رسالة "طالبان".. دعوة لحوار "الطرشان"


١٥ فبراير ٢٠١٨ - ١٠:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

في تطور لافت وجهت حركة طالبان الأفغانية أخيرًا، رسالة للشعب الأمريكي تعبر فيها عن رغبتها في إنهاء الحرب الدائرة في أفغانستان منذ 17 عامًا عبر الحوار السلمي، وتدعوه إلى رفض سياسيات الرئيس دونالد ترامب ومستشاريه من دعاة الحرب.

ونشر المتحدث الرسمي للحركة ذبيح الله مجاهد نسخا من هذه الرسالة بعدة لغات مساء الأربعاء، مفصلا مكاسب الحركة وإخفاقات الغزو الأمريكي غير القانوني، وتؤكد الرسالة أنه ليس من واجب الولايات المتحدة صياغة قوانين واقتراح أنظمة لبلدان أخرى وأن حرب أفغانستان فقدت خلال الأعوام الأخيرة الزخم والدعم الدولي الذي رافق بداياتها عام 2001، وينبغي أن تصل إلى نتيجة تفاوضية.

تقول الرسالة: أيها الشعب الأمريكي تدعون أنكم دولة متقدمة ومتحضرة!، وبما أن الحكومة المفروضة في أفغانستان كانت من صنعكم، فإننا نترك الأمر لحكمكم -وفقا لمنطقكم وضميركم- لتقرير ما إذا كان النظام الحالي والتغييرات ذات الصلة وانعدام الأمن والفوضى والزيادة في المخدرات بنسبة 87% هي إصلاحات أم جرائم ضد الإنسانية؟.. وتزعم سلطاتكم أن عشرات المليارات من الدولارات قد أنفقت على مشروعات إعادة إعمار مختلفة في أفغانستان.. وبالطبع هذه هي نفس الأموال التي تجمع منكم كضرائب وعائدات، ولكنها كانت توزع هنا بين اللصوص والقتلة.

وأضافت بغض النظر عن التبرير الذي تقدمه سلطاتكم غير الفطنة للحرب في أفغانستان، فالواقع هو أن عشرات الآلاف من الأفغان الضعفاء، بمن فيهم النساء والأطفال، استشهدوا بأيدي قواتكم وأصيب مئات الآلاف وسجن آلاف آخرون في جوانتانامو وسجون بجرام السرية.. لذا على واشنطن إنهاء الاحتلال والقبول بحق طالبان في تشكيل حكومة تتوافق مع معتقدات شعبنا الأفغاني.

وتختم الحركة رسالتها بالقول: لم يفت الأوان لكي يدرك الشعب الأمريكي أن الإمارة -بصفتها ممثلة لشعبها- يمكنها أن تحل مشاكلها مع كل الأطراف من خلال أسلوب سياسي وحواري سليم، لكن طالبان حذرت من اعتبار هذه الرسالة علامة على ضعفها أو استسلامها، مؤكدة استمرار القتال ضد القوات الأمريكية.

دعوة غير مقبولة

في أول رد فعل على هذه الرسالة، قال متحدث باسم مهمة عسكرية يقودها حلف شمال الأطلسي في أفغانستان: إن هجمات طالبان على المدنيين لا تظهر أي استعداد لخوض مفاوضات سلام حقيقية، مضيفا أن الحكومة الأفغانية أعلنت بوضوح في مناسبات عدة استعدادها لبدء عملية سلام.

من جانبها قالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان صدر اليوم الخميس، سنعرف أن طالبان جادة في الحوار السلمي عندما تكون مستعدة للجلوس على طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية المنتخبة وإنهاء هجماتها العنيفة، فبيان الحركة وحده لا يظهر الاستعداد للمشاركة في محادثات السلام.

 وأضافت أن الهجمات الإرهابية المروعة الأخيرة التي قامت بها طالبان في كابول تتحدث بصوت أعلى من كلمات هذا البيان.

كانت الحركة نفذت هجوما كبيرا على فندق بوسط كابول في الـ27 من يناير الماضي، أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصا، وبعد نحو أسبوع من هذا الهجوم نفذت تفجير آخر في الحي الدبلوماسي، أسفر عن سقوط أكثر من 100 قتيل.

وحتى اللحظة لم يغرد ترامب ليعلق على بيان الحركة، لكنه قال في يناير الماضي: نحن لا نريد التفاوض مع "طالبان"، نحن نعتزم إنجاز ما ينبغي علينا إنجازه، في إشارة إلى استمرار المواجهة.

في كابول المشهد لا زال ساكنا، ولم يصدر بيانا رسميا عن الحكومة، إلا أن الرئيس الأفغاني أشرف عبد الغني كان قد أكد مطلع الشهر الجاري إمكانية إجراء محادثات مع المتشددين الذين يقبلون بالسلام، وأن أبواب السلام والمصالحة ستظل مفتوحة.
واستطرد بالنسبة لهؤلاء المسؤولين عن أعمال العنف ولا يرغبون في السلام فإن باب السلام مغلق أمامهم.

حوار "طرشان"

الشيطان دائما يكمن في التفاصيل، هذه ليست الرسالة الأولى التي تعبر فيها طالبان عن رغبتها في إنهاء الصراع مع واشنطن عبر المفاوضات السلمية، لكن حوار بين طالبان وأمريكا- ترامب لابد أنه سيكون حوار "طرشان"، ليس فقد لكون ترامب رجلا يفتقد للحس الدبلوماسي والخبرة السياسية، لكن أيضا لأن الحركة تطلب المستحيل، فهي تطالب بإنهاء الوجود الأمريكي والإطاحة بالحكومة الأفغانية الحالية والسماح لها بالسيطرة على مفاصل الحكم، كل ذلك في الوقت الذي تخطط فيه واشنطن إلى زيادة وجودها العسكري في أفغانستان ضمن استراتيجية الحرب الجديدة.

الواقع أن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان يكلف واشنطن نحو 50 مليار دولار سنويًا، لكن واشنطن لن تنسحب من كابول لتتركها فريسه سهلة ليس لـ"طالبان" كما يعتقد الكثيرون، فالأمر أكبر من ذلك أنه صراع نفوذ بين  أمريكا وروسيا والصين، ودلالة ذلك اعترافات نشرتها صحيفة "التايمز" لقادة من "طالبان" ومسوؤلين حكوميين بأن المخابرات الروسية تقوم بتمويل عمليات عسكرية للحركة ضد قوات "الناتو" بالبلاد من خلال برنامج سري لغسل مبيعات نفطية.

من المفارقات هنا أن رسالة "طالبان" تتزامن مع ذكرى الانسحاب السوفيتي في 15 فبراير 1989، بناء على اتفاق أمريكي سوفيتي يقضي بمغادرة الجيش السوفيتي للأراضي الأفغانية مقابل وقف تمويل السلاح للأفغان من قبل باكستان والحكومة الأمريكية.
وفي أعقاب هذا الانسحاب دخلت أفغانستان إلى موجة من الاضطرابات السياسية أنتهت في التسعينيات من القرن الماضي مع وصول حركة "طالبان" إلى الحكم، إلا أنها تحولت إلى حركة منبوذة مع حلول العام 2000، ومن ثم بدأت واشنطن حربها في أفغانستان عام 2001 تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

ومن المفارقات أيضا أن رسالة الحركة تزامنت مع إعلان بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان اليوم، عن تقريرها السنوي، والذي يفيد بسقوط حوالي 2300 مدني بين قتيل وجريح في عمليات انتحارية وهجمات في أفغانستان خلال 2017، في أعلى حصيلة تسجلها الأمم المتحدة حتى الآن في هذا البلد.





اضف تعليق