحد أقطاب العالم الدينية.

وللزعامات الروحية والدينية قيمة كبيرة ودور بارز في مواجهة موجات الإرهاب التي تنتج موجات مضادة للعنف والكراهية وقد أدرك كل من الفاتيكان والأزهر الشريف هاتان المؤسستان العريقتان ضرورة ضخ المزيد من قيم التسامح والمحبة في مواجهة التطرف.

موجات الإرهاب التي أنتجت موجات مضادة من العنف والكراهية قضية لا تعني جهة دون سواها، بل يجب التنبه إلى قيمة ودور الزعامات الروحية والدينية وما يمكن أن تقدمة في هذا الشأن.

البابا فرانسيس بابا الفاتيكان معروف بتسامحه ونبذه للتطرف ويعد أول رجل داخل الكنيسة الكاثوليكية يحظى بإعجاب معظم الطوائف في العالم "مسلمين، ومسيحيين، ويهود، وملحدين" أظهرت تصريحاته ومواقفه شخصًا تقدميًا متسامحًا، ومن أبرز هذه التصريحات والمواقف موقفه من المثليين ومطالبته للكنيسة بالاعتذار لهم عن ممارستها التاريخية معهم، فضلًا عن تسامحه مع غير المؤمنين، فنجده يتحدث عن الملحدين في خطاب له يقول فيه "إن الله سيعفو عن غير المؤمنين لو أنهم اتبعوا ضمائرهم" وأنه من الأفضل أن يكون الإنسان ملحدًا بدلًا من أن يكون كاثوليكيا منافقا، كما اتُّهم "البابا" بأنه ماركسي بسبب آرائه المناهضة للرأسمالية ومواقفه المدافعة عن العدالة الاجتماعية وكانت تصريحاته محاولة لتغيير الصورة الرجعية للكنيسة الكاثوليكية.

في هذا العام أيضًا أعطى البابا فرانسيس الضوء الأخضر لخوض عدة جولات من النقاش الكنسي لدراسة إمكانية السماح للرجال المتزوجين بدخول السلك الكهنوتي والعمل ككهنة، وقد أشارت صحيفة الديلي ميرور في تقرير لها أن البابا قد أعطى الإذن بالتساهل جزئيًا مع شروط العزوبية بالنسبة لاختيار الكهنة في الأماكن النائية لمواجهة أزمة نقص رجال الدين المسيحي.

كان البابا فرانسيس من السباقين على حث العالم والكنائس على فتح الأبواب ومواجهة موجات اللاجئين الفارين من بلدانهم إلى أوروبا واتخذ مواقف أكثر عقلانية تجاه القتل والتشريد الذي تعرضت له الطوائف المسيحية في البلدان العربية .

وتقوم الكنيسة الكاثوليكية بدور هام بغية مواجهة تيارات اليمين المتطرف في الغرب تلك التي تسعى لتصوير الدين الإسلامي والمسلمين باعتبارهم إرهابيين وأعداء للغرب المسيحي.

في نوفمبر الفائت جاء الحوار الرصين بين الرياض والفاتيكان معزز بثقل ديني وسياسي، وكان اللقاء الذي دار بين وفد رسمي سعودي وبابا الفاتيكان بذرة للحوار بين الأديان والثقافات وتعزيز قيم التسامح، وتضمن تقديرًا متبادلًا بين المملكة والفاتيكان للمواقف التي تدعم التفرقة بين الإسلام والإرهاب الذي لا دين له ويخدم مصالح العصابات التكفيرية.

الأزهر.. الإسلام الوسطي وحوار الحضارات

في فبراير الماضي مثّل لقاء ممثلي الأزهر والفاتيكان بالقاهرة أهمية قصوى، إذ قدم مثالًا على إمكانية بدء الحوار وتجاوز الخلاف رغم تصاعد التوترات ودشن مسارًا طويلا من العمل الدؤوب الذي ينتظر المؤسسات الدينية وفي مقدمتها الأزهر والفاتيكان والذي من شأنه أن يواجه التطرف ويحرمه من معداته ويقوض أسس الإسلاموفوبيا.

وقد أدرك كل من الأزهر والفاتيكان أهمية تناغم السياسة مع دعوات التعايش والتسامح بين الأديان، بعدما صار واضحًا أن انتشار الفكر المتطرف قد خلق مناخًا خصبًا للإرهاب.

في نوفمبر الفائت أجمع المشاركون في فعاليات الملتقى العالمي الثالث "الشرق والغرب نحو حوار حضاري" والتي عقدت في العاصمة الإيطالية روما على ضرورة الحوار الحضاري الداع إلى نشر قيم المحبة والتسامح والتعايش المشترك وفي حلقة نقاش تحت عنوان " الأديان والدولة الوطنية" وحضور عدد من أبرز القيادات الدينية والسياسية والفكرية من الشرق والغرب برز دور الأزهر في كونه أداة مهمة من أدوات الدبلوماسية الناعمة التي تسعى لعرض أفكار الإسلام الوسطي.

وكان اللقاء أحد ثمار الاتصالات التي سبق أن قام بها الأزهر والفاتيكان والمجلس البابوي للحوار بين الأديان.

بين الشرق العاطفي المتدين والغرب العقلاني المتنور، لن نجد فرقًا يذكر، لكن بين هذا وذاك أيضًا سوف نجد سطورًا من "نور" سجلها التاريخ عن التنوير والإنسانية، وكما كان التاريخ مليئًا بتشوهات الفكر المتطرف، سوف نجد أيضًا صفحات مليئة بالفكر المتسامح والروح الإنسانية التي لا تعرف معنى للضيق الفكري والمذهبي، ويبدو أن هذا واقع الأمر، تمر البشرية بفترات من الرجعية يعقبها فترات من التنوير، ونبقى بين هذا وذاك رهن العقول الحرة والإرادة السياسية التي تخلق لحظات مميزة أو تسمح للفكر الظلامي أن يسود، وقد كان عام 2017 أحد تلك الأعوام التي تلمسنا فيها بصيص أمل لنبذ التطرف واللحاق بركب الحضارة، لكن التاريخ يثبت أنّ دوام الحال من المحال.


اضف تعليق