عين دارة.. إن تحرقوا المعبد لن تحرقوا التاريخ


٣١ يناير ٢٠١٨ - ٠٩:٤٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

انتهى الكلام وبدأ دوي المدافع.. فالطائرات التركية أغارت على عفرين شمال سوريا، وبدأت الحملة العسكرية التي اختار لها الأتراك اسم "غصن الزيتون"، تقصف مواقع لمقاتلين أكراد ولتنظيمي "داعش" و"القاعدة" في محيط عفرين السورية المحاذية للحدود التركية.

واختار الرئيس التركي أن يعلن بنفسه في الـ20 من يناير عن بدء عملية "غصن الزيتون"، قائلًا: "الآن وانطلاقًا من الغرب وخطوة خطوة سندمر هذا الممر تمامًا، وبدأت العملية فعليًّا في الميدان وستتبعها عملية في "منبج"، ولأنه لم يتم الوفاء حتى الآن بأيٍّ من الوعود التي قدمت بشأن "منبج" فلا يحق لأحد أن يقول شيئًا عندما نفعل ما يجب علينا القيام به".

الجمعة الماضية، طالت نيران الهجوم التركي معبد "عين دارة" في عفرين، ودمرت جزءًا  كبيرًا من هذا المعبد الذي يعود تاريخه إلى 3000 عام مضت، ويعد من أكبر الآثار القديمة في سوريا، بمنحوتاته الحجرية الضخمة للأسود وأبو الهول.

وأكدت وزارة الثقافة السورية وكذلك المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن الغارة التركية دمرت جزءًا كبيرًا من المعبد، خلال هجومها على عفرين، ونشر المرصد وموقع "هاوار نيوز" صورًا تؤكد أن أكثر من نصف المعبد تم تدميره، بما في ذلك العديد من التماثيل الأثرية.





معبد العصر البرونزي

تقع مدينة عين دارة الأثرية غرب المدينة الحالية وتبعد 5 كيلومترات جنوب عفرين و50 كيلومترًا شمال حلب، ويطلق على القسم الشمالي للموقع بعين دارة اسم "المدينة التحتانية"، والتي كانت تحاط بسور وأبراج نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد.

ويعود تاريخ استقرار الإنسان في القسم الشمالي من تل عين دارة -بجزأيه الشمالي والجنوبي- إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، واستمر حتى العهد العثماني مع فترات انقطاع، وعُثر بالمنطقة على مدافن وجرار وبعض الأختام والأواني الفخارية وأساسات بيوت مجاورة للمعبد المنكوب.

شُيد المعبد في عين دارة منذ أكثر من 3000 سنة، تقريبا في عام 1300 قبل الميلاد، قبل أن تبدأ ممالك العصر البرونزي في الانهيار في شرق المتوسط.

وتختلف الآراء حول تاريخ بناء المعبد، فالمصادر السورية الرسمية تربط بناءه بالفترة الآرامية قبل عشرة آلاف عام، وبحسب المصادر بُني بالفترة الممتدة بين 1200 و740 قبل ميلاد، بينما يُرجّح باحثون بدايات حيثية وهورية للمعبد، وعثر المنقبون في المعبد على كسرات لكتابات هيروغليفية حيثية من الألف الأول قبل الميلاد.

واللافت للنظر، وجود سلسلة من آثار هائلة لأقدام عملاقة نحتت في عتبات حجرية تؤدي إلى المعبد، ويشار إلى أن المعبد كان مخصصًا لعبادة الإلهة "عشتار" بحسب المكتشفات الآثرية فيه، حيث يعتقد البعض أن المعبد شيد تكريمًا لها.






فقدان تاريخ غني

منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في عام 2011، قام مقاتلو تنظيم "داعش" بتدمير عدد من المواقع الأثرية في البلاد عمدًا، بما في ذلك موقع "تدمر" العالمي التابع لليونسكو.

بينما استهدفت الجماعات المتطرفة داخل سوريا مواقع التراث الثقافي في البلاد، يبدو الآن أن القوات التركية، التي تقاتل القوات الكردية بالقرب من مدينة عفرين، تشكل تهديدًا إضافيًّا لتاريخ المنطقة، وأظهرت صور الأقمار الصناعية الأضرار التي لحقت بالأجزاء الوسطى والجنوبية الشرقية من المعبد في غارة جوية.

وأدان النظام السوري الهجوم باعتباره اعتداءً متعمدًا على الموقع من قِبَل تركيا، ومن الصعب تأكيد ذلك، وأعرب مراقبون دوليون عن شعورهم بالقلق، لافتين إلى أن المواقع التاريخية قد تستهدف بشكل متزايد في الصراع الدائر في سوريا.

يقول مايكل دانتي -عالم الآثار، لــ"ناشيونال جيوجرافيك"- "يمثل هذا الحدث تحولًا في التكتيكات التي يمكن أن تؤدي إلى تدمير كبير للأصول الثقافية خلال الأشهر المقبلة، في منطقة تحتوي على إرث ضخم من المواقع التراثية.

كموقع للتراث الثقافي، فإن معبد عين دارة والقرى المجاورة محمية بموجب القانون الدولي، ومع ذلك لم ينجُ من النيران التركية، ويقول الباحثون: إنهم قلقون من أن الهجمات المستقبلية يمكن أن تدمر المزيد من الإرث التاريخي الغني في شمال سوريا.

ويعود تاريخ الآثار المعرضة للخطر الفعلي في منطقة عفرين إلى الفترة ما بين القرن الأول إلى القرن السابع الميلاد، وتشمل "البنايات المعمارية للمساكن والمعابد اليهودية والكنائس والصهاريج والحمامات"، وفقًا لموقع اليونسكو.
 
وتعود بنا واقعة معبدة عين دارة إلى سبتمبر من العام 2015 عندما أظهرت صور التقطت عبر الأقمار الصناعية تدمير تنظيم "داعش" لمعبد "بل" في مدينة تدمر التاريخية، بعد تدميره معبد بعلشمين الأصغر في خسارة فادحة للتراث السوري، نظرا لكون "بل" ومدينة "تدمر" من المواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة يونيسكو، واعتبرتها الأمم المتحدة ذات قيمة لا تقدر بثمن لإرثنا العالمي المشترك.

وتقول جمعية حماية الآثار السورية، إن هناك أكثر من 900 نصب وموقع أثري تعرضت لأضرار أو دمرت أو سويت بالأرض بالكامل منذ 2011.







اضف تعليق