معركة غصن الزيتون .. تقاطع الاستراتيجيات بين واشنطن وأنقرة


١١ فبراير ٢٠١٨ - ١١:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

لم يكن أشد المراقبين تفاؤلا ينتظر انفراجا قريبا في العلاقات التركية الأميركية في تراكم الأزمات وتقاطع الاستراتيجيات بين الدولتين.

واقعيا، فإن ما يربطهما من مصالح أكثر بكثير مما يفرقهما، لكن متغيرات شتى لم تتقبل أنقرة التعاطي معها كان اللاعب الأساس فيها هو الولايات المتحدة هي التي فجرت المواقف تباعا بين الطرفين.

ولاشك أن عام 2017 شهد تواترا في التصعيد وتأجيج الخلافات وخروج تقاطع وجهات النظر من أروقة الدبلوماسية إلى العلن.

فمع مطلع ربيع العام الماضي احتجت وزارة الخارجية التركية  لدى الجانب الأميركي على  تقرير حقوق الإنسان لعام 2016 بشأن تركيا، الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، قائلة إنه تضمن "ادعاءات غير مقبولة وصفات غير دقيقة"، وأضاف بيان للوزارة: "إن التقرير لا يذكر على الإطلاق دور منظمة غولن في محاولة الانقلاب 15 يوليو، ووجود قادة المنظمة في الولايات المتحدة".

ثم أصدرت الخارجية التركية بيانا نددت فيه ببيان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بشأن أحداث عام 1915 المتعلقة بجرائم إبادة الأرمن، وقالت الوزارة، في بيانها، "إن معلومات وتوصيفات خاطئة وردت في بيان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول أحداث 1915، وهي ناجمة عن تحريف المعلومات بأساليب الدعاية".

وأضافت: "نعتقد أن المعلومات والتوصيفات الخاطئة في البيان الذي أصدره ترامب اليوم حول أحداث 1915، ناجمة عن تحريف معلومات، قامت به بعض الأوساط الأرمنية الراديكالية على مر السنين بأساليب الدعاية".

ثم تفجرت مشكلة السلوك غير المنضبط لثلة من حراس أردوغان خلال زيارته للولايات المتحدة في شهر مايو بالاشتباك مع متظاهرين أميركان سلميين والاعتداء عليهم.

وعلى الأثر استدعت تركيا السفير الأمريكي فى أنقرة، جون باس، إلى وزارة الخارجية للاحتجاج على إصدار السلطات الأمريكية أمر اعتقال بحق حرس الرئيس رجب طيب أردوغان. ووصفت الوزارة القرار بأنه غير مقبول.

وفي أكتوبر أعلنت سفارة الولايات المتحدة في العاصمة التركية أنقرة تعليق جميع خدمات التأشيرات في مقرها والقنصليات الأميركية في تركيا "باستثناء المهاجرين".

وفي ما تبقى من العام 2017 تفجرت قضية رجل الأعمال التركي -إيراني الأصل- رضا ضراب وقضية تسليح أميركا لفصائل كردية في سوريا وصولا إلى اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.

هذه الوقائع تأسس عليها ما تلا من رد فعل تركي أثبت عمق الخلاف وتقاطع الاستراتيجيات وكانت ذروة ذلك اندفاع الجيش التركي إلى الشمال السوري لمقاتلة المسلحين الأكراد المدعومين أميركيا.

فالولايات المتحدة ترى في دعم أكراد سوريا هدفا استراتيجيا فيما تراه أنقرة عدوانا مباشرا عليها.

ولهذا تواترت تصريحات أردوغان في هذا الشأن ومنها قوله:

"إن تركيا شرحت للأمريكان أكثر من مرة موقفها من الإرهاب، ولطالما وافقونا بحضورنا وقالوا غير ذلك في ظهورنا". وأضاف أردوغان: نقول لأمريكا إن الاتحاد الديمقراطي إرهابي، وواشنطن ترفض ذلك، وأنا قلت لأمريكا أكثر من مرة هل أنتم معنا أم مع التنظيم الإرهابي؟".

بل إن أردوغان ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك قائلا: إن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية بحر الدماء في سوريا بسبب ما وصفه بجهلها بالمخاطر التي تمثلها الجماعات الأخرى، وليس فقط تنظيم داعش، في المنطقة.

وقال إنها لم تف بوعودها التي قطعتها بشأن المليشيات الكردية، مشيرًا إلى أنه "من الضروري تطهير منطقة عفرين من وحدات حماية الشعب الكردي".

وقال أردوغان -في كلمة أمام رؤساء الأقاليم بحزب العدالة والتنمية في العاصمة أنقرة- "لن نسقط في الفخ نفسه بمدينة عفرين، والولايات المتحدة تمتلك حاليا 14 قاعدة عسكرية في سوريا، وبدلا من الوفاء بوعودها وبدلا من القضاء على المنظمات الإرهابية قامت بالتعاون معها".

ووجه "أردوغان" الانتقاد إلى الإدارة الأمريكية خلال فترة "أوباما و ترامب" وقال: "أوباما لم يلتزم عدة مرات بوعوده لنا حول تنظيم سوريا الديموقراطية، والإدارة التي جاءت بعده قالت: نحن لا نتعاون مع التنظيم بل مع اسمه الجديد قوات سوريا الديمقراطية وأرسلت 3500 شاحنة مساعدات عسكرية من العراق إلى شمال سوريا".

وتأكيدا للنقاط الخلافية ذهب اردوغان إلى أن الولايات المتحدة لديها حسابات ضد تركيا في سورية، مشيرا إلى تحالف واشنطن مع المسلحين الذين يقودهم الأكراد ويقاتلون تنظيم داعش الإرهابي.

وأكد أردوغان مجددا معارضته المعلنة منذ فترة طويلة لتسليح وحدات حماية الشعب، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة على الأرض.

وذكر أردوغان لأعضاء بحزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان في أنقرة "إذا قلت إني أرسلهم لمحاربة داعش، فلا يمكن أن نصدق ذلك".

وتابع " فعندئذ ، يكون لديك حسابات ضد تركيا".

كما أصر أردوغان على أن تقوم الولايات المتحدة بإخلاء مدينة منبج، شرق مدينة حلب، التي استولت عليها القوات الكردية من تنظيم داعش الإرهابي. وتحتفظ الولايات المتحدة بوجود في المدينة حيث تعيد إعمارها.

وقد ذكرت الولايات المتحدة مرارا أنها لا تعتزم مغادرة منبج، ولكنها ما زالت في محادثات مع أنقرة.

وقال أردوغان: "الولايات المتحدة تطلب منا ألا نأتي إلى منبج.. سنأتي إلى منبج لإعادتها إلى أصحابها الأصليين".

هذه الأسباب مجتمعة والتي تراكمت من دون حل يرضي الطرفين هي التي أوصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة، أميركا يتواجد مئات من جيشها في منبج فيما الجيش التركي يهدف إلى تحرير عفرين ثم الانتقال إلى منبج.

كل ذلك جعل القوة المسلحة للطرفين وجها لوجه، ويجعل في الوقت نفسه استراتيجيات الدولتين في نقطة تقاطع تامة ليست عملية غصن الزيتون وما سيتبعها من تطورات إلا إحدى مظاهرها وعلاماتها البارزة.


المصدر: أحوال تركية


اضف تعليق