لن تؤمن بالله حتى تكفر بالمعبد


١٠ فبراير ٢٠١٨ - ٠٢:٠٩ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

ظل الأزهر والكنيسة، والسينما والمسرح، على مدى تاريخ مصر المعاصر فاعلين أساسيين في التأثير على الدول وشعوبها، إنها القوى الناعمة التي ساهمت في دفع مكانتها للأمام في الشرق الأوسط، الباحثون والمفكرون يؤكدون أن مصر لا زالت تملك كل أدوات قواها الناعمة، لكنها فقط تحتاج إلى عملية جراحية لإعادة تقديم نفسها إلى العالم.

عندما سئل وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي عن أفكاره ومذهبه في التعامل مع المختلفين، أجاب: نحن بحاجة كبيرة إلى التسامح، ويحضرني بيت شعر يقول: "سلام على كفر يوحد بيننا.. وأهلا وسهلا بعده بجهنم".

عز الدين ميهوبي ودولته الجزائر حلوا ضيوف شرف على معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته التاسعة والأربعين التي تختتم فعالياتها اليوم السبت، وشارك بها 27 دولة، و849 دار نشر، إضافة إلى 33 مؤسسة حكومية.

الإسلام السياسي وما خلفه من صراعات داخل الدول العربية تسببت في إراقة دماء آلاف الأبرياء؛ حظي باهتمام الكثير من الدراسات المشاركة بالمعرض، منها كتاب "الفتوى والسياسة.. سلطة النص ونص السلطة" للدكتور حيدر إبراهيم علي، يوضح خلاله أن التطورات الأخيرة في المنطقة خلقت صراعا من نوع جديد، صراع في داخل الدين وليس حوله، فهو ليس صراعا بين علمانيين وإسلاميين مثلا، ولكن بين إسلاميين متعددين حول المرجعية. ويوضح الكتاب أن الصراع أو الحرب الأهلية الإسلامية اشتدت مع انتشار الأفكار التكفيرية التي خرجت من صفحات كتب سيد قطب، لتمشي بين الناس بعد أن بلورها تنظيم القاعدة، بعد أن أحيا زعيمها أسامة بن لادن فكرة "جاهلية القرن العشرين"، حين أدرج عددا من حكومات المسلمين ضمن الكفر، وأخيرا وصل الإقصاء مداه مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي لا يتردد في استخدام القوة والعنف لاستئصال المخالفين.

بينما يتناول شادي حميد، في كتابه "الاستثناية الإسلامية.. كيف يعيد الصراع حول الإسلام تشكيل العالم"، ما وصفه بالاستثناء الإسلامي كحالة مغايرة للإسلام كدين في تعاطيه مع السياسة، وكيف يعتبر ذلك مؤثرا في فهمنا لراهن ومستقبل الشرق الأوسط، نظرا للارتباك ونزاعات الاسلاميين مع الرؤية العلمانية لعلاقات الدين والدولة.

في كتابه "الجهاد والموت"، يحلل الباحث السياسي والمفكر الفرنسي أوليفييه روا، ظاهرة الإرهاب والهجمات الانتحارية، ويؤكد أن هذا الخيار الذي تلجأ إليه فئة من الشباب الغربي ليس دينيا ولا سياسيا، بل هو في الأساس ثورة عدمية يلعب فيها الموت، في آن واحد، دور الغاية والوسيلة. ويحلل الأسباب التي تجبر الشباب في فرنسا على الانضمام إلى "داعش"، موضحا أن ما يجمع بين هؤلاء هو البحث عن قضية، والتمرد على المجتمع والأهل، ورفض النظام.

ويسعى الباحث ماهر فرغلي -في كتابه "داعش والقاعدة.. العقل والاستراتيجية"- إلى فهم الفكر الذي يقف وراء تنظيم داعش، أكبر التنظيمات الإسلامية المسلحة في التاريخ المعاصر، ساعيا إلى معرفة إلى أي مدى يمكن أن يستمر فكر هذه التنظيميات قائما وله أثرا واضحا على الأرض.

طريق الحب


كثر الحديث مؤخرا عن جلال الدين الرومي وعن الصوفية، ربما لأننا أصبحنا نتوق إلى سلام داخلي بعيدا عن المتشددين الذين أرهقونا وأدخلونا في صراعات دامية خلال السنوات الماضية. لذلك تعددت الروايات والكتب التي تنهل من منابع الصوفية، التي هي طريق الحب، الإخلاص، والمعرفة.

يوضح كتاب "أسس الصوفية" للمؤلفان جيمس فاديمان وروبرت فريجر، أن المؤرخين يصفون الصوفية بأنها اللب السري الغامض للإسلام، ويحددون تاريخ ظهورها ببدايات الإسلام، أي القرن التاسع الميلادي، لكن الكثير من الصوفيين يعتقدون بأن الأديان الكبرى والتقاليد الصوفية في العالم تتشارك بالحقيقة الأساسية ذاتها، وأن الأنبياء العظام كلهم تلقوا وحيهم من المصدر نفسه، وجاؤوا للبشرية بالنور نفسه والحقائق الأساسية ذاتها.

ولكن ما "معنى أن تكون صوفيا" هذا ما يحاول الباحث خالد محمد عبده الإجابة عنه، مؤكدا أننا اليوم نعيش في مرحلة مختلفة من مراحل التصوف، فبعد أن كانت البلدان العربية والاسلامية هى التي تُصدر التصوف، أصبح أهلها -وخاصة الشباب- منجذبين الى التصوف الناطق بلغات أعجمية، وإن نطق بالعربية فبروح أهل الغرب. هذا اللون الجديد من التصوف لا يقيم وزناً للعصبيات والمسميات الطرقية، كما لا يعتد بطرق أهل التصوف الحالية، ولا الأشكال التي يلتزمون بها".

يحاول عناية الله إبلاغ الأفغاني -في كتابه "جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماء الكلام"- توضيح بعض آراء الإمام جلال الدين التصوفية والكلامية، فتحقيق قضايا التصوف يحتاج إلى ما يبعد عن العقل وهي التجربة الصوفية، فساحة التصوف ترفض التفلسف رفضاً باتا ولا تدعو الفيلسوف إلى البحث والتحليل بقدر ما يدعو الصوفي إليهما.

في كتابها "قطب المعشوقين.. رسائل إلى جلال الدين الرومي" تعود الكاتبة أمامة اللواتي إلى مقام الرومي تلك المحطة المهمة لكل من استنشق بساتين شعره، فكل من كتب عن حياته وقف ساكنًا بحب يناجي روحه الصافية. تقول: "لن تكون العودة من قونية كما كان الذهاب إليها، ستعود حتما بفجوة في قلبك، ليست ككل تلك الفجوات الأخرى، التي تترك في صفحات قلوبنا مساحات محروقة، وكأنها بقية رماد نار طويلة اشتعلت في القلب، لكن تلك الفجوة أشبه بمن يترك جزءًا منه طواعية في أرض كانت شبه غريبة حتى إذا التقت بأنفاس المحبوب سقطت الحواجز وانمحت كل الحدود".

أما لمى سخنيني فقدمت أول ترجمة عربية لديوان "مولانا جلال الدين الرومي... القصائد المحرمة"، وهو ترجمة لقصائد باللغة الإنجليزية جاءت بعنوان "قصائد الرومي المحظورة عن العشق والهرطقة".

بينما يسعى أدهم العبودي -في روايته "حارس العشق الإلهي.. التاريخ السري لمولانا جلال الدين الرومي"- إلى سرد التاريخ غير المعروف للرومي، محاولا اقتفاء أثر التاريخ الجغرافي والمكاني والإنساني في حياة جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي قبل أن يلتقيا، راصدا اجتياح التتار لبلدان الشرق وتدميرها.

في روايته "حكاية فخراني"، يسعى محمد موافي إلى كشف أسرار الضعف الإنساني، راصدا سيرة آل المهدي، ومؤسسها الجد الأكبر المعلم المهدي الفخراني، كما يستحضر سيرة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، وارتحالاته بين الأمكنه، وتجليات تجربته الصوفية.

من جانبها أطلقت دار الكرمة، سلسلة جديدة بعنوان "المكتبة الصوفية الصغيرة"، تعيد من خلالها تقديم عدد من كتب التصوف، صغيرة الحجم، بلغة بسيطة سهلة، تستهدف كل من يجذبه الحكمة والزهد والتصوف، ويريد أن يأخذ فكرة جيدة عن أهم كتب التصوف.

الشريعة ومواجهة الإرهاب 


قرر الأزهر أن يخاطبنا بأسلوب العصر، وبالعديد من اللغات، على رأسها الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الألمانية، الإيطالية، اليونانية، السواحلية، الإندونيسية وغيرها، فقد ظل على مدى تاريخه أحد مراكز قوى مصر الناعمة، يوفد البعثات ويستقبل المريدين من كل دول العالم، ففي عام 2013 استقبل أكثر من 35 ألف طالب من 129 دولة.

في جناحه الضخم بمعرض القاهرة الدولي للكتاب؛ يستقبل المئات من الشباب والشيوخ على اختلاف جنسياتهم، يقدم لهم ركنا للفتوى، ويعرض طبعات أنيقة من إصدارات مجمع البحوث العلمية، ومركز الأزهر للترجمة، ويعلمهم جماليات الخط العربي، أما الرواق الأزهري فيدعو الجميع إلى دراسة اللغات المختلفة بالمجان.

ولكن هل الشريعة قادرة على مواجهة الإرهاب المعاصر؟ هذا ما يؤكده الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، في كتابه "المفسدون في الأرض"، مستعرضا عددا من صور الإفساد المعاصرة، منها التفجيرات، اختطاف الآدميين، ترويج المخدرات، الجاسوسية، ترويج الأفكار الهدامة، الحرابة، قطع الطريق وغيرها، متناولا كيفية مواجهة هذه الصور من الفساد.

تتعدد إصدارات الأزهر التي يحارب بها التطرف والإرهاب منها؛ "المعارضة المسلحة.. رؤية شرعية" لعباس شومان، "الغلو والتطرف" من أعمال مؤتمر الأزهر العالمي لمواجهة التطرف والإرهاب، "الفهم المستنير لأحاديث يحتج بها أهل العنف والتكفير" لمحمد أحمد سعيد الأزهري، يتناول خطورة التكفير وآثاره، وحقيقة الجهاد المشروع في الاسلام، "الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل"، "ملخص أعمال مؤتمر الأزهر العالمي لمواجهة التطرف والارهاب"، الأزهر في مواجهة الفكر الارهابي"، "دور الأديان في نشر السلام ونبذ العنف والكراهية".

اقلب المعبد تجد الله


هل تكفي محاربة الإرهاب بالسلاح والفكر، أم يجب علينا أن نهدم المعبد ونعيش أحرارا خارج الأسوار، دون وجود مرشدين يوجهوننا إلى طريق الحق. نمد أيدينا بالسلام لنحصد بردا وسلاما يزرعه الله داخل قلوبنا.. هذا ما تحاول العديد من الكتب أن تحثنا عليه، وتدفعنا دفعا لرفض الأوصياء.

ينتقد العراقي عبد الرزاق الجبران، في كتابه "لصوص الله"، المفاهيم التقليدية للدين، ويرى أن ما كتبه الفقهاء هو عين ما جاء الدين لنقضه، لذا ليس من الممكن أن يكون المرء مؤمنًا قبل أن يكفر "بالمعبد وأحكام الكهنوت".

ويدافع عن المبدأ الصوفي في أخذ الدين من القلب، فالفقه هو فقه وجود وليس نصوص، "فاللصوص يسكنون في النصوص"، حسب وصفه. ويرى أن الدين جاء ليثبت إنسانية الإنسان لا ليخلصه من أخطائه. "الإنسان لا يريد لاهوتيين أخيارا يعلمونه العبادة، وإنما إنسانويين ثوارا يخلصونه من عبوديته، فالأزمة في حياته ليست أزمة لاهوتية في عبادته، وإنما وجودية في استعباده، لم تكن مشكلة عقيدة، بقدر ما هي مشكلة ظلم".

"هل هذه حقًا بديهيات دينية"، سؤال يطرحه الدكتور خالد منتصر، يطالبنا بألا نؤجر عقولنا مفروشا ولا نسلمه تسليم مفتاح لكل داعية أو تاجر دين، "سماسرة الشقق المفروشة يقبضون ما يسمى خلو رجل، أما سماسرة الدين فيقبضون خلو عقل". هو محاولة عصف فكري وتدريب على أن هناك مناطق فى تراثنا الفكرى لابد من اقتحام أدغالها المتشابكة بجرأة.

هل يجب قلب المعبد على كهانه؟.. في كتابه "انقلاب المعبد" يقول عبد الرزاق الجبران: "في هذا العالم أحيانا لا تدخل على الحياة إلا بالخروج عليها.. ولن تصلي حتى تترك الجماعة، ولا تؤمن بالله حتى تكفر بالمعبد الذي يرفع اسمه، ولن تعانق الحكمة حتى تتخلى عن كتب فلاسفتها، لكثرة ما كان المعبد الذي يرفع لله بالنهار "اسمه"، يسرق بالليل "إنسانه".. لذا لا استطيع أن اسميه معبدا، مهما كثرت مآذنه ونواقيسه. هذه هي مشكلتنا في العالم، كسبنا المصلين وخسرنا الصلاة، ارتفعت المعابد وهبط الإنسان".

يرى الجبران أن الانقلاب غالبا ما يكون هو الحل الأوحد على القصور كما على المعابد، على الملوك كما على الكهنة.. إذا ما خرجت تلك القصور والمعابد على الشعب والله سوية. ويؤكد أنه لا خروج من التيه إلا بالخروج من المعبد إلى الوجود.


اضف تعليق