انهيار الجنيه السوداني.. واقع يزيد الأزمات الاقتصادية تفاقمًا


١٢ فبراير ٢٠١٨ - ٠٤:٢٣ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

تسبب هبوط الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية في أزمة اقتصادية حادة، عانت معها المصارف في توفير السيولة اللازمة للعملاء، فضلًا عن ارتفاع الأسعار.

ورغم عدم وفرة النقد الأجنبي، يستورد السودان ثلاثة أرباع احتياجاته، بكلفة تصل إلى ستة مليارات دولار، مما يزيد الأزمات الاقتصادية تفاقمًا.

أزمة اقتصادية طاحنة

أزمة طاحنة يقبع فيها الاقتصاد السوداني منذ انفصال جنوب السودان عام 2011 آخذًا معه 75% من إنتاج النفط الذي كان حجمه 470 ألف برميل يوميًا.

وإثر الانفصال، اتخذت الحكومة السودانية إجراءات تقشفية شملت رفع الدعم عن المنتجات النفطية في سبتمبر 2013 أدت إلى تظاهرات كانت من أسوأ الاضطرابات منذ تولي الرئيس عمر البشير الحكم في العام 1989 وتسببت في مقتل زهاء 200 شخص وفقا لمنظمات حقوقية بينما تشدد الحكومة على أن عدد القتلى لم يتجاوز 100 شخص.

ومنذ يناير 2017 يشهد السودان احتجاجات ضد الحكومة جراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

رفع الدعم

ظلت الحكومة تبحث عن تحقيق ما تسميه بالتوازن الاقتصادي منذ العام 2009 عبر رفع الدعم عن السلع الأساسية وتخفيض قيمة الجنيه، ولم تجني إلا مزيد من الاختلالات والتشوهات الاقتصادية، إلي أن بلغت أقصاها بموازنة العام 2018، التي كانت الفتيل الذي أشعل نار التضخم وانهيار القوة الشرائية للعملة السودانية، وتآكل الدخول بشكل وضع البلاد علي فوهة بركان يغلي.

وكانت مؤشرات واتجاهات الموازنة سلبية، حيث تم رفع سعر صرف الدولار الجمركي من 6.9 جنيه إلي 18 جنيهًا، أي بنسبة حوالي 260% دفعة واحدة، الأمر الذي تسبب حدوث قفزات متتالية في الأسعار.

هذه الموازنة كانت الأولي التي ترفع معدلات التضخم خلال يناير الماضي إلي 128% مقارنة بالفترة نفسها من 2017، وهي الأولي التي تجعل سعر رغيف الخبز بجنيه سوداني، مما رفع مؤشر الجوع، ولون خارطة السودان في مؤشر الغذاء العالمي باللون الأحمر المعبر عن الوضع الحرج.

انهيار الجنيه.. وتعويم تدريجي

لا صوت يعلو هذه الايام في الأوساط الاقتصادية السودانية فوق السقوط المريع للجنيه أمام الدولار الأمريكي. أزمة انتجتها وراكمتها وفاقمت من آثارها السياسات المالية والنقدية للحكومة.

 فيما يتعلق بالسياسة النقدية لا يوجد نهجا واضحا مستقرا، وأصبحت خاضعة لتوجيهات السلطة التنفيذية حسب مقتضيات الحال الاقتصادي، الأمر الذي استدعي عقد اجتماعات متلاحقة لوضع معالجات طارئة للسيطرة علي اندفاع الاقتصاد نحو الانهيار التام والفوضي.

وفي محاولة منه لتقليص الفجوة الكبيرة بين سعر صرف الجنيه مقابل الدولار في السوقين الرسمي والموازي، خفض البنك المركزي في السودان قيمة سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار مرتين متتاليتين خلال 19 يومًا.

في 20 يناير الماضي، قام المركزي السوداني بتخفيض قيمة الجنيه في السوق الرسمي، وتحديد سعر استرشادي مقابل الدولار 18 جنيها بدلًا من 8.5 جنيهات، وفي 5 فبراير الجاري أجرى المركزي التخفيض الثاني للجنيه منذ بدء العمل بالموازنة الجديدة، وحدد سعرا استرشاديا للدولار بـ30 جنيها، على أن يكون الحد الأدنى لنطاق التداول 28.5 جنيهًا والحد الأقصى 31.5 جنيهًا، (بمعدل نطاق 5% كحد أدنى و5% كحد أقصى للسعر الاسترشادي الذي أقره البنك).

خطوة تحمل في طياتها تجفيف السيولة، فالمصارف أصبحت لا تفي بطلب السحب من الودائع مما تسبب في أزمة سيولة حادة، بل حتي الصرافات الآلية باتت خاوية وتوقفت في غالبيتها العظمي عن العمل.

هذا الوضع إذا استمر فسيصيب السوق بالكساد التام لتقلص الاستهلاك، وإذا تم السماح بالسحب من الودائع ستخرج السيولة من الجهاز المصرفي وتتجه نحو الدولار أو أي أصل يحافظ علي قيمتها، وفي الحالتين ستتفاقم الأوضاع.

استقطاب قروض وودائع مصرفية

تسعى حكومة الخرطوم، من خلال اتصالات تجريها، لاستقطاب قروض وودائع مصرفية؛ لوقف انفلات الدولار الأمريكي أمام الجنيه السوداني.

وقال وزير الدولة بوزارة المالية والاقتصاد الوطني عبد الرحمن ضرار، إنه تم تشكيل لجنة رئاسية لتقليص البعثات الدبلوماسية لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتدهور سعر الصرف.

وأشار إلى أن هناك اتصالات رئاسية لاستقطاب قروض سلعية لاستيراد القمح والمواد البترولية، متوقعا أن تصل خلال شهر فبراير الجاري، لافتا إلى تحركات مماثلة للحصول على ودائع مصرفية من دول صديقة للسيطرة على انفلات الدولار مقابل الجنيه.

وأعلن ضرار أن السودان اشترطت على صندوق النقد الدولي تمويلها بـ10 مليارات دولار لتنفيذ توصيته الخاصة بتحرير سعر الصرف "تعويم الجنيه".

وأقر الوزير بطباعة عملات خلال الفترة الماضية لتغطية عجز تمويل المنتجات البترولية، وقال إن الاقتصاد يواجه مشكلة الانفلات غير العادي في الدولار التي عزاها إلى عوامل نفسية وتوقعات وشائعات ومضاربات بالسوق السوداء.


الإجراءات والقرارات الأخيرة التي أعلنتها الحكومة لن تحل الأزمة التي استفحلت، ولن تعيد العافية للجنيه، لأن أغلبها جرب وفشل، كما أنها سببت صدمة في الاقتصاد اتسمت بارتفاع حاد في الأسعار كما هو متوقع، وتدهور غير مسبوق في سعر الصرف.. الأمر يتطلب تنويع الاقتصاد.


اضف تعليق