مجتمع "مازوخي" بامتياز.. في أصل الحزن العربي


١١ فبراير ٢٠١٨ - ١١:٠٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

أدمنتُ أحزاني فصرت أخاف ألّا أحزنَا/ وطعنت آلافًا من المرّات حتّى صار يوجعني بألّا أُطعنا/ ولُعِنْتُ في كلّ اللّغات وصار يقلقني بألّا أُلعنا/ ولقد شنقت على جدار قصائدي ووصيتي كانت بألّا أُدفنا/ وتشابهت كلّ البلاد فلا أرى نفسي هناك ولا أرى نفسي هنا.

اتسمت الحالة العربية على مر العصور بالحزن، فكانت مشاعر الضيق والكآبة تغلب عليها، وظهر ذلك في الإنتاج العربي الفكري والثقافي شعرًا ونثرًا وموسيقى، وظل الحزن أساسًا راسخًا في التراث العربي ومكونًا أصيلًا  للشخصية العربية.

لقد غلب على مجتماعاتنا ثقافة "عدم الاستمتاع"، والتي تطورت فيما بعد لأبعد من ذلك لتصبح استمتاعًا بالحزن ذاته وتلذذًا بالألم، والشعور بالرضا كلما زادت متاعبنا، وفرحًا بالظهور بمظهر البائس الحزين الشهيد المضطهد، وهو الأمر الذي يجعل من مجتماعاتنا العربية "مازوخية" بامتياز، فهي تتلذذ الألم والحزن بل وتستحضره في بعض الأحيان وتنبش عنه نبشًا.

فلصالح المقامات الحزينة في الموسيقى الشرقية تميل الدفة، فإذا كانت المقامات الموسيقية الشرقية المعروفة "ثمانية"، فإن أربعة مقامات منها كلها "حزينة" وثلاثة أخرى محايدة، ومقام واحد فقط يعبر عن الفرح، فمن الصبا -أكثر المقامات حزنًا- مرورًا بالنهاوند والكورد والسيكا، استلذّ العرب الموسيقى الحزينة، وفضلوها على غيرها، وهو ما يفسر الحزن الذي غلب على أغلب أغاني العصر الذهبي.

وعلى الرغم من تطور الموسيقى وقبولها لإيقاعات أخرى أكثر بهجة، ظلت الكلمات العربية تدور بشكل كبير حول المشاعر الحزينة كــ: الفراق، والخيانة واللوعة، والاشتياق للحبيب البعيد، ففي مقابل الدبكات والرقصات التراثية نجد آلاف الأغاني الحزينة التي تصف المأساة التي نحياها ونكابدها، وحتى الروايات التي تعرض الحزن واليأس هي الأكثر مبيعًا في عالمنا العربي، وهي التي تستقطب غالبية الجمهور وتحوز على إعجابه.

ليست مبالغة، إن حكمنا على الشخصية العربية بالميل للنكد والحزن، كنوع من التعميم الأقرب للحقيقة في محاولة لالتماس نقاط منابع هذا الطابع المُميِّز لها، ولعل الموقع الجغرافي والأحداث السياسية الأليمة التي شهدها الوطن العربي ككل أحد أبرز الأسباب التي جبلت الشخصية العربية على الحزن، فالطائفية والإرهاب والقتل والأزمات السياسية التي نخرت عميقًا في الجسد العربي تركت أثارها في الشخصية العربية التي أنتجت ما يعكس مشاعرها أدبًا ونثرًا وشعرًا وثقافة، فالحروب تسحق نفوس أهلها لا محالة.

نحن شعوب تموت مع موتاهاـ وتبكي في لحظات الفرح، وتتلذذ بلحظات الحزن، وإن حدث وضحكنا نتوجس خيفة فنقول: "اللهم اجعله خير"، في حبنا أيضًا ولحظات عشقنا "حزن"، وإن خلا الحب من مشاعر الحزن تلاشى وفقد رونقه، يقول نزار قباني: "علّمني حبّك أن أحزن وأنا محتاج منذ عصور لامرأة تجعلني أحزن لامرأة أبكي فوق ذراعيها مثل العصفور لامرأة تجمع أجزائي كشظايا البلّور المكسور".


الحداد في أوطاننا يطول ويطول فنرتدي السواد على الراحلين، ولا زالت وظيفة "الندابات" موجودة، فيقمن بالنواح على جثة الميت قبل دفنه، وقد يصل الأمر بهن لتمزيق الثياب واللطم على الوجوه، فاستقبالنا للموت أكثر رعبًا من الموت ذاته، فنحن في الحقيقة من نموت حزنًا على الموتى ونغالي بالاستمتاع بمشاعر الحزن.

وإن كان الأمر مقبولًا في مراسم العزاء فإنه يصبح  أكثر غرابة في الأفراح، فأن يصبح الحزن جزءًا أساسيًّا من طقوس الأعراس فنجد أهل العروس يبكون على فراق ابنتهم كما لو أنها فارقت الحياة لهو أمر مثير للدهشة.

إن القاصي والداني من بلادنا العربية غالبًا ما يلحظ  ذلك الارتباط الوثيق للشعوب العربية بالحزن والألم، وقد انعكس ذلك بقوة في لغتنا العربية فمقابل الكلمات المعدودة لمرادفات السعادة والفرح والسرور والبهجة، نجد فيضًا من المرادفات التي تعبر عن الحزن والألم ومكابدتهما.

وللحزن في لغتنا العربية مرادفات كثيرة، أبرزها استخدامًا "الأسا" و"الأسى"، كما أن له أنواعا ودرجات في الشدة، أبدع العرب في وصفها والتفرقة بينها، فـ"الكمد" هو الحزن الذي يبقى مكتومًا، أما "البثّ" فهو الحزن الذي نفضي به لأصدقائنا، أما "الجوى" فهو الحزن من شدة العشق، و"الكرب" هو الحزن الذي يثقل النفس، بينما "الوجوم" هو الصمت من شدة الحزن، وهناك أيضًا الأسف والترح واللهف، والغم والكآبة والشجن والفجع والغصة وغيرها من المرادفات والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى الانتشار الواسع للحزن وأسبابه في التاريخ العربي.

التدين العربي بشكل عام يعد أأحد الأسباب التي تعزز فكرة الحزن لاسيما أن الديانات في معظمها تحمل معاني الخطيئة ولوم الذات وجلدها.

يقول واسيني الأعرج -في "سيدة المقام، مراثي الجمعة الحزينة"- "نحنُ لا نحزن شهوة في ذلك، ولكنَّنا نحزن لأنَّنا لا نملك أجوبة لأسئلتنا المستعصية”..  يبدو أن الوعي العربي بشكل عام أحد أسباب "الحزن" الذي يغلب علينا، فنحن كثيرًا ما نفشل في الوصول إلى الإجابات عن أسئلتنا الكبرى المتعلقة بالوجود والحياة ونكتفي بالارتماء في أحضان المعرفة المتواترة الجمعية دون اجتهاد الأمر الذي يفقدنا سعادة ولذة الاكتشاف والبحث، فنستسلم للسلبية ومشاعر الإحباط والحزن.

قد يكون "الحزن" أكبر مُعلم في الحياة لو أدركنا كيفية التعامل معه، فلا مهرب من مشاعر الحزن ولا لوم عليها، فالحزن يخبو بمرور الزمن لا بالضغط على زر سحري، فالأمر ليس بهذه البساطة التي يتم تصويرها، لن ينتهي حزنك بمجرد قراءة كتاب في التنمية البشرية تحت عنوان "كيف أتخلص من الحزن وأصبح أكثر سعادة" أو الذهاب في رحلة بحرية والارتماء في أحضان الطبيعة.

الأمر أكثر تعقيدًا من هذا؛ فالحزن لن ينتهي سريعًا ومحاولة القضاء عليه محض ادعاء، إن كل ما يمكننا القيام به هو تقليل المعاناة ومحاولة تجاوز المحنة.

من أكثر الأمنيات التي نحلم بها ونحن في أشد لحظات الانكسار والحزن "النسيان" تلك الهبة التي تداوي الجراح والمرهم الشافي للقلوب والمعافي للعقول، ولعلنا لا ننسى أبدًا لكننا نغلق أعيننا قليلًا لنستطيع العيش.



التعليقات

  1. لطفي ١١ فبراير ٢٠١٨ - ١١:٢٩ ص

    وده كمان واضح جدا في قصائد شاعر كبير زي نزار قباني فبتلاقيه مره بيقول تعبيرا عن التاريخ الطويل للصداقة بين الإنسان العربي والحزن ف بيقول : أنا أقدم عاصمة للحزن وجرحي نقش فرعوني ومره تانيه بيعبر عن استعذاب الحزن والألم لدرجة احتياجه ليهم وانتظارهم لما بيقول : وأنا محتاج منذ عصور لامرأة تجعلني أحزن لامرأة أبكي فوق ذراعيها مثل العصفور ومره أخرى بيعظم من شأن الحزن لدرجة انه بيعتبره مقياس ومعيار لشدة الحب لما بيقول : أنا عاشق حد البكاء موضوع مميز و بيلمس وجدانا بشكل كبير تحياتي يا أستاذه مقال مميز جدا

  2. عادل ١١ فبراير ٢٠١٨ - ٠٦:٣٨ م

    نعم نحنُ كما قلتِ ... احسنتِ

  3. Byrw atls ١٢ فبراير ٢٠١٨ - ٠٤:٠٩ ص

    ابداع بمعنى الكلمه

  4. Byrw atls ١٢ فبراير ٢٠١٨ - ٠٤:٠٩ ص

    ابداع بمعنى الكلمه

اضف تعليق