التلاعب بمفهوم الحاكمية الإلهية من أجل أهداف الجماعة


١٨ يناير ٢٠١٨ - ١١:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
 
قوة الجماعة في دار الإسلام وهي الأرض كلها لا بد وأن تخضع لله بوجود إرادة تحمل لواءه ورايته حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

خلاصة من بحث مصطفى زهران 'أفكار سيد قطب وأثرها في الحركات الجهادية المعاصرة'، ضمن الكتاب 130 (أكتوبر/تشرين الأول 2017)'مرجعيات العقل الإرهابي: المصادر والأفكار' .الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

 ثوب الحاكمية الفضافاف

لم يكن سيد قطب مبتدعاً فيما طرح من تصورات فكرية إسلامية أصولية رغب منها تغييراً منشوداً لواقع المسلمين من حوله؛ إذ كانت هناك إرهاصات تسبقه بخطوات قليلة أثرت بشكل أو بآخر في تشكله الفكري الأصولي، كان أبرزها أطروحات ورؤى وأفكار العالم المسلم الشهير أبي الأعلى المودودي، الذي كان له عميق الأثر على التكون المعرفي والمنظور الإسلامي لسيد قطب، خاصة في بلورة رؤيته حيال المجتمعات المسلمة المعاصرة، وتقسيماته التي تأرجحت بين الجاهلية والإسلام، فضلاً عن القضية الأبرز لدى سيد قطب ممثلة في "مسألة الحاكمية" التي شغلت مساحات فكرية كبيرة، وطالت أزمة كبرى وإشكالات داخل الحركة الإسلامية المعاصرة.

وعندما أسس المودودي ما يسمى بـ"الجماعة الإسلامية" في لاهور بباكستان عام 1941، وضع كتابه التأسيسي "المصطلحات الأربعة في القرآن: الإله والرب والدين والعبادة". ونشر فصوله بعد ذلك، تباعاً، في مجلة "ترجمان القرآن"، في هذه الأعمال تبرز ملامح الجاهلية التي ظهرت بقوة مع سيد قطب، وتتجلى نقطة مهمة وهي فكرة الانفصال عن هذا المجتمع الجاهلي، وذلك من خلال تأسيس "جماعة مؤمنة" دورها يتجلى في تصحيح المسار وتعيد المجتمع إلى إسلامه ورشده وفي ذلك يقول: "لا بد من وجود جماعة صادقة في دعوتها إلى الله، جماعة تقطع كل صلاتها بكل شيء سوى الله وطريقه، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة، وتلفيق الاتهامات، وحياكة الأكاذيب، وتقوى على الجوع والبطش والحرمان والتشريد، وربما القتل والإعدام، جماعة تبذل الأرواح رخيصة، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار"، مما يعني أن سيد قطب عمل على إخصاب أطروحات المودودي خاصة في نظرية الحاكمية "وأصَّل لها حتى استوت على سوقها بالشكل الذي قدمه سيد قطب، وشكلت منهجاً أساسياً فيما تعورف عليه من بعده بـ"المدرسة القطبية" حتى عد سيد قطب تلميذاً مخلصاً له وامتداداً طبيعياً لأفكار المودودي.

يذهب المودودي إلى أن الطريق في سبيل الوصول إلى تحقيق "توحيد الحاكمية" استخدم السبل والآليات كافة لتحقيق تلك الغاية، وذلك لكون الإسلام يقف من الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام موقف المعارض، ومكمن الأمر هنا ليس فرض عقيدة الإسلام على غير المسلمين وإجبارهم على اعتناق مبادئ الإسلام، وإنما انتزاع زمام الأمر ممن يؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة بغية تسيير الأمور، فيما يتناسب مع جوهر الإسلام ولب عقيدته المتمثلة في استتباب الأمر لحملة لواء الحق.

وانطلاقا من هذه الرؤية يتضح للمودودي أنه لا توجد دار للإسلام تحدها حدود أو تعزلها جدران عمن سواها، إنما الأرض كلها دار للإسلام لا بد وأن تخضع لإرادته، وبالتالي يشرعن وجود قوة تذود عنه وتحمل لواءه ورايته حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"، وتظهر هذه القوة في "الجماعة المؤمنة" وتبرز هنا حجم التقاطع المودودي- القطبي في إبراز دورها وآلياتها -أي "الجماعة المؤمنة"- والتشديد عليها حتى أضحت القاعدة الصلبة في مشروع سيد قطب كما اتضحت معالمها كاملة فيما تضمنه كتابه المهم "معالم في الطريق".

وترتكز الحاكمية في ثوبها القطبي على دعامتين رئيستين، أولهما: إيضاح طبيعة ومترادفة تلك الحاكمية وصيغها وآلياتها المتمثلة في كونها تعني أن الله هو الحاكم الأوحد ذو السلطة المطلقة، نابعة من أن الله هو الخالق للكون وللإنسان، وأنه مستحق للعبادة والطاعة، والطاعة حق ينفرد به الخالق حصرياً، ومن ثم يمنحه لمن شاء بالحدود التي يشاء. ويفهم من ذلك أن النبي والحاكم والأب والزوج طاعتهم ممنوحة ومشروطة. وقد أمر الله أن يتحاكم المجتمع إلى شريعته التي تصلح لكل زمان ومكان، وهي تملك الصلاحية الكافية لتقويم وصلاح ونفع أي مجتمع بإشاعة العدل والنفع والخير والبعد عن الأهواء البشرية، وثانيهما من حيث التراتبية: تتمثل في (التمكين) وكيف يتأتى ذلك، من خلال تحصيل القوة اللازمة لتقويم المجتمعات وحملها على التحاكم إلى شريعة الله، وفي هذا يقول سيد قطب في الظلال: "إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، ومن العبودية لهواه أيضاً، وهي من العبودية للعباد، وذلك بإعلان ألوهية الله وحده (سبحانه) وربوبيته للعالمين.

إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور، أو بتعبير آخر مرادف الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور؛ ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر ومصدر السلطات فيه هم البشر هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مقام العبيد، إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض". وهنا تكمن ثورية أفكار سيد قطب، وكيف تلقفتها الحركات الجهادية من بعده تباعاً، جيلاً يسلم جيلاً.

العداء لأمريكا والغرب

شكل الموقف من الغرب وحداثته والاصطفاف ضده، وعياً وهامشاً في مخيلة الإسلاميين ردحاً من الزمن. ولعل تصورات سيد قطب للغرب وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية انطلاقا من زاوية الانحدار الأخلاقي والقيمي، شكل بعداً مهماً في التحفيز ضد الغرب والتعامل معه ككتلة واحدة وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. في رحلة سيد قطب إلى أمريكا عام 1948، كان سيد قطب كارهاً للغرب بشكل عام، ورافضاً له، ولأمريكا بشكل خاص، وعبر عن ذلك بكتابته لمقالات عدة مهاجماً فيها الولايات المتحدة لدعمها الدولة الصهيونية الوليدة، وعلى عكس المتوقع من قبل القائمين على هذه المنحة التي أهديت لسيد قطب لم تغير الزيارة من أفكاره، وبدا وكأن سيد قطب أصّل للعداء للغرب في مخيلة الإسلاميين من بعده بقصد أو بدون قصد، إذ مثل لهم القاعدة التي انطلقوا منها فيما بعد، ليعلنوا نفيرهم للحرب ضد الغرب وحداثته، بل زاد من جاء من بعده على مركزية العداء في الخطاب الإسلاموي، إذ كانت ترى أمريكا باعتبارها مركز قوة العالم المسيحي، المعادي للإسلام، وتجلت تلك الفترة بوضوح لدى الشيخ أسامة بن لادن ومن بعده أيمن الظواهري بإعلانهما الحرب على الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية "رأس الكفر" كما كانت تعرفها أدبياتهم، وفكرة التأطير التي حدثت لدى الجماعات الإسلامية التنظيمية وغيرها، تذهب بعض التحليلات إلى أنها لها أساس لدى سيد قطب، وتبلورت فيما بعد من خلال الجماعات التي طفت على السطح بعد ذلك، إذ كان لدى سيد قطب إدانة لهذا الغرب، ولكن من خلال خلق حركة جماعية تركز على عدو مشترك، وبالتالي فلقد مكن سيد قطب للإسلاميين النظر إلى أفعالهم على أنها هجمات ضد كيان جماعي غامض، وليس اعتداءات على فرادى البشر.

إن "الهوية الجماعية للإسلاموية تزيل حاجز الدوافع الفردية، والمخاوف، والرغبات، وتضع محور حياة كل مسلم على هزيمة العدو"، وبالتالي تتموضع فكرة العداء للغرب وحداثته في قلب كل مسلم لديه الرغبة في الثأر منهما كونهما يمثلان حاجزاً وسداً منيعاً بينه وبين إقامة مجتمعه، ودولته المنشودة التي تقف على النقيض من مجتمع الغرب الحداثي اللاأخلاقي المعادي للدين.


اضف تعليق