داغستان .. خزان الجهاديين في القوقاز


١٩ فبراير ٢٠١٨ - ٠٩:٤١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

تبنّى اليوم، تنظيم "داعش" مسؤولية الهجوم بإطلاق النار على كنيسة في داغستان شمال إقليم القوقاز جنوبي روسيا، في هجوم أدى إلى قتل خمسة أشخاص وجرح اثنين. وشن الهجوم على كنيسة بمنطقة كيزليار، خلال الاحتفال بمهرجان "ماسلينتيسا"، الذي يحتفل به بروسيا، والذي يتضمن الرقص وتناول الحلوى. وتعرف الداغستان وجارتها الشيشان بانتشار المتشدّدين الإسلاميين الذين عاثوا بها فساداً خلال السنوات الأخيرة.

داغستان

داغستان هي إحدى الكيانات الفدرالية في روسيا، وتقع في جنوب الجزء الأوروبي في منطقة القوقاز على طول ساحل بحر قزوين، تحدها في الجنوب وجنوب الغرب الجمهوريتان السوفيتيتان السابقتان أذربيجان وجورجيا. وتحدها غرباً وشمالاً أقاليم روسيا الاتحادية وهي جمهورية الشيشان وإقليم ستافروبول وجمهورية كالميكيا.

وكان يوجد فيها قبل ثورة 1917م أكثر من 1700 مسجد وكذلك ما يقرب من 356 كاتدرائية تحولت إلى مساجد. ومثل أي بلد قوقازي فقد انتعشت فيها الجماعات الإسلامية السلفية والصوفية، إثر تفكك المنظومة الشيوعية.

داغستان دولة علمانية حيث لا يوجد دين رسمي للدولة، وكما أن الدستور الروسي والداغستاني يؤمن حرية المعتقد والدين، يدين غالبية سكان داغستان بالإسلام، فحسب إحصاءات فإن ذلك يشكل 94% من سكان البلاد، وتعتبر الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أكبر الطوائف مسيحية في داغستان. ويشكلون 5% من سكان الجمهورية. ويقطن داغستان يهود الجبال بنسبة نحو 1% وتم تسجيل معظمهم مثل المواطنين المنتمين إلى قومية "التَّاتْ" (الفرس القوقازيون) الذين يهاجرون بكثرة في الآونة الأخيرة إلى إسرائيل.

وقد ظهرت السلفية في داغستان نهاية الثمانينيات، بحيث يمكن التمييز بين فرقتين سلفيتين: الأولى، متطرفة، والثانية معتدلة.

وهو ما جعل هذا البلد يموج في صراع بين مذاهبه الإسلامية، بين الاعتدال والتطرف، واستخدامها من قبل القوى الخارجية في حرب تآكل القوى الروسية.

خزان من المتطرفين

تعتبر داغستان إحدى الخزانات الرئيسية لإمداد المقاتلين في صفوف الجماعات المتطرفة بسوريا والعراق، وحسب تصريح رسمي لوزير الداخلية في جمهورية داغستان عبد الرشيد ماغميدوف بتاريخ 31 يناير 2017، أكد التحاق حوالي 1200 شخص من داغستان بصفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، حيث غادر الكثير منهم مع عائلاتهم وأولادهم.

ومنذ بداية الأزمة السورية، اهتمت روسيا بإعلان نظام مكافحة الإرهاب في داغستان والجمهوريات القوقازية التي تمثل خزانًا للجهاديين المحليين والعابرين للأقطار. حيث تحتوي بعض مناطق روسيا الاتحادية، وبالذات مناطق شمال القوقاز الروسي، على بعض الجماعات الإرهابية وفلول المنظمات المتطرفة والمتشددة، والتي تتقاسم بشكلٍ أو بآخر الأفكار المتطرفة مع منظمات إرهابية عالمية كتنظيم "داعش" الإرهابي المحظور في روسيا، وتنظيم "القاعدة" الدولي الذي انبثقت عنه العديد من التنظيمات الإرهابية المتشددة كجماعة "جبهة النصرة" في دول الشرق الأوسط.

وقد كشفت الحرب في سوريا عن خطورة منطقة أسيا الوسطى والقوقاز على أمن العالم لما تحتويه من جهاديين على خبرة عالية من التدريب والقتال. وكانت هذه المناطق مرشحة بقوة لتكون إحدى ملاذات مقاتلي داعش بعد الحرب عليهم في سوريا والعراق، سيما للآسيويين منهم.

وشكل المقاتلون القادمون من هناك، أخطر رجال داعش، فعندما يبحث تنظيم داعش عن أماكن للتجنيد، يبحث عن أماكن فيها معارك أساساً أو حركات تمرد محلية أو مشاركات في شبكات إجرامية. اثنان من الأماكن التي كانت في الاتحاد السوفييتي السابق حيث كانت هذه النشاطات شائعة، هما وادي فرغانة الواقع بين أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، على حدود أفغانستان، وهناك أيضاً داغستان وهي على حدود الشيشان.

إمارة القوقاز

مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي نشر خريطة تمهد لمناطق تمدده داخل العالم الإسلامي، كان هناك مخطط لتأسيس إمارة القوقاز، وهي مناطق الجمهورية السوفيتية التي تقع تحت السيطرة الروسية.

ففي نهاية يونيو 2015، بايعت حركة التمرد المسلح في القوقاز الروسي تنظيم "داعش" في فيديو نشر على الإنترنت. وفي أكتوبر 2015، دعا زعيم جبهة النصرة، فرع القاعدة في سورية، أبو محمد الجولاني المتطرفين في القوقاز لمساعدة المتطرفين في سورية من خلال ضرب أهداف روسية، وذلك بعد بدء موسكو حملة غارات جوية على سورية تستهدف "الإرهابيين" ودعما للنظام السوري.

ويعتبر انفصال شمال القوقاز نزاعا مسلّحا بين روسيا والجماعات الموالية لإمارة القوقاز وتنظيم الدولة بعد دخوله النّزاع منذ 2015.

وبدأ النزاع فعليا منذ النهاية الرسمية للحرب الشيشانية الثانية في 16 أبريل 2009. يجذب النزاع مقاتلين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى، غير أن بعض الأفراد من شمال القوقاز يقاتلون في سوريا، وهو ما يمثل خبرة قتالية ميدانية لهؤلاء المقاتلين. ومعظم العمليات تنفّد في شمال القوقاز والشيشان، وداغستان، وأنغوشيا وقبردينو-بلقاريا، في حين تنفّد أخرى في المناطق المجاورة على غرار أوسيتيا الشمالية-ألانيا، قراتشاي-تشيركيسيا، ستافروبول كراي وفولغوغراد أوبلاست.

بداية الدعوة تظهر مع أواخر عام 1999، حيث أصدر رئيس الوزراء الروسي آنذاك فلاديمير بوتين أمرًا للجيش والشرطة باقتحام مناطق الشيشان. فقد احتلت هذه القوات معظم المنطقة بحلول سنة 2000؛ ما أسفر عن اشتباكات دامت سنينًا خلّفت وراءها آلاف القتلى والجرحى من الطرفين بالإضافة إلى مئات الآلاف من النازحين. أعلن "عبد الحليم سعدلاييف" في عام 2005 عن  تشكيل جبهة القوقاز للقتال ضد روسيا، وذلك لضمان استمرار الصراع بين المسلمين والروس حتى بعد وفاته، أعلن خلفه "دوكو عمروف" استمرار الجهاد لإقامة الشريعة الإسلامية في شمال القوقاز وباقي النواحي.

تمتل العامل الأساسي لنجاح الروس في ضبط الأوضاع تحت سيطرتها في الشيشان في تعيين رئيس للمنطقة وكان رمضان قديروف الموالي لموسكو.

وقد تزايدت الهجمات الإرهابية في شمال القوقاز في الفترة مابين 2007- 2010، فقتل ما يزيد عن 442 شخصا في صيف 2009 فقط، بينما قتل 150 شخصا في سنة 2008 بأسرها. وفقا للأرقام الرسمية من قبل الحكومة الروسية، قُتل 235 فردا من وزارة الداخلية وأصيب 686 بجروح وذلك في سنة 2009، يينما قتل أكثر من 541 مسلّحا وأنصارهم واحتُجز حوالي 600 شخص في نفس السنة غير أن هذه الحوادث تراجعت منذ عام 2010 بالمقارنة مع الفترة ما بين 2008 و2009

عرفت الفترة ما بين 2010 و2014، تراجع النشاطات المعادية لروسيا في شمال القوقاز شيئاً فشيئاً، مع تراجع في عدد القتلى بنسبة أكثر من النصف. ترجع أسباب هذا التراجع إلى مقتل أغلب القادة المعاديين للروس، فقد استهداف قوات الأمن الخاصة البنى التحتية للإنفصاليين، وقتال مسانديهم في مناطق أخرى. وفي تحقيق خاص أجرته رويترز أشار إلى أنه في الفترة قبيل الألعاب الأولمبية الشتوية لسنة 2014 التي نظمتها روسيا، فقد شجع المسؤولون الأمنيون الجهاديين المسلحين إلى مغادرة روسيا للقتال في الحرب الأهلية السورية، وذلك للتخفيف من هجماتهم الداخلية.

ويقاتل حوالي 2900 روسي، غالبيتهم يتحدرون من جمهوريات القوقاز، في صفوف تنظيم "داعش" في سوريا والعراق بحسب أجهزة الاستخبارات الروسية.



صوفية وسلفية
 
حسب بحث ميخائيل روشين "الحركات الإسلامية في داغستان وجمهورية أوستيا الشمالية"، يلتزم غالبية المسلمين في داغستان بجماعة أهل السنة وفق المذهب الشافعي، والإسلام المنتشر في المجتمع يُعد ذا طابع صوفي ويظهر هذا اليوم في داغستان من خلال وجود أربع طرق (جماعات) صوفية، على الطريقة النقشبندية والطريقة الشاذلية والطريقة الجزولية (وهي فرع من الطريقة الشاذلية) والطريقة القادرية.

تتزايد نسبة أتباع الصوفية النشطاء على نحو تدريجي، ومن الواضح أنها تكفي لتكوين سمة الثقافة الروحية الخاصة للإسلام في داغستان، ويتميز "الإسلام الصوفي" التقليدي في داغستان أولاً وقبل كل شيء بتوجهه نحو القيم الفكرية، فهو ليس عدوانيا كما أنه يعالج مفهوم الجهاد على أنه جهاد للنفس يقوم به المؤمن للرقي بذاته.

هناك مجاميع من الشباب كانت تجذبهم السلفية الإسلامية الراديكالية، وتلقى هذه الحركة الشبابية دعمًا ملحوظًا من الجماعات العسكرية التي بدأت بالتشكل في الجمهوريات الإسلامية التابعة لروسيا في شمال القوقاز، بما في ذلك داغستان، مما ساعد على تقوية الحركة السلفية.

تتكون هذه الجماعات من مجموعة من الشباب المسلمين الراديكاليين، وعلى الرغم من قلة عددها، لكنها منظمة تنظيماً جيدًا ومنضبطة تمامًا وكانت هذه الجماعات العسكرية جزءًا من ظاهرة تُعرف باسم "الإسلام السياسي" والتي يُعد ياسين رسولوف من أكثر الايدلوجيين بها بروزًا ولفتًا للأنظار في مطلع 2000، وهو خريج جامعة ولاية داغستان.

في داغستان تُصبح القوات السلفية الجهادية نشطةً جدًا في تنفيذ حرب العصابات في المدن وتنتشر هنا أفكار السلفية على نحو واسع بين السكان وخصوصًا بين الشباب، وبسبب المستوى العالي في التدين ومتانة أتباع التقاليد الصوفية بين السكان، فإن داغستان تعاني مشكلة يمكن وصفها والحكم عليها بأنها حرب دينية، وهذه الحرب ستتأجج إلى حرب أهلية عاجلاً أم آجلاً.

وما يبدو واضحًا هو أن الإجراءات التي تتخذها الشرطة لمواجهة المعارضة الإسلامية المسلحة المتزايدة في داغستان لا تعد كافيةً لتهدئة الوضع هناك. وبدون بدء نقاشٍ ديني حرٍ ومنفتح بين فرق المسلمين السنة المختلفة، سيكون من الاستحالة بمكان إيجاد مخرج سلمي للمأزق الراهن حتى الآن.

وأخيرًا، بدأ هذا النقاش في عام 2012، ويبدي بعض الصوفيين والسلفيين الرغبة في إيجاد حلول سلمية للمسائل الدينية الخطيرة، لكن المتشددين من السلفيين التابعين للمعارضة الإسلامية المسلحة لا يرغبون بذلك.



اضف تعليق