"يوتيوب" يهدد ذاكرة الثورة السورية


١٣ سبتمبر ٢٠١٧ - ١٢:٠٩ م بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

الحرب في سوريا واحدة من أكثر الصراعات وحشية في العالم الحديث، ومن أشد الحروب وطأة، وعلى مدى السنوات السبع الماضية، وثق هذا الصراع من خلال مئات الآلاف من أشرطة الفيديو على يوتيوب التي سجلت كل ضربات من قلب الحرب، كالمدن التي تتعرض للقصف، والمشاهد المؤلمة لآباء يحتضنون أطفالهم الأموات.

ويخشى النشطاء السوريون من أن كل هذا التاريخ يمكن محوه مع تحرك الشركة المسؤولة عن موقع "يوتيوب" لتقييد نشر المواد ذات المحتوى العنيف، ففي الأشهر القليلة الماضية، نفذت الشركة العملاقة في مجال التكنولوجيا سياسات جديدة لإزالة المواد التي تعتبر إرهابية أو تدعم الإرهاب، واختفت مئات الآلاف من مقاطع الفيديو من الصراع فجأة دون إشعار مسبق.

مخاوف النشطاء

ويقول الناشطون، إن الأدلة الحاسمة على انتهاكات حقوق الإنسان قد تتعرض لخطر الضياع، لذا سارع النشطاء إلى إنشاء أرشيفات بديلة، لكنهم لا يعترفون بأي شيء يمكن أن يحل محل "يوتيوب" بسبب بنيتها التحتية التكنولوجية ومدى انتشارها العالمي.

وقال هادي الخطيب، المؤسس المشارك لـ"لأرشيف السوري" وهي مجموعة تأسست في عام 2014 للحفاظ على أدلة مفتوحة المصدر على الجرائم التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع السوري: "نحن نكتب ذكرياتنا - وليس في كتابنا ولكن في كتاب طرف ثالث - ليس لدينا السيطرة عليه"، وذلك في إشارة إلى مواقع التواصل الاجتماعي بما فيها "يوتيوب".

وأضاف أن حوالي 180 قناة متصلة بسوريا أغلقت منذ يونيو الماضي، عندما بدأ يوتيوب باستخدام بروتوكولات التعلم الآلي للتدقيق من خلال أشرطة الفيديو على الموقع للمحتوى غير المرغوب فيه، لافتا إلى أنه تم التواصل مع إدارة يوتيوب، لإعادة حوالي 20 قناة، مما أدى إلى إنقاذ حوالي 400 ألف مقطع فيديو، ولكن حوالي 150 ألف مقطع فيديو لا تزال معرضة للخطر، حيث لا يزال "يوتيوب" يعيد النظر فيما إذا كان سيتم إعادتها أم لا.

وأفاد الخطيب، متحدثا لـ"بلومبيرج" من برلين، لا شيء يضيع إلى الأبد، ولكن هذا أمر خطير جدا، لأنه لا يوجد بديل لـ"يوتيوب" يمثل منفذا على العالم.

يقول موقع "يوتيوب"، المملوك لشركة جوجل، إنه سيصحح أية مقاطع فيديو يتم إخراجها بشكل غير صحيح، وإنه يجري حوارا مع النشطاء بشأن الحل، لكن العديد من النشطاء يخشون خسارتها.

وأوضحت إحدى المجموعات السورية البارزة في مجال حقوق الإنسان، وهي مركز الفيديو والتوثيق في سوريا، أنها ستتوقف عن استخدام يوتيوب وستقوم بتخزين المواد المصورة في منصة خاصة بها.

 من جانبه علق حسام القطلبي، المدير التنفيذي لمركز تطوير العاصمة بالقول "لقد أصبح الخطر كبير جدا الآن، ونحن لا نثق في هذا المنبر بعد الآن للبقاء على أدلة الانتهاكات".

"يوتيوب" منبر الثورة

استخدم الناشطون السوريون يوتيوب لأول مرة لتقديم تقريرا، عن الاحتجاجات السلمية التي اندلعت في عام 2011 ضد حكم الرئيس بشار الأسد، وذلك باستخدام أشرطة الفيديو التي تم التقاطها عبر الهواتف المحمولة من قبل هواة، ومع ارتفاع الصراع الدموي، سجلت أشرطة الفيديو الهجمات الكيميائية، والقصف الجوي، ولقطات لرجال الانقاذ الذين يقومون بإخراج الأطفال من تحت الأنقاض، وضربات جوية تستهدف الناجين، كما حملت الفصائل السورية مجموعات من مقاطع الفيديو الخاصة بها، فيما حمل أنصار النظام السوري صورهم الخاصة ودعايتهم.

في كثير من الأحيان، كانت الصور الشيء الوحيد الذي جذب انتباه العالم في الصراع المستعصي، جميعنا نذكر ردة الفعل العالمية التي اعقبت نشر شريط فيديو، لطفل مغطى بالدم والغبار بعد نجاته من غارة جوية في حلب، وذلك خلال قيام قوات النظام باستعادة السيطرة على المدينة، وشاهد هذا المقطع أكثر من 4.3 مليون شخص حول العالم.

تقول المتحدثة باسم وكالة "قاسيون" للأنباء، وهي منصة إخبارية كانت من بين تلك التي أغلقت ثم أعيد فتحها بعد التواصل مع إدارة "يوتيوب": هناك محاولات لإنهاء النزاع في سوريا بآي وسيلة، بما في ذلك عدم وجود تغطية أو انقطاع تام عن وسائل الإعلام من قبل المعارضة السورية.

كما أفادت منصة إخبارية بارزة أخرى، هي شبكة "شام" الإخبارية، بأن لديها ما يقرب من 400.000 مقطع فيديو على قناة يوتيوب الخاصة بها والتي يشاهدها نحو 90 مليون، وفي يوليو فوجئت بأن قناتها لم تعد موجودة.

إجراءات أكثر صرامة

تشير "بلومبيرج" في تقرير منشور اليوم، إلى أن "يوتيوب" خلال الفترة الماضية اعتمدت على نظام الإبلاغ عن المحتوى الذي يعتبر غير لائق من وجهة نظر المستخدمين، لكنها وبضغط من أوروبا والغرب لبذل المزيد من الجهد لكبح جماح المحتوى المتطرف، اعتمدت عددًا من الإجراءات الجديدة، بما في ذلك التعلم الآلي، الذي يدرب نفسه على التعرف على الأنماط في عدد هائل من مقاطع الفيديو"غير المرغوب فيها"، والتي تتم مراجعتها بعد ذلك من قبل الخبراء البشريين لتحديد ما إذا كان ينبغي إزالتها أم لا.

وقال متحدث باسم يوتيوب، طلب عدم الكشف عن هويته تماشيا مع لوائح الشركة: إن التعلم الآلي يمكن أن يزيل الكثير من المحتوى على نطاق واسع، لكن في معظم الوقت يقوم المراجعين لدينا بمراجعة المحذوفات، وعندما نخطئ، نعمل بسرعة على التصحيح، ناصحا الناشطين السوريين بتحسين بياناتهم عند تحميل مقاطع الفيديو وتحديدها بشكل صحيح لتوثيق الانتهاكات بشكل لا يجعلها عرضه للحذف.

لكن غموض الإغلاق واتساعه أذهل أولئك الذين يوثقون الصراع، إذ يشعر العديد من نشطاء المعارضة، بأن المجتمع الدولي يتحول ضدهم مع تحقيق الحكومة السورية وحلفائها مكاسب كبيرة في ساحة المعركة، ما يجعلهم يميلون إلى الرأي القائل بأن إغلاق موقع يوتيوب في وجهم بسبب ضغوط سياسية من أطراف متعددة.







اضف تعليق