"السيد الرئيس".. صفحات من دفتر يوميات أي شعب يحكمه ديكتاتور


١٢ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٠٠ م بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

 "أي شخص لا يملك قفلاً لإغلاق فمه يحسن به أن يضع في يديه القيود.."، هذا هو القانون في عالم السيد الرئيس فلا أمر إلا أمره، وهو الحقيقة المطلقة واليد العليا المركز والإله.

لأدب أمريكا اللاتينية خصوصية نابعة من انغماسها في الواقع الذي جعل للغة السرد والحكي طابعا خاصا ومتفردا، لم يسعوا للتشبه بالرواية الأوروبية ولا اقتباس موروثاتها من لغة وحبكة، بل نبشوا في الماضي وتطلعوا إلى الحاضر بعين دقيقة الملاحظة فلم تكن كتاباتهم مجرد وصف بل نقد خفي وسوط يلهب الطغاة دون أن ينتبهوا.

كان الواقع الاجتماعي والسياسي المأزوم دافعا لانجذاب معظم كتاب أمريكا اللاتينية إلى تيار الواقعية السحرية بما تحمله في طياتها من رموز تشبه حكي القدماء بكل ما يحمله من سحر وغواية رغم أنه نابع من الحاضر ومآسيه، فكانت رواياتهم فعل ثورة محملا بالوعي تحمل مشعلا للتنوير، علّها تفتح مجالا للنور وسط حلكة فرضها القمع.

ورغم محلية الطابع والتفاصيل إلا أن تلك الروايات كتب لها الخلود ربما لأن تفاصيلها الإنسانية تكاد تتطابق مع واقع الكثير من الدول الفقيرة حول العالم، لذا فهي كانت رواية عن الإنسان، ولهذا احتلت موقعا مميزا في خارطة الأدب العالمي.

وفي رواية "السيد الرئيس" استطاع ميخيل أستورياس تصوير الواقع الوحشي للديكاتورية في جواتيمالا وقدم صورة تفصيلية لاستبداد الديكتاتور مانويل استرادا كابريزا الذي حكم بلاده لعشرين عاما كاملة بيد من حديد، كما تفضح الممارسات القمعية للنظم الديكتاتورية الحاكمة في دول العالم الثالث بشكل عام.

عدالة الديكتاتور



اشتغل أستورياس دبلوماسيًا ممثلا لبلاده، لكن ذكريات طفولته القاسية إبان حكم كابريزا ظلت تراوده، فشارك في شبابه بالنضال الطلابي خلال دراسته في جامعة جواتيمالا الوطنية التي تخرج فيها من كلية الحقوق، ثم ذهب إلى باريس عام 1923 لدراسة القانون الدولي في السوربون لكن علما آخر جذبه هو علم السلالات حيث أغوته النصوص الكلاسيكية لأدب الهنود الحمر وشعب المايا، وبعد عودته إلى بلاده عادت الذكريات إلى قلمه وكتب رواية "السيد الرئيس"، عام 1946 والتي عرضته صراحتها إلى الملاحقة ثم الاعتقال في الأرجنتين، ولم تنشر إلا عام 1952.

تستعرض الرواية - التي لم يحدد أستورياس مكانا لأحداثها - صفحات من دفتر يوميات أي شعب يحكمه ديكتاتور، ويقدم لنا قصته في قالب سريالي قوامه الأفكار والذكريات، وغالبا ما يعتمد على المونولوج الداخلي ذلك الكلام الذي لا يسمع ولا يقال وبه تعبر الشخصيات عن أفكارها المكنونة، في أسلوب أقرب للهذيان بلا تقيد بالتنظيم المنطقي، ونجد الكلام على لسان شخصياته متقطعا مضطربا أشبه بشريط السينما معتمدا على التتابع العاطفي وليس المنطقي وهو ما يشبه أسلوب التداعي الحر الذي أسس له جيمس جويس في روايته "أوليس".

كتب أستورياس روايته، بحرفية الأديب ورهافة الشاعر ودقة ملاحظة الصحفي، في صورة رمزية ساخرة أقرب إلى السريالية، وتبدو وكأن أحداثها تدور في قبو يعافه النور، تستطيع أن تشم بين سطورها رطوبة السجن وعفن الخبز، ووهن الانتظار في زنازين لا ترى بين قضبانها إلا وجه الموت الذي ينتظره الجميع في شغف لملاقاة الشمس والدفء.

تقوم حبكة الرواية على جريمة قتل، والقتيل هو العقيد باراليس سوريانتي الذي مات في حادث عرضي على يد معتوه، لكن هذا الحادث العادي هز عالم "السيد الرئيس"، فمن يجرؤ على قتل ذراع الرئيس التي تبطش وتذل العباد ؟، يرفض "السيد الرئيس"، الذي يعلم مدى كراهية الناس له، تصديق أن مقتل رجله كان على يد معتوه، يقول: "كيف يمكن لمعتوه أن يقتل هذا العقيد الذي يمكنه إصابة ذبابة على بعد مائة متر بطلقة من مسدسه، لا يمكن أن يموت كدجاجة كُسر عنقها، لا بد وأن يموت نتاج مؤامرة وتخطيط وإن لم تتم هذه المؤامرة قبل موته فلتتم وترسم خيوطها بعد موته"، وبالفعل يُستغل هذا الحدث في الإطاحة بأحد الجنرالات الذين غضب عليهم "السيد الرئيس".

تبدأ عجلة التحقيق في الدوران، وبين ليلة وضحاها يتحول الجنرال المهاب إلى رجل تحيطه الاتهامات يكيلها إليه منافقو الرئيس ويلفقون له ما تيسر من شهادات زور، فنجد أمام قاضي المحكمة شاهدًا أعمى تقبل شهادته برؤية الجاني.

وهكذا يقدم للمحاكمة أشخاص ليسوا بالضرورة هم الجناة، إنهم الذين لا تستمع المحكمة لأقوالهم، فليس المهم ما يقولونه وإنما ما يود الرئيس قوله، ويتضخم الحادث العادي ليصبح تمردًا وعصيانًا وخيانة عظمى، وتكون المحاكمة نصف طقوس ونصف تهريج لأن الحكم قد صدر بالفعل، وحينما تحاول أن تدافع عن نفسك لن يسمعك أحد، فـ "الكلمات تتحلل في فمك كالخبز المبلل".

يقول أستورياس: "تبدو العدالة كناموسة صغيرة تفرّ عبر الطرق الملتوية الضيقة لضواحي المدينة الفقيرة والمعتمة، حيث لا معنى لصرخة متهم في وجه القاضي: ولكنني بريء، البراءة لا تُمنح لأحد، البراءة مصادرة، وهنالك ثمن لكل شيء، لأبسط شيء عليك أن تدفع ثمناً".

تاريخ لا نقرأه في الكتب الرسمية


تمكن الجنرال المتهم من الهرب وكانت له ابنة تُخطف انتقامًا، بينما السيد الرئيس يعيد قراءة القانون العسكري الذي يحفظه سلفا عن ظهر قلب، وتلمع عيناه عندما تقع - كل سطرين - على هذه العبارة القصيرة: العقوبة القصوى التي تعني عقوبة الإعدام.
 
وفي رحلة هروبه يصل الجنرال إلى مكان لا يعبره إلا رجل حقيقي، كما يخبره دليله الهندي، يقع السيد الرئيس في غرام ابنة الجنرال وعندما تعجزه الحيل عن اغتيال الجنرال برصاصه يغتاله معنويا، عندما تنشر صورة ابنته في الصحف الرسمية وهي عروس للسيد الرئيس، فيقرأ الجنرال - الذي قطع غابات ووديان لينجو - الخبر ويموت قهرا.

أستورياس لا يقدم لنا التفاصيل التي يمكن أن نقرأها في جريدة أو مذكرات شاهد على أحداث عصر بل هو يقدم الحياة الداخلية لأفراد روايته الخوف واللهاث والقلق وما لا تصرح به لأقرب الناس إليك، كما يرسم لنا ببراعة الملامح النفسية والاجتماعية للديكتاتور .

يشرح أستورياس في الرواية عالمين: عالم  "السيد الرئيس" حيث كل شيء واضح محدد وصارم كخطوات القدر، يأمر بالقتل ويعود ليلتهم إفطاره في وداعة، ويصدر قراراته الدموية بنفس الفم الذي يقبل به النساء ويشرب به الخمر، ومن حوله يرتع اللصوص والممسوخون إلى آلات مهمتها القتل والقهر.

في عالم "السيد الرئيس"، قيمتك تتحدد بمقدار اختلاف صراعك اليومي عندما تشرق الشمس، تحدد هذه الأسئلة مصيرك، ما موقعك من الحياة؟ هل تعمل لتكسب خبزك؟ أم إنك من المنتفعين بفوائض صناعة الحظوة من أصدقاء السيد الرئيس وخاصته؟، والصفوة في هكذا عالم "فزاعات بشوارب بأصوات الخواتم في أصابعهم، وشبابهم خرق قليلي التربية، ونساءهم لا يعجبن أحدا".

في عالم "السيد الرئيس" يحمل الأخيار إلى الكنيسة ويدفنون لأنهم رفضوا الصلاة للسيد الرئيس بدلا من الله، بينما يعيش الأوغاد ليعبثوا بمصائر البلاد في عالم "السيد الرئيس" المقبرة أسعد من المدينة المقبرة أكثر نظافة من المدينة رغم أنها - المدينة - قبر آخر!

وفي عالم "السيد الرئيس" لا قيمة للعلم أو العلماء "فالعلم والمعرفة لا يمكنهما أن يوفرا لك زوجا حقيرا من الجوارب..! هذه هي الحقيقة" وأي شخص هو مجرد أبله آخر في مواجهة الرئيس الذي يدور كل العالم في فلكه.

وهناك على الجانب الآخر عالم الفقراء المشوش كضربات فرشاة من رسام مجنون الشر موجود من أعلى قمة هرم السلطة ونزولا للقاع عند الفقراء الغني يأكل الفقير والفقير يأكل الفقير حتى الطيور تلتهم هؤلاء الأحياء لأنها لا تعتبرهم كذلك وكأنها تمشى وفقا لأوامر "السيد الرئيس" يجب رفس الجميع وسحقهم، إنهم حفنة من المهمشين تجمعهم رابطة البؤس إنهم "فاي" ذلك الرمز الحسابي للاشيء.. للعدم، إنهم تلك الجرذان التي ينبئ انتشارها بتفشي الطاعون،يحملون أوجاع المجتمع وأوباءه ويلفظهم المجتمع ويركلهم بالأحذية، حتى إن أستورياس إمعانا في تصوير دونيتهم وتهميشهم يسميهم بأسماء مثل: الناموسة، الدمية، الصماء البكماء، وهكذا.

وبما أن الفقراء لا ثمن لهم فهم حطب النار التي تشتعل لدفء السيد الرئيس وبعده حاشيته وأصفياؤه، ما الضرر في تعذيب خادمة لتفصح عن شيء لن تعرفه، تضرب وتعذب وتجلد وعندما لا تقول شيئا - وهي ليس لديها شيء لتقوله - يحضرون إليها طفلها الرضيع يضعونه بقربها، يصرخ جوعا لكنها مقيدة اليدين والقدمين لا تستطيع إطعامه يبكي حتى الموت وحينما يسمح لها بإرضاعه يكون تحول إلى جثة متعفنة، ثم يبيبعونها إلى بيت دعارة، بينما مستقبلها الواضح أنها ستموت مجنونة في مستشفى للفقراء.

 هذا تأريخ حقيقي لأحداث وقعت في زمن ماض ربما لن تلفت إليه كتب التاريخ الرسمية، لكن الروائيون وحدهم يحملون ذاكراتهم إلى أقلامهم ليخبرونا بما سكت عنه مؤرخو القصور.

الأدباء وحدهم، مؤرخو التاريخ المعاصر الحقيقيون لا يزيفون ولا يخترعون الأحداث ويلفقونها لخدمة "السيد الرئيس"، في عالم لا يسمح لك فيه إلا أن تكون بيدقا، أو أداة أو ضحية، والموت هو الأمان الوحيد حيث لن يستطيع أحد أن يصيبك بمكروه، عندما تموت، وعندها فقط، ستنجو من التعذيب وعتمة السجون.

إلى أين نولي وجوهنا؟


  يجعل أستورياس من الرئيس صورة أقرب لصورة الإله النيتشاوي الذي ينبغي السجود له امتنانا لأنه موجود، وعبارات الحرية، العدالة، المساواة، الديمقراطية تفسر في عالمه وفقا لقاموسه الخاص فالحكومة رشيدة لأنه يراها كذلك، والمواطنون أحرار لأنه يراهم كذلك، لذا فعلى الشعب إعادة انتخابه فهو عظيم العظماء وليبرالي وديموقراطي ولن يجرؤ على الوقوف أمامه إلا خائن أو عميل.
 
وأخيرا في عالم "السيد الرئيس"، حتى الأحلام ممنوعة، ولو امتلكت جناحين لن تستطيع استعمالهما للتحليق، ولن تأمن على وضعك أو وظيفتك إلا بالتنفيذ الحرفي للأوامر أيًا كانت وبرغم الألم يخضع الشعب لأن الخوف أقوى من الألم.
 
"ليس هناك أمل في الحرية، يا أصدقاء، نحن محكومون بتحمل هذا إلى ما شاء الله، المواطنون الذين يتطلعون لسعادة الوطن بعيدون جدا، بعضهم يتسول الصدقة في أرض غريبة، بينما يتعفن الآخرون في مقابر جماعية، يوما ما ستنغلق الشوارع من الرعب، ولن تثمر الأشجار ثمارا كالسابق، الذرة لن تغذينا، والماء لن يروينا، وقريبا يأتي زلزال ليسحق كل شيء فليأت، لأننا شعب ملعون، تصرخ فينا أصوات السماء مع الرعود: أخساء نجسون شركاء الجور على جدران السجون، ترك مئات الرجال آثار أدمغتهم التي فجرتها رصاصات المجرمين ما زال رخام القصور مبللا بدماء الأبرياء، إلى أين نولي وجوهنا لنرى الحرية!".

كتبت الرواية عام 1946، والتزم أستورياس بعدها بالدفاع عن المهمشين وكتب عن استغلال جهد العمال في مزارع الموز في ثلاثية عن شركة الموز، نشر الجزء الأول بعنوان "العاصفة" عام 1950، ثم الجزء الثاني "البابا الأخضر" عام 1954، وفي عام 1960 نشر الجزء الأخير بعنوان"عيون المدفونين"، وكتب أيضا روايات "اللص الذي لم يكن يؤمن بالسماء"، و"حكاية الرجل الذي يملك كل شيء"،  لكن وحدها "السيد الرئيس" منحت أستورياس الخلود ومنحته أيضا نوبل في الأداب عام 1967، وتحولت إلى تحفة خالدة في أدب أمريكا اللاتينية والأدب العالمي بشكل عام.
 
منعت "السيد الرئيس" من النشر في الوطن العربي حتى عام 1985، ثم حجبت مجددا حتى نشرت بعد اندلاع ثورات"الربيع العربي" عام 2011.


اضف تعليق