هل يصبح غاز المتوسط عنوانًا لحرب قادمة؟


١١ فبراير ٢٠١٨ - ٠٥:٥٥ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

في خطوة استفزازية، اعترضت قطع بحرية تركية، طريق سفينة تابعة لشركة "إيني" الإيطالية لاستكشاف الغاز في البحر المتوسط.

وتعد خطوة عرقلة سفينة الحفر أحدث حلقات المزاعم المتداخلة والتوتر المستمر منذ عقود بين تركيا وقبرص في شرق البحر المتوسط الذي زاد التركيز عليه في أعقاب بعض من أكبر اكتشافات الغاز في العالم خلال العقد المنصرم.

اكتشاف واعد بالمياه القبرصية

في 8 فبراير الجاري، أعلنت شركة "إيني" الإيطالية أنها اكتشفت مع توتال الفرنسية حقلًا واعدًا للغاز الطبيعي قبالة قبرص واصفةً الكشف بأنه يشبه من الناحية الجيولوجية حقل ظُهر العملاق قبالة سواحل مصر.

وقالت "إيني" في بيان "كاليبسو 1 اكتشاف غاز واعد ويؤكد امتداد المساحة "المماثلة لظُهر" داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص".

وإيني هي الشركة المشغلة للرقعة البحرية بنسبة مساهمة تبلغ 50% وتشاركها توتال بالـ 50% الباقية.

ويقع كاليبسو في المياه القبرصية على مبعدة حوالي 80 كيلومترًا، ويعتبر تطورًا إيجابيًا على نحو خاص لأنه ثاني كشف كبير في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص وهو ما يزيد احتياطيات قبرص من الغاز الطبيعي. وهناك كشف سابق يحوي نحو خمسة تريليونات قدم مكعبة في 2011.

وحتى وقتنا هذا مازالت قبرص القابعة على الحافة البحرية لكشفين عملاقين للغاز في حوض الشام-لوثيان قبالة إسرائيل وظُهر قبالة مصر- تعتمد على زيت الوقود الثقيل والعالي التكلفة لتشغيل محطاتها للكهرباء وهي ترغب بشدة في محاكاة نجاحات جاريها.

لكنها تقع أيضا في منطقة صراعات ومخاطر جيوسياسية متداخلة، فجزيرة قبرص نفسها مقسمة وتقول تركيا التي تدعم كيانًا انفصاليًا للقبارصة الأتراك في شمال الجزيرة إن القبارصة اليونانيين ليس لهم الحق في التنقيب عن الغاز الطبيعي. ويقول القبارصة اليونانيون بدورهم إنه حق سيادي لهم.

يدير القبارصة اليونانيون حكومة قبرص المعترف بها دوليا ولديهم اتفاقات بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة مع مصر وإسرائيل ولبنان.

وتقول تركيا إن بعض تلك الحدود يقع داخل رصيفها القاري، حيث يشمل أجزاء من الرقعة 6 التي يقع كاليبسو على حافتها.

عرقلة سفينة حفر

منع الجيش التركي منصة حفر تعاقدت عليها شركة "إيني" الإيطالية من الاقتراب من منطقة للتنقيب عن الغاز الطبيعي مما يسلط الضوء على اضطرابات حول الثروات البحرية في شرق البحر المتوسط.

وحذر العسكريون الأتراك طاقم السفينة من مواصلة الرحلة، بمزاعم أن المنطقة ستشهد مناورات عسكرية، وأجبروا السفينة على قطع رحلتها، ولا يزال طاقمها في انتظار تعليمات من إدارة الشركة في روما.

وحصلت "سايبم 12000" على تصريح للحفر في منطقة كاليبسو التي تبعد أقل من 100 كيلومتر عن حقل ظهر العملاق قبالة الساحل المصري. وكانت السفينة في طريقها لموقع بحري يعرف باسم (بلوك 3) حيث كان من المقرر أن تبدأ العمل.

وتعارض أنقرة أعمال التنقيب القبرصية في الحقل الثالث وتقول إنها "تنتهك حقوق القبارصة الأتراك في الموارد".

تصعيد تركي

لم يكن الوقوف في وجه شركة "إيني" الإيطالية وليد اللحظة، حيث منع الجانب التركي الشركة من قبل وتحديدًا في يوليو من العام الماضي، بعد أن بدأت شركتا "إيني" و"توتال" الحفر، وصمم الجانب التركي على عدم إمكانية تحرك الإدارة القبرصية اليونانية من جانب واحد لاستغلال الموارد، ونشر سفينة عسكرية بالمنطقة، في نوفمبر من العام نفسه.

كما تدخلت تركيا في ترسيم الحدود بين مصر وقبرص، وذلك بعد إعلان مولود جاويش أوغلو وزير خارجية تركيا، أن بلاده غير ملتزمة باتفاقية ترسيم الحدود البحرية الذي وقعتها مصر وقبرص عام 2013، وأن الاتفاقية المبرمة لا تحمل أي صفة قانونية، وأن بلاده تسعى للتنقيب عن البترول والغاز في هذه المنطقة.

سيطرة مصر على غاز البحر المتوسط، بات يهدد تركيا من الإنعزال عن ثروات العالم، في الوقت الذي تسعى فيه للتعبير عن نفسها لملء الفراغ الأمريكي في الشرق الأوسط، وهي لا تستطيع الحديث مع اليونان وقبرص، وتركيا لا تعتبر أن قبرص دولة بل جزيرة، وهذا مخالف للقانون الدولي.

كما تخشى تركيا من تحول مصر لدولة صناعية كبرى، وهو ما لا يروق لها خاصة وأن أنقرة لها موقف عدائي مع مصر منذ ثورة 30 يونيو.

تحذير مصري

مصر يحق لها الاستفادة من اكتشافات الغاز الطبيعي المتوفر باحتياطيات ضخمة في شرق البحر المتوسط والتى يمكن أن تدر عليها نحو 20 مليار دولار سنويًا، وهو ما دفعها للتحرك مبكرًا وتوقيع اتفاقية ترسيم حدودها البحرية مع قبرص عام 2013 والتى بموجبها تقاسمت مع قبرص المنطقة الخاصة بالغاز الطبيعي لمواجهة الأطماع التركية.

ويقدر احتياطي الغاز في شرق المتوسط بنحو 250 تريليون متر مكعب، و345 تريليون متر مكعب احتياطي غير مؤكد، معظمها في مياه مصر الإقليمي.

ونجحت شركة "إيني" الإيطالية في اكتشاف حقل "ظهر" بمنطقة امتياز شرق البحر المتوسط، والذي يغطي نحو 100 كيلو من مساحة الامتياز.

وأطلقت مصر و"إيني" إشارة بدء الإنتاج المبكر للغاز في ديسمبر 2017 بمتوسط إنتاج 350 مليون قدم مكعب، يتزايد تدريجيًا ليصل إلى 1.2 مليار قدم مكعب يوميًا قبل نهاية النصف الأول من العام 2018.

وبدورها، ردت وزارة الخارجية على المزاعم التركية حول المنطقة الاقتصادية بشرق المتوسط، بأن أى محاولة للمساس بالسيادة المصرية مرفوضة وسيتم التصدى لها، مؤكدة أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص لا يمكن لأى طرف أن ينازع فى قانونيتها.

وأكد المستشار أحمد أبو زيد المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية على أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص لا يمكن لأى طرف أن ينازع فى قانونيتها، حيث إنها تتسق و قواعد القانون الدولى وتم إيداعها كاتفاقية دولية فى الأمم المتحدة.

وحذر أبو زيد من أى محاولة للمساس أو الانتقاص من حقوق مصر السيادية فى تلك المنطقة، وأنها تعتبر مرفوضة وسيتم التصدى لها.


وتخشى تركيا من سيطرة مصر وقبرص على التصدير، حيث شجعت نجاحات القاهرة فى اكتشاف حقل ظُهر وبدء الإنتاج منه قبل نهاية 2017 وزارة البترول المصرية على التفاوض مع الشركات العاملة بحقول غاز شرق المتوسط لربط الحقول المنتجة بمصانع الإسالة فى إدكو ودمياط، وأيضًا شجعت دول شرق البحر المتوسط التى أعلنت عن اكتشافات غازية على ضرورة الإنفاق على مشروعاتها والإنتاج بشكل أكبر منها لتحقيق عائدات اقتصادية مجزية لها من وراء هذاه الاكتشافات.


اضف تعليق