ماكرون في الصين.. دبلوماسية "الجياد" على طريق الحرير


٠٨ يناير ٢٠١٨ - ٠٩:٥٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - ولاء عدلان

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صباح اليوم الإثنين، إلى الصين في زيارة عمل تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، تعد الأولى التي يقوم بها رئيس دولة أوروبية  إلى بكين منذ أن عزز شي جين بينج قبضته على السلطة في مؤتمر الحزب الشيوعي في أكتوبر الماضي، وأيضا هي الأولى للرئيس الفرنسي منذ بداية العام الجديد الذي دعا فيه دول الاتحاد إلى بناء أوروبا "قوية" لمواجهة طموحات الصين والولايات المتحدة.

اختار ماكرون أن يبدأ زيارته إلى الصين من مدينة "شيان"، مغازلا تطلعات زعيمها، إذ ينسجم هذا الاختيار مع مبادرة "الحزام والطريق" التي أعلن عنها الرئيس الصين عام 2013 لإحياء طريق الحرير الذي كان ينطلق منذ أكثر من 3000 عام من شيان شرقا ليحمل بضائع امبراطورية الصين إلى أوروبا وأفريقيا والعكس، وذلك بتكلفة تقدر بنحو ألف مليار دولار.

ومنذ الإعلان عن "الحزام والطريق" التزمت فرنسا بالحذر حيال هذا المشروع الذي يعده قسم من الأوروبيين دلالة واضحة على النزعة التوسعية للصين، إلا أن ماكرون في بداية هذه الزيارة قدم رؤية مختلفة تماما، عندما قال: هذه المبادرة في غاية الأهمية وأنا واثق من أنها قد تلعب دورا هاما في تنظيم المساحة الأوراسية وأنها تمثل فرصة حقيقية.. طرق الحرير القديمة لم تكن قط صينية فقط، تلك الطرق بتعريفها ينبغي أن تقوم على المشاركة، فإذا كانت طرقا فلا يمكن أن تكون في اتجاه واحد.

وأضاف في خطاب مطول ألقاه في مدينة شيان عقب وصوله أمام نحو ألف شخص، أعتقد أنه من المهم جدا أن تعزز أوروبا والصين التشاور بينهما بشأن هذه المبادرة، وفرنسا على استعداد من أجل ذلك للعب دور المحرك، يجب أن نضع مشاريع عملية يمكننا القيام بها معا في أوروبا وآسيا ودول ثالثة.



من جانبه يأمل شي في الحصول على موافقة فرنسا ومن ثم الاتحاد الأوروبي، على مبادرته التوسعية، وإبداء موافقة ضمنية على طموحات الصين في أن تقدم نفسها كبديل عن الولايات المتحدة في نظام عالمي جديد، وفي المقابل أيضا ماكرون يأمل عبر الدبلوماسية الناعمة، في  توسيع نطاق التأثير الفرنسي على الصعيد الدولي، مستفيدا من الفراغ الذي سيخلفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأيضا مستفيدا من العزلة التي يتسبب فيها الرئيس الأمريكي لبلاده يوما بعد يوم بسبب عجرفته وافتقاده للخلفية السياسية.

يقول الباحث في المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية بارتليمي كورمونت -في تصريحات لـ"الجارديان"- بكين تعتبر ماكرون الآن بوابتها إلى أوروبا، بعد أن فقدت بريطانيا أهميتها نسبيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي.

وكشف المتحدث باسم الخارجية الصينية جينج شوانج عن أجواء المحادثات المرتقبة بين الزعيمين قائلا: إن ماكرون وجين سيتبادلان وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، مع أخذ الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وفرنسا إلى آفاق جديدة، وستتطرق المحادثات أيضا إلى كيفية تعزيز بناء اقتصاد عالمي مفتوح والتصدي المشترك للتحديات العالمية مثل الأزمة الكورية الشمالية وتغير المناخ.

وخلال هذه الزيارة  المقرر أن تستمر لمدة ثلاثة أيام، يرافق ماكرون إلى جانب زوجته وفدا يضم 50 من رؤساء شركات معروفة مثل إيرباص وأريفا، إذ يحرص على فتح أبواب السوق الصينية التي تمتع بحماية عالية أمام الشركات الفرنسية، في سبيله لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية بين البلدين، في وقت تسجل فيه بلاده خللا تجاريا يبلغ 30 مليار يورو مع بكين التي تحتل المرتبة الثانية بين المصدرين إلى فرنسا والثامنة بين المستوردين منها.


وبحسب "فرانس برس" زار ماكرون صباح اليوم برفقة زوجته بريجيت موقع تماثيل جيش التيراكوتا الطيني أو جيش الإمبراطور تشين شي هوانج، ومن ثم برج دايان الذي يعتبر من أهم المعالم على طريق الحرير، وجامع شيان الكبير المشيد وفق الطراز المعماري الصيني، وهو يصور الانفتاح الثقافي الذي أحدثته طريق الحرير التي كان يسلكها التجار العرب في القرون الوسطى.

ومن المقرر أن يتوجه ماكرون عصر اليوم إلى بكين، حيث سيلتقي الرئيس الصيني قبل عشاء خاص يجمع الرئيسين وزوجتيهما في المساء، وفي صباح الغد ستقام مراسم استقبال رسمي للرئيس الضيف، ستتضمن زيارة للمدينة المحرمة ولقاء مع رئيس الجمعية الوطنية الشعبية ورئيس الوزراء، ثم توقيع اتفاقات ثنائية وإصدار بيان مشترك ويختتم النهار بعشاء دولة في قصر الشعب.




ويبدو أن ماكرون عازم على أن يترك أثرا بالغا في نفس مضيفه، إذ وقع اختياره على هدية غير مسبوقة في أعراف الرئاسة الفرنسية، عبارة عن جواد من جياد فرقة الفرسان بالحرس الجمهوري الفرنسي اصطحبه معه، ليقدمه هدية لـ"جين" والذي كان قد أبدى إعجابه الشديد بهذه الفرقة خلال زيارته الأخيرة إلى باريس عام 2014، وتمثل هذه الهدية ردا على "دبلوماسية الباندا" الصينية بعد أن أصبحت بريجيت زوجة ماكرون عرابة لحيوان الباندا الصيني الذي أعارته بكين لحديقة حيوان قرب باريس.

إذن طريق ماكرون إلى بكين مفروش بالحرير على قاعدة "المكاسب للجميع"، وكما قال وزير خارجيته جان إيف لودريان -الخميس معلقا على سؤال حول رغبة باريس في زيادة سيطرة الاتحاد الأوروبي على الاستثمارات الأجنبية ولا سيما الصينية في القطاعات الاستراتيجية- ليس في نية فرنسا قطع الطريق على الصين، لكن ينبغي إقامة شراكة مبنية على المعاملة بالمثل على صعيد فتح الأسواق، محاورينا الصينيين يفضلون تعبير مكاسب للجميع لم لا؟.. بشرط ألا يكون الطرف ذاته هو الذي يكسب في المرتين.


اضف تعليق