بعد عامين في سوريا .. روسيا تفرض نفسها كعرابة للحل سياسيًا وعسكريًا


٢٥ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٢:٥٠ م بتوقيت جرينيتش


كتبت – دعاء عبدالنبي

أعادت روسيا نفسها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط بكسر عظام الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الذين نجحوا باستدراج "الدب" إلى المستنقع السوري، بعد قرار توغلها عسكريًا في 2015 فجعلت من الأراضي السورية حقل تجارب لأسلحتها المتطورة، التي أفضت إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية لصالحها مقابل دعم النظام السوري ودحر معارضيه وتنظيم داعش.. لتتولى بعدها مسؤولية الحل السياسي بعد رعايتها لمفاوضات أستانة وجنيف.. ورغم إعلانها انتهاء العملية العسكرية الروسية بعد دحر داعش إلا أن القبضة الروسية ستظل متحكمة في سوريا بجميع منشآتها وثرواتها وصولًا لتهجير سكانها، بفضل التنازلات التي قدمها نظام الأسد في شكل اتفاقات ومعاهدات لمنح الروس صلاحيات أوسع وبقاء أطول.

ميدانيًا.. دحر داعش بغطاء روسي

استطاعت روسيا خلال عامين أن تترجم دخولها لسوريا بمكاسب توازي تكاليف الحرب، بعد أن حولت سوريا لحقل تجارب لأسلحتها التي بلغت 162 سلاحًا، مخلفًة ورائها آلاف الضحايا والركام وملايين المُشردين.

قبيل التدخل الروسي، اقتصر وجود النظام السوري في محافظة حلب، بينما كان الثقل الأكبر للمعارضة في أرياف المحافظة والمعابر الحدودية مع تركيا، وبعد التوغل الروسي تم فصل مناطق نفوذ المعارضة إلى قسمين وانتهت بسيطرة كاملة لقوات الأسد والميليشيات الداعمة لها على الأحياء الشرقية للمدينة بعد معارك شهدت كرًا وفرًا على مدار عدة أشهر.

وبفضل الغارات الروسية، تمكنت قوات الأسد من فرض سيطرتها على الريف الشرقي لحلب وانتزاعه من تنظيم داعش ووصلت للريف الجنوبي لمدينة الرقة وصولًا لدير الزور.

ولم يقتصر الدعم الروسي عند هذا الحد، بل أقحمت طائرات "التمساح" المروحية لانتزاع حمص من داعش وسيطرت قوات الأسد على مدينة تدمر والمناطق المحيطة، فضلًا عن إدخال الصواريخ المُجنحة "كاليبر" بعيدة المدى، التي كان لها أكبر الأثر على تحقيق مكاسب كبيرة على الأرض ودحر التنظيم.

ووفقا لتقارير وزارة الدفاع الروسية، فإن عدد الطلعات التي نفذها الطيران الروسي على ريف حماة بلغت منذ أغسطس 2017 حتى نهاية سبتمبر نحو 990 طلعة بـ 2158 ضربة، استخدمت خلالهم عدة أنواع من الصواريخ والقاذفات المتطورة ومنها، قاذفات القنابل SU24-M والطائرة الهجومية SU25-M.

وبحسب خريطة السيطرة الميدانية، لم يتبقّ للمعارضة السورية سوى بضع قرى على الشريط الحدودي مع تركيا في جبل التركمان، كاليونسية وزيتونة وشحرورة وسللور، في حين أصبح جبل الأكراد بمعظمه تحت سيطرة النظام السوري، بمحاذاة مع الريف الغربي لمحافظة إدلب.

يضاف إلى ذلك، هيمنة روسيا على مفاصل الجيش من خلال ربط القوى العسكرية وسلاح الجو بقاعدة حميميم، لتتولى وزارة الدفاع الروسية كافة العمليات العسكرية بدعم وتعاون إيراني.

يمكن القول أنه في غضون عامين، تمكنت روسيا من القضاء على داعش والسيطرة على90% من الأراضي السورية من قبضة المعارضة وتنظيم داعش، ساعدها في ذلك استعانتها بالخبراء الروس في إزالة الألغام، ليشكل التدخل الروسي في سوريا منذ سبتمبر 2015، منعطفًا في مسار الحرب السورية التي أوقعت حتى الآن أكثر من 330 ألف قتيل وملايين اللاجئين والنازحين منذ أكثر من 6 سنوات.


 





سياسيًا.. فيتو داعم والحل روسي

خلال عامين، سعت موسكو لإضعاف المعارضة السورية بزعم محاربتها للإرهاب، ونجحت في تحقيق مصالحها السياسية بعد أن نجح الفيتو في تعطيل مشاريع إدانة نظام الأسد منذ 2011 وحتى 2016 كان أخرها في 2017 ضد مشروع قرار إدانة استخدام النظام للكيماوي في خان شيخون.

وإلى جانب الفيتو الروسي الذي صدر للمرة الـ11 بغرض منع إصدار أي قرار يدين النظام أو الانتهاكات الروسية في سوريا، سعت موسكو لرعاية المفاوضات السورية في أستانة وجنيف إلى جانب تركيا وإيران، بهدف فرض رؤيتها للحل في سوريا.

رؤية موسكو للحل، حققت نجاحها عندما نجحت في إبرام اتفاقات لخفض التوتر في مناطق التصعيد بين قوات النظام السوري والمعارضة أبرزها في الغوطة والجنوب والشمال السوري، ما سمح لها بقيادة المفاوضات القادمة في جنيف بعد أن ساهمت عبر حلفائها في إعادة تشكيل وفد المعارضة السورية ليتجاوب مع القبول بفرضية بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية المقبلة، وهو ما عززه لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره السوري بشار الأسد عشية القمة الثلاثية بين تركيا وروسيا وإيران في سوتشي.

وإلى جانب اتفاقات خفض التوتر، كان لروسيا دورًا محوريًا في اتفاقات إجلاء السكان من حي الوعر والأحياء الشرقية لحلب، فساهمت إلى جانب إيران في تشريد الملايين من السوريين.






خبايا اقتصادية روسية

وفي مقابل الدعم الروسي للنظام، كانت هناك أجندة اقتصادية تخبئها موسكو وراء حضورها السياسي والعسكري، كان أهمها حصولها على ميزات اقتصادية طويلة الأمد عبر توقيع اتفاقيات مع النظام السوري.

التنازلات والاتفاقات بين موسكو ودمشق ليست بالجديدة، فروسيا قامت بشطب 73% من ديونها المستحقة على سوريا، أي 9.8 مليارات دولار من إجمالي الديون البالغة 13.4 مليار دولار أثناء زيارة الأسد إلى موسكو في 2005، مقابل تحويل قاعدة طرطوس إلى قاعدة عسكرية ثابتة للسفن الروسية.

وبعد اندلاع الثورة السورية، ارتفعت وتيرة التنازلات بتوقيع موسكو "عقد عمريت" في 2013، وهو الاتفاق الأول من نوعه من أجل التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.

وتتسارع وتيرة التنازلات مع التدخل العسكري الروسي في 2015، بتوقيع اتفاقيتان بقيمة 600 و250 مليون يورو عام 2016، من أجل إصلاح البنى التحتية، إضافة إلى بناء محطات كهربائية وصوامع للحبوب ليصبح السوق السوري مفتوحًا أمام الشركات الروسية.

وفي مطلع العام الجاري، كانت هناك مذكرة تعاون وقعتها شركة "يوروبوليس" الروسية مع وزارة النفط والثروة المعدنية السورية، تنص على التزام الشركة بـ "تحرير مناطق تضم آبار نفط ومنشآت وحمايتها"، مقابل حصولها على ربع الإنتاج النفطي.

ومن هنا يمكن إدراك أسباب استماتة روسيا في الدفاع عن النظام السوري، فإلى جانب الثروات النفطية، هناك رغبة روسية لامتلاك ميناء طرطوس لدوره الاستراتيجي في استقبال الأسطول الروسي، وهو ما تحقق بتوقيع معاهدة بين دمشق وموسكو نصت على منح الروس صلاحيات واسعة في القاعدة العسكرية بميناء طرطوس تمتد لـ 49 عامًا، فضلا عن قاعدة حميميم في إدلب التي باتت تمتلكها روسيا لمدة 50 عاما مع إمكانية تمديدها لمدة 25 عام إضافي، بما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية لبسط النفوذ على الشرق الأوسط.
 




اضف تعليق