بدون "رتوش".. ترامب في مواجهة الإعلام الأمريكي


١٤ يناير ٢٠١٨ - ١٠:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدو أنه لم يدرك بعد حساسية منصبه كرئيس لدولة بحجم الولايات المتحدة، فلا زال بعيدا عن الصورة التقليدية لساكن البيت الأبيض، وهو لا يحاول أن يخفف من تصرفاته المثيرة للجدل بأي حال من الأحوال، فمنذ يومين صدم العالم بوصف غير لائق لبعض الدول التي يأتي منها لاجئون ومهاجرون إلى بلاده، الوصف كان صادما إلى حد أنه عاد ليتراجع عنه وينفيه مبررا ذلك باستخدامه لألفاظ صارمة وليست فجة، إلا أن الاتحاد الأفريقي طالبه بالاعتذار عن وصفه لبعض بلدان القارة بـ"الحثالة".
 
كان ترامب قال أمام وفد من نواب الحزبين الديمقراطي والجمهوري اجتمعوا مع نهاية الأسبوع المنصرم لاقتراح اتفاقية مشتركة بشأن قانون الهجرة: إن على الولايات المتحدة أن ترحب بلاجئين من دول مثل النرويج، لكن لماذا تحتاج إلى المزيد من الهايتيين "الحثالة" أو بلدان القاذورات.

وتعليقا على ذلك كتبت "واشنطن بوست" في افتتاحيتها، أن ما ينبغي أن يثير الحزن لدى الأمريكيين هو أن يتواجد في البيت الأبيض شخص لا يحترم شجاعة النساء والرجال الذين قدموا منذ قرون عدة كي يبنوا الولايات المتحدة لتصبح أمة عظيمة.. هؤلاء الأقوام كان يمكنهم العودة إلى بلدانهم أو إلى "البؤر القذرة" التي قدموا منها لو كانوا وجدوا رؤساء أمريكيين يتصفون بهذه "البلادة" التي لدى ترامب.
 
فيما رأت صحيفة "نيويورك تايمز" أن ترامب يدمر سمعة الولايات المتحدة باستخدامه أوصاف لاذعة ضد المهاجرين، مؤكدة أن ترامب ليس مجرد عنصري وجاهل وغير كفء وغير مرغوب فيه، بل أيضا يعتبر الرئيس العنصري الأول في البلاد، والذي يشن حملة تعصب وإقصاء ضد المهاجرين.
 


"العنصرية" ليست الانتقاد الوحيد الذي يواجه الرئيس الأمريكي من الأقلام الصحفية داخل بلاده، فهناك الجهل السياسي والتغطرس وأخيرا عدم الأهلية العقلية للمنصب، بحسب شهادات كبار مساعديه في البيت الأبيض والتي رصدها كتاب "الغضب والنار" الصادر مطلع يناير، ورغم هذه الانتقادات يرى البعض أن الإعلام الأمريكي لا زال متحفظا في تناوله لسلوكيات وتصريحات الرئيس.
 
يقول روبرت رايش -وهو أستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في مقال نشرته "نيوزويك" أمس، تحت عنوان "لنتحدث عن ترامب كما هو على حقيقته"- الآن بعد أن قضى ترامب نحو عام في الرئاسة، حان الوقت لوسائل الإعلام أن تتحدث عن سلوكياته دون محاولة لتطبيعها، فهناك تعبيرات مضللة لا زالت تستخدم في تغطية أخبار الرئيس مثل  استخدام تعبير"مشحونة بالعنصرية" عند الحديث عن تصريحات مثل تلك التي وصف فيها بعض البلدان بالحثالة أو غيرها.

ويضيف فيما يلي نستعرض أهم ستة تعبيرات "مضللة" استخدمتها وسائل الإعلام للحديث عن سلوك غير مناسب للرئيس:

أولا: إطلاق مصطلح "تصريحات رئاسية" على تغريدات ترامب:

كان شون سبيسر السكرتير الصحفي الأول لترامب قال -للصحفيين في يونيو الماضي- "إن تغريدات ترامب صادرة عن رئيس الولايات المتحدة، ولذلك تعتبر تصريحات رسمية"، وهذا خطأ فادح لأن تغريدات ترامب غالبا تنطلق من رأسه بكل عفوية وصبيانية، أما البيانات الرئاسية بالمفهوم المتعارف عليه فهي نتاج تفكير متأني، يأخذ بعين الاعتبار آراء المستشارين وتتم مناقشتها قبل طرحها للرأي العام، وهذا هو السبب في أن هذه البيانات تعتبر مؤشرات هامة للسياسة العامة، محليا ودوليا.

إن عواصف تغريدات ترامب ذات صلة فقط بالحكم على مزاجه في يوم معين في وقت معين، يقول روبرت رايش.

ثانيا: إطلاق مصطلح "البيت الأبيض الشتوي" على منتجع "مار - إيه - لاجو":
 
من وجهة نظر البيت الأبيض هذا المصطلح دقيق للغاية، لأن ترامب يقوم ببعض الأعمال الرسمية من داخل مقر إقامته في هذا المنتجع المملوك له منذ العام 1985.

هذا الكلام هزلي للغاية -بحسب روبرت- فخلافا للبيت الأبيض وكامب ديفيد "المعتكف الرئاسي التقليدي"، والمملوكين لدافعي الضرائب، فإن هذا المنتج هو عمل مربح يملكه ترامب، مفتوح فقط للأثرياء، بل ويشكل تضاربا كبيرا في المصالح، فكل زيارة رئاسية إليه هي بمثابة ترويج لعلامته التجارية وإضافة مباشرة إلى ثروة ترامب.

الرؤساء العاديون لا يكسبون المال من الرئاسة، وترامب يفعل، لذا يجب أن تسمى منتجعاته على ما هي عليه "أملاك ترامب الخاصة"، وليس البيت الأبيض الشتوي.


ثالثا: تجميل أكاذيب ترامب بمصطلحات مثل "تصريحات غير دقيقة":

تتعمد بعض الصحف استخدام عبارات مثل "أشياء غير صحيحة" لوصف أكاذيب ترامب، وهو أمر غير موضوعي، ففي مطلع العام الماضي، أصر رئيس تحرير "وول ستريت جورنال" على أن المجلة لن تصف تصريحات ترامب الكاذبة بأنها "أكاذيب"، مبررا ذلك بأن إطلاق وصف "الكذب" يتطلب نية متعمدة للتضليل من قبل صاحب السلوك، وهو أمر لا يمكن إثباته في حالة ترامب.

وفي يناير 2016، صرح ماجي هابيرمان، وهو مراسل سياسي في صحيفة "تايمز"، بأن تلك المصلطحات المضللة وظيفتها كانت تظهر عندما يقول ترامب شيئا غير صحيحا، فتكون مهمة المحرر ألا يكتب "كذبة ترامب" ويستبدلها بأي مصطلح آخر.

ويرى رايش، هنا أن هذا تضليل إعلامي، قائلا: الرؤساء العاديون قد يبالغون؛ وبعضهم يكذب أحيانا، لكن ترامب أخذ الكذب إلى مستوى جديد كليا، ويمكنا القول: إن الكذب جزء من استراتيجيته الشاملة، لذا يجب التعامل مع أكاذيبه على حقيقتها.


رابعا: استخدام مصطلح "تنسيق" عند الحديث عن مؤامرة ترامب وحملته الانتخابية مع موسكو في 2016:


"التواطؤ" هو الكلمة الصحيحة عند الحديث عن ملف التدخل الروسي في انتخابات 2016 -بحسب كاتب المقال- فلا شيء حتى الآن يشير إلى براءة ترامب أو حملته الانتخابية من التواطؤ مع الروس، وعلى العكس تشير التحقيقات إلى تورط كبار مساعديه وصهره وحتى نجله في الملف، بشكل يجعل "الخيانة" كلمة أخرى يجب أن تستخدم هنا ونجدها نادرة في التقارير الإخبارية.

خامسا: استخدام مصطلح إصلاح قانون الرعاية الاجتماعية:

يدعي ترامب أنه اقتراح أكثر من مرة إصلاح قانون الرعاية الاجتماعية، وأن هذا القانون قد يكون البند التشريعي الكبير المقبل على جدول أعماله، وهذا "هراء" جديد، فالرعاية الاجتماعية يقصد بها المساعدة العامة الفيدرالية للفقراء وتم إلغاؤها في عام 1996، ما يريده الرئيس الأمريكي حقا هو تغيير قانون برنامج الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية "أوباماكير"، وبمعنى أخر هو اقتطاع أموال تذهب لصالح هذه البرامج لصالح خزينة الدولة حتى لا يحدث عجزا ماليا في الموازنة بسبب التخفيضات الضريبية التي منحها ترامب وحزبه أخيرا للأثرياء والشركات.

لذلك يجب أن نسمى تلك الإصلاحات بما هي عليه "تخفيضات مخطط لها في الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي".

أخيرا: وصف بعض تعليقات ترامب بأنها "مشحونة عنصريا":

يختتم روبرت رايش انتقاده لوسائل الإعلام الأمريكية، في تعاملها مع تصريحات ترامب، قائلا: مصطلح مشحونة عنصريا عند استخدامه لوصف تصريح ما لترامب، يشير إلى أن البعض يبالغ في اتهامه بالعنصرية، لكنها حقيقة، هذا الرجل بنى حياته السياسية على الكذب والعنصرية، نذكر كيف كانت تعليقاته العنصرية ضد المهاجرين المكسيكيين أثناء حملته الانتخابية، وأخيرا عندما وصف المهاجرين من أمريكا اللاتينية وأفريقيا بـ"الحثالة".

ويؤكد رايش أن وسائل الإعلام يجب أن تصف ترامب وتصرفاته بدقة بعيدا عن المصطلحات التجميلية والتطبيع، إذ يجب على كل أمريكي أن يفهم من لدينا في البيت الأبيض، على حد تعبيره.




اضف تعليق