الحب.. عيد عند الغرب وحياة لدى العرب


١٤ فبراير ٢٠١٨ - ٠٣:١٥ م بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

إنه يقترب.. الأرض تتعطر وتتزين، تفرش له الطريق قلوبًا حمراء، يتسقبله السعيد بابتسامة اشتياق، بينما يمر على الخليّ سوطا يضرب فراغ قلبه الوحيد.

عيد للحب أصبح عادة، نختصره -تجنيا- في قلوب ودُمى حمراء، ربما عطرا ثمينا يوضع في علبة حمراء أيضا، أو رسالة على موبايل تقتبس كلماتها من بيت شهير تحدث عن الحب، صار الحب مكررا، وفصول العشاق تشبه مواسم عشاق آخرين، نتفانى في تقليد الرومانسية، واقتباس الحب من أفلام السينما وصفحات الروايات، نستورده عيدا من الغرب وننسى أن العرب هم أول من عرِف الحب العُذري، وأول من علم الإنسانية كلها معنى كلمة الفروسية والشهامة، وأن الشرف هو أن يحب الإنسان حتى الموت أن يحب بلا مقابل، وأن المقابل الوحيد للحب هو الحب، لذلك إذا كان الحب عيدا عند الغرب فإنه حياة عند العرب.
   
والدليل على ذلك أن أجدادنا دللوا الحب واعتنوا به بل وقسموه إلى درجات متفاوتة تعبر عن كل درجة كلمة إذا ما استخدمت عرف السامعين في أي درجة من الحب يقيم قلب المتكلم.

مراتب الحب


ودرجات الحب أربع عشرة درجة هي:

الأولى.. الهوى: وهو ميل النفس إِلى الشهوة.

الثانية.. الصّبوة: وهي اللهو في الحب والغزل بين المحبوبين، وجهلة الفتوة.

الثالثة.. الشغف: ويُشتق الشغف من الشغافة، وتعني كلمة الشغافة شغاف القلب، أي غشاؤه، أن أن الحب لامس غشاء القلب ودخل من خلاله.

الرابعة.. الوَجد: ويعني دوام التفكير في المحبوب، وانشغال النفس به، والحزن لفراقه.

الخامسة.. الكَلَف: وهو شدة الولع بالمحبوب، وانشغال القلب به وتعبه ومشقته في التفكير.

السادسة.. العشق: ويعني فرط الحب، وكثرته، وعُجْب المحب، وهو حب مختلط بالشهوة.

السابعة.. النجوى:  وتعني شدة الوجد، والحب المختلط بالحزن ومناجاة القلب لطيف المحبوب.

الثامنة..  الشوق: هو نزوع النفس إلى المحبوب، وشدة تعلقها به.

التاسع.. الوصَب: وهو شدة الألم الذي يأتي بسبب الحب، ويشير إلى الوجع والمرض بسبب الحب والمحبوب.

العاشرة.. الاستكانة: وهي الوصول لمرحلة الذل والخضوع في الحب.

الحادية عشر.. الود: ويعني الحب الخالص اللطيف الرقيق.

الثانية عشر.. الخُلّة: وتعني توحيد المحبة، ووضع المحبوب في مكانةٍ لا يحتمل فيها المشاركة على الإطلاق.

الثالثة عشر.. الغرام: هو المرتبة الثالثة عشرة في الحب، ويعني التعلق بالشيء تعلقاً شديداً لا يمكن التخلص منه.

الرابعة عشر.. الُهُيام: هو أعلى درجات الحب وأعظمها، ويعني الوصول لمرحلة الجنون الخالص في الحب، لكثرته.

طوق ابن حزم


ويعتبر ابن حزم الفقيه الأندلسي أول فيلسوف مسلم يتحدث عن الحب، ويعد كتابه "طوق الحمامة" من أروع ما خُط من أدب العصر الوسيط في دراسة الحب، فقد حلل الظاهرة بأبعادها الإنسانية الواسعة، وجمع بين الفكرة بمفهومها الفلسفي وبين الواقع التاريخي، واتسم كتابه بجرأة الطرح فجاء صريحاً ومتحرراً من الخوف والتزمت، ودعم أفكاره بحكايات سمعها أو عاشها واختار لها العديد من أشعاره المناسبة.

يقول في مقدمة كتابه: "اعلم -أعزك الله- أن للحب حكما على النفوس ماضيا، وسلطانا قاضيا، وأمرا لا يخالف..، وعندما نتحدث عن الحب فنحن لا نتحدث عن فعل يملك المرء أسباب تصريفه، بل نتحدث عن داء عياء لا مدخل للإرادة فيه، والحب بطبيعته على مشتهاة لا يود سليمها البرء، وليس ثمة آفة أعظم من الحب."

وإذا تجولنا بين العصور المختلفة سنجد ما يدهشنا من تنوع ثري في تراثنا العربي من قصص حب حقيقية لكنها في أحداثها ومجرياتها أشبه بالحكايات الخرافية بدءا من العصر الجاهلي مروراً بصفحات من الشعر الأموي والعباسي، ومع الشعراء العذريين مثل مجنون ليلى وجميل بثينة وكثير عزة وغيرهم.

ويقدم لنا الشعر العربي مذاقات مختلفة لوجوه عدة من وجوه الحب، كما يكشف عن جوهر الإنسان والشاعر العربي في نظرته للحياة والوجود من خلال المرأة.

عنتر وعبلة


ومن أجمل هذه القصص وأكثرها شهرة قصة الشاعر والفارس عنترة العبسي، الذي وقع في حب ابنة عمه عبلة بنت مالك وبلغ الحب بعنترة وعبلة مبلغه فصارا عاشقين، القصة أشبه بالملحمة لكن لون بشرته السوداء ونسبه وقفا  في طريقه، ليواجه المستحيل في مغامرات أشبه بألف ليلة وليلة.

وله بيتين من أعذب ما كتب شعر عن الحب يتذكر فيه قيس وجه عبلة وسط الحرب وأراد تقبيل سيوفا تريد به الموت لأنها ذكرته بفم الحبيبة المبتسم.

    ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ نواهِلٌ منّي وبِيضُ الهندِ تقطُرُ من دمي
    فوددتُ تقبيل السيوفِ لأَنها لمعت كبارقِ ثغرِكِ المُتبسم

ويحدثنا فتى قريش المدلل عمر بن أبي ربيعة في واحدة من أشهر قصائده والتي قالها في محبوبته "نعم"، عن قسوة المحبوبة التي كما بعدها غربة ووجع فقربها غربة أكبر ووجع أمر:

    تهـيمُ إِلــى نُـعـمٍ فـلا الـشملُ جـامِعٌ / ولا الحبلُ موصولٌ ولا القلبُ مُقصرُ
    ولا قُـــربُ نُــــعــــمٍ إِن دنــت / ولا نـأيُـهـا يُـسـلـي ولا أَنــتَ تَـصـبِرُ

قيس وليلى


وإذا كانت "روميو وجولييت" درة الأدب الغربي في معالجته للحب فإن «قيس وليلى» تفوقها سموا وعذرية وهي قصة حقيقية بألمها ووجعها ضرب فيها قيس بن الملوح أشهر العاشقين وأحد أعلام الحب العذري، أصدق المثل للعشق الصادق الذي صرع صاحبه، يقول قيس في قصيدته "المؤنسة" عن طيف المحبوبة الذي بات مؤنسا لوحدته في غيابها:

    تـذكّـرتُ لَـيـلى والـسـنين الـخَواليا/ وأَيـامَ لا نـخشى عـلى الـلهوِ ناهِيا
    بِـثمدينِ لاحـت نـارَ لـيلى وصحبتي/ بذات الغضا تزجي المَطِيَّ النَواجِيا
    فـقـالَ بصيرُ الـقومِ أَلـمحتُ كـوكباً/ بـدا فــي سـوادِ الـليلِ فـرداً يمانِيا
    فـقُـلتُ لَــه بَــل نــارَ لَـيـلى تـوَقَّدَت/ بِـعَـليا تَـسـامى ضَـوؤُهـا فَـبَـدالِـيا

قيس ولبنى


وفي نفس الوقت الذي شهدت نجد فيه مأساة مجنون ليلى شهد الحجاز مأساة أخرى من مآسي الحب العذري بطلها قيس أخر هو قيس بن ذريح وصاحبته لبنى.

كان قيس ابن أحد أثرياء البادية، وذات يوم حار كان قيس في إحدى زياراته لأخواله الخزاعيين وهو يسير في الصحراء شعر بالعطش الشديد، فاقترب من إحدى الخيام طالبا ماء للشرب، فخرجت له فتاة طويلة القامة رائعة الجمال ذات حديث حلو هي لبنى بنت الحباب، استسقاها فسقته، فأحبها ثم تردد عليها وشكا لها حبه فأحبته، وتحقق لقيس أمله وتزوج من لبناه، وظل الزوجان معا،لعدة سنوات دون أن ينجبا، ودون تردد أشاعت الأسرة أن لبنى عاقر، وخشي أبواه أن يصير مالهما إلى غير ابنهما ، فأرادا له أن يتزوج غيرها لعلها تنجب له  لكن قيسا رفض أن يطلق زوجه أو يتزوج عليها.
يقول:
      يقرّ بعيني قربُها ويزيدني بها كلفاً من كان عِنْدي يَعْيبُها
      وكم قائلٍ قد قال تُب فعصيتُه وتلك لَعَمْري توبة لا أتوبُها

لكن تأزمت المشكلة، واجتمع على قيس قومه يلومونه ويحذرونه غضب الله في الوالدين حتى اضطر اضطرارا لأن يطلق لبنى برا بوالده الذي أقسم ألا يظله بيت حتى يطلقها.

وتزوج قيس كارها زواجاً لا سعادة فيه، وبلغ الخبر لبنى فتزوجت هي أيضاً زواجا لا سعادة فيه. واختلف الرواة حولها، فمن قائل إن زوجها طلقها فأعادها قيس إلى عصمته ولم تزل معه حتى ماتا، ومن قائل إنهما ماتا على افتراقهما.

جميل بثينة


وتبرز لنا أرق نماذج الحب العذري من خلال "جميل بثينة" الذي نتعرف في شعره على أرقى وأصفى وأصدق الحب، ونلمس في أبياته ما يلاقيه المحب المتيم من تباريح الغرام.

    أَلا لــيــتَ ريــعـان الـشـبـابِ جــديـدُ/ ودهــــراً تَــوَلّــى يـــا بُـثَـيـنَ يــعـودُ
    فـنـبـقـى كــمـا كُــنـا نَــكـونُ وأَنــتُـمُ/ قـــريــبٌ وإِذ مــــا تبـذُلـيـنَ زهــيــدُ 
   خـلـيلَيَّ مــا أَلـقى مـن الـوَجدِ بـاطنٌ/ ودَمـعـي بـمـا أُخـفـي الـغـداةَ شـهـيدُ

العباس بن الأحنف


ونرى الشاعر العباس بن الأحنف يسهو عن كل أغراض الشعر التقليدية المألوفة في الشعر العربي القديم، فلا يمدح ولا يهجو، ولا يرثي ولا يفخر، بل نجده شاعرا عاشقا فحسب، يغلب عشقه لغته ويغالبها، وإذا كان عشقه لمحبوبته ذنبا فهو يرجوها ألا تغفره.

    أَمــيـرتـي لا تـغـفِـري ذنــبــي/ فَـإِنَّ ذنــبــي شِــــدَةُ الــحُـبِّ
    يــا لـيـتني كُـنـتُ أَنــا الـمُبتلى/ مــنــكِ بــأَدنــى ذلِـــكَ الــذَنـبِ
    حــدّثـتُ قـلـبـي كــاذبـاً عـنـكـمُ/ حتى اسـتحت عينيَ من قَلبي
    إِن كـانَ يُـرضيكُم عذابي وأَن أَمـــوتَ بِالـحـسرَةِ والــكـربِ
    فالـسَمعُ والـطاعةُ مـنّي لـكُم حَسبي بِما تَرضَونَ لي حسبي

وليست هذه أخر الحكايات فمازال تراثنا حافلا بالحب، وكل قصة لا تكرر أختها فهي عصر من الحب بذاتها، كان العشق فيها دينا ومذهبا يؤخذ مأخذ الجد كالحرب والتجارة والمُلك، يقول عميد الأدب العربي طه حسين في مقال "في الحب" بمجلة "الكاتب المصري" عام 1946: 
 
"في تاريخنا الأدبي والعقلي لم يكن الحب هزلا ولا دعابة وإنما جدا خالصا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من الأحيان، وكان القدماء أسمح منا نفوسا وأحسن منا استقبالا لأمور الحياة يعنفون أنفسهم في مواطن العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمت الذي لا يدل على شي.."
 


اضف تعليق