جماجم الجزائريين.. هل تتحول إلى صكوك غفران لـ"الحركي"؟


٠٩ يناير ٢٠١٨ - ٠٨:٤١ ص بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل

أكثر من 18 ألف جمجمة تعود لمواطنين جزائريين قطعت رؤوسهم على يد الاستعمار الفرنسي للجزائر، محفوظة في متحف الإنسان بباريس، منها حوالي 500 من الجماجم تم التعرف على هوية أصحابها، من ضمنها 36 جمجمة تعود لقادة في المقاومة الجزائرية قتلوا وقطعت رؤوسهم من قبل قوات الاستعمار في القرن التاسع عشر ثم نقلت إلى العاصمة الفرنسية لدوافع سياسية، هذه القضية أضاءت النقطة السوداء في تاريخ الجزائر، "الحركي" الكلمة التى تطلق على الجزائريين المجندين في صفوف الجيش الفرنسي، إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر "1830- 1962"، والذين يحاربون ضد أبناء وطنهم الأصلي، والتي ظلت وصمة عار حتى وقتنا الحالي.

من هم "الحركي"




يقول "عبد المجيد بن عائشة"، أحد مجاهدي ثورة التحرير في جبال الأوراس بالشرق الجزائري: "مهما حاولت أن تجد لهم الأعذار، فهذا غير ممكن، إنهم العار بالنسبة للآلاف ممن ورثوا عنوان الخيانة، فقد بقي ملفهم مطويًا ومسكوتًا عنه، وعاد إلى الضوء خلال السنوات الأخيرة، إنهم اليد الثانية للجيش الفرنسي إبان فترة الاحتلال، كنت أعرف العديد منهم، بل أعرف عائلات أقاربهم لحد اللحظة، لكن من يحاكم من؟ ومن ينصف من؟ ومن يعترف بالحقيقة المرة؟ ومن يقدر على قولها أصلاً، وهي تتعلق بتلك الفترة المريرة في تاريخ الجزائر؟".

يضيف بن عائشة: "كلما احتفلت الجزائر بأول رصاصة انطلقت لتحرير البلاد، تخرج أصوات هنا وهناك تتحدث عن طلب الاعتذار من فرنسا والتعويض للجزائريين عن ما اقترفته الآلة الاستعمارية، ويتناسون ملف "الحركي"، لأنهم لهذه اللحظة يحكمون البلد". 

ولكن من هم "الحركي" الذين لازالوا يشعلون القضية بين فرنسا والجزائر، " الحركي" تطلق بشكل عام على الجزائري المتعاون مع فرنسا خلال ثورة نوفمبر 1954 لغاية الاستقلال، أما عن طريقة التعاون فهي محل جدل إلى الآن.

فمصطلح "حركي" لم ينطو على المعادي للثورة فقط، بل شمل حتى الأهالي المحايدين وهذا لحملهم على دعم الجبهة حتى لا يتم تصويرهم على أنهم خونة.

جبهة "التحرير الوطني" بالجزائر ولظروف كثيرة قد ارتكبت تجاوزات إزاء الأهالي الجزائريين لحملهم على دعمها بشتى انواع الدعم، وهذا لصعوبة تغلغل جبهة التحرير في بداية الثورة حين كان الأهالي آنذاك يعتبرونها جماعة خارجة عن القانون، لاسيما مع وجود دولة قوية في ذلك الوقت هي فرنسا الاستعمارية التي حجبت عقول الأهالي البسطاء لمدة جاوزت القرن، الأمر الذي جعل الشعب الجزائري يتناسى أنها في الأساس دولة مستعمرة وليست صديقة.

يتذكر الجميع -ممن عايشوا الثورة أو سمعوا عنها- كيف كانت تجبى اشتراكات الثورة، وكيف كانت تقطع رقاب الرافضين أو المماطلين أو المتقاعسين، وقد كانت هذه الممارسات من بعض الأسباب التي جعلت عددا معتبرا من الأهالي يلجؤون إلى فرنسا طوعا وكرها لحماية أنفسهم من تلك الفظائع.

أما عن عدد "الحركي" فقد قدر بــ300 ألف إلى 400 ألف حركي، مقابل 10 آلاف مجاهد فقط، أما عند بداية الثورة فلم يكن عدد المجاهدين يتجاوز 2000 مجاهد، مما يبين أن مهمة المجاهدين وجبهة التحرير لم تكن سهلة في مواجهة العدو الفرنسي والحركى وفي ظل امتناع الأهالي في البداية عن الانضمام إلى الجبهة.

أنواع "الحركي"




طبيعة الالتحاق بركب الجيش الفرنسي من طرف "الحركي" تختلف من شخص لآخر، ومن منطقة إلى أخرى، فهناك أنواع من الحركى ممن كانوا "قيادا" أي قادة ومسؤولين إداريين قبل اندلاع الثورة، وقد كانوا يستفيدون من امتيازات واسعة كمنح الأراضي والأموال، والتغاضي عن بعض ممارساتهم الشائنة من طرف فرنسا الاستعمارية.

أما عن النوع الآخر من الملتحقين بالجيش الفرنسي فهم فئة الشباب الجزائري الذين قاموا بتأدية الخدمة العسكرية الفرنسية الإجبارية لمدة معينة، وهذا النوع لا يندرج ضمن فئة "الحركي" ، فالكثير من الجزائريين من دافعوا عن فرنسا في الحرب العالمية الثانية وأبلوا البلاء الحسن ضد الألمان، كان طمعا في الحصول على الاستقلال بعدما وعدتهم فرنسا بذلك ولم تف به.

أما عن المجندين في الجيش الفرنسي على سبيل التعاقد إبان الثورة، فهذا هو أسمى تصور لمصطلح "حركي"، وهم الذين كانوا يقتلون أبناء جلدتهم من المسلحين والعزل والأطفال والنساء والشيوخ، ونكلوا بأبناء جلدتهم، وواجهتم الجبهة برد الصاع صاعين وقامت بقتل الكثير منهم وقبل قتل الفرنسيين لأنها كانت تعتبرهم أخطر.

وامتد ذلك إلى أن تعدت الجبهة إلى قتل أهاليهم من نساء وأطفال وشيوخ، لقطع الطرق على أي محاولات مستقبلية للتفكير في التعامل مع فرنسا، وهذا ما لم يحدث تماما، فقد لجأ الكثير من أهالي "الحركي" إلى فرنسا وتجندوا لحماية أنفسهم على حد زعمهم، ومنهم من لم ينصفهم التاريخ فقد كان البعض من أهالي "الحركي" يوشى به للجبهة الجزائرية، ومنهم من قتل أبناءه بنفسه، لكن للأسف التاريخ لم ينصفهم، وربما هذا ما جعل الرئيس الأول للجزائر "احمد بن بلة" يقول بأن "الحركي" "هم في الأول والأخر جزائريون أخطؤوا التخندق".

ممنوع الاقتراب




ملف "الحركي" مهما كانت ظروفهم أو دوافعهم يبقى ملفا ممنوعا، حيث إن الجزائر بعد الاستقلال لم تمنع الأقدام السوداء من الأوروبيين المولودين بالجزائر أو ممن عاشوا بها من زيارتها، ولم تمنع كذلك يهود الجزائر ممن هاجروا إلى فرنسا من الدخول إلى الجزائر للسياحة أو للتعبد، لكن "الحركي"، ظلوا ممنوعين لأسباب منطقية كثيرة وإن ملف زيارتهم للجزائر حسب الرئيس "بوتفليقة" غير مطروح للنقاش، ويضيف أما عن الفئة المظلومة منهم فلا مجال الآن بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال أن تقوم الجزائر بتسخير آلاف المحققين والمحامين والأخصائيين النفسانيين والتاريخيين للتحقيق في الأمر من أجل السماح لهم بالزيارة وفي حالة عدم تمكنهم أو منعهم من دخول الجزائر فلن يموتوا قهرا أو حبا أو عشقا من أجل الجزائر التي باعوا أهلها وأهلهم بأرخص الأثمان".

من خان مرة يخون مرتين




عندما بدأت فرنسا بإجلاء رعاياها الذين لم يتقبلوا البقاء في الجزائر جبنا إلى جنب مع الجزائري الذي كان بالأمس مواطنا من الدرجة الثانية، تعلقت بأرجلهم أيادي "الحركي" وعوائلهم الطالبين للغوث من خناجر الجزائريين الأحرار الذين انتقموا من "الحركي" وعائلاتهم، وقد تخلت عنهم فرنسا عن جزء منهم تحت شعار "من خان مرة يخون مرتين"، وتم إجلاء حوالي مائة ألف من الحركي وترك أكثر من 250 أو 300 منهم دون احتساب عوائلهم في الجزائر، تم قتل بضعة آلاف منهم من طرف الجزائريين والبقية يعيشون اليوم في الجزائر ويقدرون بالملايين، وصرحوا بأنهم كانوا مجاهدين ويستفيدون إلى اليوم من رواتب وامتيازات من الدولة الجزائرية التي لم يعترفوا أبدا بوجودها.

أما من أخذتهم فرنسا فقد واجهوا في البداية ظروفا قاسية وأسكنتهم فرنسا في بيوت خشبية ومنعت اختلاطهم بالجنس الأوروبي، وما زالوا إلى الآن يعانون مشكلة الاندماج مع المجتمع الفرنسي.


اضف تعليق