39 عامًا.. إيران تحتفل بثورتها بزعزعة الاستقرار العالمي


١١ فبراير ٢٠١٨ - ١١:٢٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – دعاء عبد النبي

تحتفل إيران اليوم بالذكرى الـ39 للثورة الإسلامية، وذلك بعد أيام من الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الأيام الماضية، احتجاجًا على تردي الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفساد، ليترافق معها ما صدرته إيران للمنطقة، منذ إعلان ثورتها في شكل فوضى وتدخلات وحروب أفضت جميعها لزعزعة الاستقرار في المنطقة العربية والدولية بمساعدة ميليشياتها التي باتت منتشرة في عدة دول عربية وعلى رأسها سوريا والعراق واليمن وغيرها.

ويمكن أن نستعرض، من خلال هذا التقرير، نبذة عن الثورة الإسلامية منذ انطلاقها، وتأثيرها على زعزعة الاستقرار ونشوب الحروب وإثارة الفتن والخلافات وغيرها عبر أبرز الأحداث التي برزت فيها إيران بعد الثورة الإسلامية.

الثورة الإسلامية (1977- 1979)

بدأت الثورة عام 1979، وحولت إيران من نظام ملكي تحت حكم الشاه "محمد رضا بهلوي"، واستبدلته بالجمهورية الإسلامية عن طريق الاستفتاء، في ظل المرجع الديني "روح الخميني" مدعومًا بالعديد من المنظمات الإسلامية واليسارية والحركات الطلابية الإيرانية، فضلًا عن الشخصيات ذات التوجه الإسلامي، ولذلك أطلق عليها "الثورة الإسلامية".

بدأت المظاهرات ضد الشاه في 1977، وتطورت لحملة مقاومة مدنية، اشتدت بتكثيف الإضرابات والمظاهرات عام 1978 لتواجه البلاد حالة من الشلل، دفعت الشاه لمغادرة البلاد إلى المنفى لينهار الحكم الملكي بعد فترة وجيزة (عشرة أيام) في 11 فبراير، والتي يطلق عليها في إيران بـ"عشرة الفجر".

وخلال تلك الفترة، سعى "روح الخميني" -مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية- إلى  تصدير ما يسمى بـ"الثورة" إلى المناطق المجاورة، مؤكدًا أن الاستشهاد ضد الظلم والاستبداد جزء من الإسلام الشيعي ليطور من خلالها عقيدة ولاية الفقيه، كحكومة، وأن المسلمين -جميعًا- يتطلبون "الوصاية"، في شكل حكم أو إشراف من قِبَل الفقيه الإسلامي القيادي.

ومن منطلق هذه الأفكار، انعكست محاولات الخميني لتصدير الثورة على استقرار الدول، وكان من أبرز نتائجها وأد المعارضين الإيرانيين، و"الحرب العراقية الإيرانية"، وكذلك "الحرب الأهلية الأفغانية"، فضلًا عن توغلها في سوريا واليمن ولبنان، ليتعاظم دورها لاسيما بعد تبنيها للقضية الفلسطينية.

في إيران (وأد المعارضين)

بعد نجاح ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية"، أُعدم كبار الجنرالات في الجيش وأكثر من 200 من مسؤولي الشاه المدنيين بهدف إزالة خطر أي انقلاب، فضلًا عن اغتيال مسؤولين سابقين بعد هروبهم للخارج منذ الإطاحة بالشاه، وإغلاق العديد من الصحف والمجلات المعارضة وكذلك الجامعات.

وللتخلص من معارضيه، استخدم الخميني أسلوب التكفير، ووصل الأمر لتهديدهم بالإعدام بتهمة الردة ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، وأنشئت منظمة "مجاهدي خلق" التي أدارت العديد من الاغتيالات والتفجيرات عام 1981.

ولا زالت الأوضاع في إيران تشهد مزيدًا من القمع، كان أبرزها في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد وقمعه للإصلاحيين والمعارضين، ما لبث أن تجددت في عهد الرئيس الحالي حسن روحاني الذي نجح في قمع الاحتجاجات عبر ميليشا الحرس الثوري الإيراني.

أثارت الثورة الإسلامية انزعاج كل من العراق ودول الخليج عمومًا، لاسيما بعد ظهور الراديكالية الشيعية ودعوتها لإسقاط الملكية واستبدالها بجمهوريات إسلامية، فهناك أقليات شيعية في الدول المجاورة.

في العراق (حرب الخليج الأولى)

كانت مخاوف حزب البعث العراقي من تصدير ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية"، فضلًا عن اشتداد الخلاف بين العراق وإيران حول ترسيم الحدود في منطقة شط العرب المطلة على الخليج العربي الغني بالنفط والاشتباكات العسكرية المسلحة، أحد أبرز العوامل التي أدت لنشوب الحرب العراقية الإيرانية.

ومع وصول "صدام حسين" للسلطة العراقية في 1979، تأزمت العلاقات وتم سحب السفراء، وتزايدت الحوادث القتالية على الحدود، لتدخل العراق في حرب طويلة الأمد مع إيران عام 1980 استمرت لثماني سنوات، خلّفت ما يقرب من مليون قتيل وأضعاف ذلك من المصابين والمعاقين، بينما ألحقت دمارًا هائلًا في البنى التحتية والمنشآت خاصة النفطية بين الجانبين.

ولم ينتهِ الوضع عند ذلك، فمع سقوط صدام حسين والغزو الأمريكي للعراق في 2003، سعت إيران للتوغل داخل المؤسسات العراقية وباتت الحاكم بأمره في سياسات الحكومة العراقية، التي ساهمت في تسهيل غزو داعش للمدن العراقية والسيطرة عليها في 2014.

ولا تزال الميليشيات الإيرانية تعبث في مقدرات العراق، عبر فرض سطوة ميليشياتها الشيعية والمتمثلة في الحشد الشعبي وحزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وغيرها، على المدن العراقية ونهب ثرواتها تحت مزاعم حماية المزارات الشيعية ومكافحة داعش.

في اليمن

دخلت إيران في اليمن، عبر حشد الميليشيات الشيعية، حيث كان للحوثيين دورًا كبيرًا في إحياء الثورة، لاسيما في 2011 وسقوط حكم الرئيس الراحل "علي عبد الله صالح" لتدخل اليمن في مرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار، وصلت لذروتها عام 2014 باقتحام الحوثيين لمؤسسات الدولة ونهب ثرواتها، ما دفع بالسعودية لقيادة "عاصفة الحزم" بدعم من دول الخليج لوقف التمدد والنفوذ الإيراني.

ولا زالت إيران، حتى الآن، تراوغ عبر ميليشياتها المُسلحة لإفشال المفاوضات وقتل العديد من اليمنيين، وكان من بينهم الرئيس اليمني السابق، في مشهد مأساوي، عبّر بشكل واقعي عن الانتهاكات الحوثية الإيرانية باليمن.

في سوريا

كانت إيران حليفًا تاريخيًّا واستراتيجيًّا لسوريا منذ عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، فقد كانت تستمد سلاحها ودعمها من النظام السوري إبان "الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك في حرب لبنان 2006، واليوم ظهرت إيران كمرجعية للميليشيات الشيعية التي تعبث في سوريا تحت مزاعم مكافحة داعش بعد أن طلب النظام السوري تدخلها في 2012.

ومؤخرًا، ظهرت إيران كلاعب أساسي في المفاوضات التي تقودها مع روسيا وتركيا لحل الأزمة السورية، فضلًا عن دورها الأساسي في التعيينات الأمنية داخل النظام السوري، ما سمح للميليشيات الإيرانية الممثلة في "فيلق القدس" و"حزب الله" وميليشيات أفغانية وباكستانية أخرى بارتكاب العديد من المجازر والانتهاكات بحق الشعب السوري.

في لبنان

بدأ تصدير الثورة الإيرانية للبنان بعد اجتياح لبنان عام 1982، وتشكيل مقاومة إسلامية وطنية ساهمت في انسحاب الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما استغلته إيران بزيادة دعمها للمقاومة اللبنانية التي أثبتت دورها في حرب 2006 ضد إسرائيل، ليبرز بعدها "حزب الله" المدعوم من إيران بفرض سيطرته على لبنان بقوة سلاحه، الذي كان له أكبر الأثر في العديد من الاشتباكات المُسلحة وانقسام المشهد السياسي في لبنان.

وعبر ميليشيات "حزب الله"، التي تم إرسالها إلى سوريا والعراق تحت مزاعم إيرانية بغرض حماية مقدسات شيعية ومكافحة التنظيمات الإرهابية، تحول دور الحزب من مقاوم للاحتلال إلى ميليشيا مُسلحة لا تزال تخوض حروبًا شرسًا ضد الشعوب العربية بالمنطقة لدعم وخدمة أهداف الثورة الإسلامية.

في فلسطين

شكل انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية مصدر إلهام لقطاع من القوى الفلسطينية، كان قد بدأ يتشكل في نهاية الثمانينات، وتحديدًا حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، فكانت أفكار الثورة الإسلامية، وتبني الخميني للقضية الفلسطينية أثرًا كبيرًا على  المنهج الثوري لتلك الحركات.

وبعد اتفاق أوسلو، بدأت مرحلة مد الجسور بين حماس وإيران، لتتصاعد انتفاضة الأقصى وصولًا لتبني إيران الكامل لحكومة حماس في غزة، وذلك بعد نجاحها في الانتخابات الفلسطينية عام 2006، ليشكل الرفض الإيراني لأي مصالحة مع إسرائيل رافعة سياسية ودعائية لحركات المقاومة.

لينتهي المشهد السياسي بانقسام وحدة الصف الفلسطيني التي عانى منها الشعب الفلسطيني لسنوات، والتي ساهمت بشكل كبير في تعاظم الدور الإيراني بسبب غياب المواقف العربية تجاه قضية فلسطين، إلى أن تدخلت مصر ودول خليجية لتوحيد الرؤى وإنهاء الانقسام الفلسطيني.

في أفغانستان

ازداد التوغل الإيراني في أفغانستان مع نجاح الثورة في 1979، عبر وكلائها الشيعة بعد أن لجأ مليوني أفغاني إلى إيران هربًا من الحرب الأهلية، وهو ما أتاح للنظام الإيراني باستغلال وجود الأفغان على أراضيه لتسليحهم وإرسالهم إلى أفغانستان لتشكيل جبهات موالية لإيران في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

ومع مرور الوقت تشكلت أحزاب موالية، فكان لإيران حضورًا خفيًا عبر مؤسسات تعليمية وسياسية وأمنية للتأثير على قرارات هذه الدول الإسلامية، ليتعاظم الدور الشيعي لإيران في أعقاب الغزو الأمريكي لأفغانستان، إلى أن سيطرت طالبان وفرضت النزاع المُسلح في 2006.

ورغم القطيعة التي كانت بين طالبان وإيران، إلا أن طهران تسعى اليوم للتصالح معها بالتعاون مع روسيا وباكستان لتعزيز جبهة طالبان في مواجهة داعش، بغرض استمرار وتعاظم الدور الشيعي الذي بات يسيطر على العديد من مفاصل الدولة.

وعلى المستوى النووي، عززت إيران منذ نجاح ثورتها من قدراتها النووية وباتت مصدر قلق وتهديد للدول الغربية برغم من الاتفاق النووي المُبرم في 2015، الذي بات في مهب الريح بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد العقوبات الاقتصادية على إيران وتهديده إما بتعديل الاتفاق أو انسحاب بلاده منه، وهي تعديلات ترفضها طهران بشكل قاطع.

ويمكن القول، إن مستقبل الاتفاق النووي، سيظل محكومًا بثبات مواقف الدول الأوروبية الرافضة للموقف الأمريكي، وهو ما يقتضي من الولايات المتحدة ضرورة البحث عن أطر أخرى أكثر تقييدًا للنشاط النووي، خاصة بعد انتهاء  فترة تطبيق الاتفاق بين عامي 2025 و2030، بحسب الخبراء.

فإلى جانب التوغلات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط والعالم، يبقى التسليح النووي خطرًا تستخدمه طهران لتهديد الدول الإقليمية، لاسيما مع اختبارها لقدرات صورايخها الباليستية وتأكيد قدراتها على تخصيب اليورانيوم وإنتاج القنابل النووية وذلك تزامنًا مع احتفالها بالذكرى الـ39 للثورة الإيرانية.. التي كانت ولا زالت استراتيجية الردع الإيرانية لإقامة توازن إقليمي وفرض حلولها على المنطقة.


اضف تعليق