عودة التضخم.. تهديد لمستقبل الحزب الحاكم في تركيا


٢٠ فبراير ٢٠١٨ - ٠٨:٥٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

إن مسالة الاقتصاد أولًا هي القاعدة التي بني عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا سياسته الداخلية والخارجية. وهي ما تفسر كيف استطاع أردوغان أن يستقطب التيارات العلمانية واليسارية والقومية نحو جناح حزبه. حتى التمدد العسكري التركي في منطقة الخليج والبحر الأحمر وأفريقيا وسوريا والعراق وأفغانستان يتعلق جزء منه بالمسألة الاقتصادية.

وحزب العدالة والتنمية الذي دائمًا لا يبتعد كثيرًا عن نسبة الـ50% في الانتخابات البرلمانية، وهو ما دفعه إلى التغيير في النظام الحاكم إلى النظام الرئاسي لضمان الاستمرارية والبقاء، كثيرًا ما يعتمد على المسألة الاقتصادية في خطابات حملته الانتخابية.

وارتفاع نسبة التضخم خلال العام 2017، وتراجعه الطفيف خلال العام الجاري، قد يكون مؤشرًا على خسارة حزب العدالة والتنمية سياسيًا في المرحلة المقبلة. وهو ما يفسر التحركات التي يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتفكيك قوى المعارضة داخل تركيا، والهيمنة على مفاصل الدولة عبر الموالين. إلى جانب الاستيلاء على المنابر الإعلامية لدعم سياسة حكومته وحزبه.

عودة التضخم

في نهاية 2017، تراجعت نسبة التضخم في تركيا بشكل طفيف بعدما بلغت أعلى معدل لها منذ 14 عاما في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، إلا أنها بقيت مرتفعة بحدود 12%.

وذكر معهد الاحصاء التركي أن أسعار المواد الاستهلاكية ارتفعت بنسبة 11,92 بالمئة من سنة لأخرى في كانون الأول/ ديسمبر 2017، بانخفاض ضئيل عن نسبة 12,98 التي بلغتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 وهو أعلى معدل سنوي يتم تسجيله منذ العام 2003.

ويهدف المصرف المركزي التركي إلى أن يبلغ معدل التضخم سنويا خمسة بالمئة، إلا أن الأرقام الصادرة خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى أن الواقع غير ذلك.

لكن المصرف لم يبد أي نية لرفع أسعار الفائدة بشكل ملموس لمواجهة التضخم في وقت يخشى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يؤدي رفع تكاليف الإقراض إلى وضع حد للنمو.

وأفاد خبراء اقتصاد من مصرف "كيو إن بي فاينانس بنك" في اسطنبول أن 11,92 بالمئة هي أعلى نسبة للتضخم يتم تسجيلها في نهاية العام منذ 2003.

وتوقعوا استمرار التضخم بمعدل عشري خلال النصف الأول من 2018 إذ قد يحتاج إلى وقت أطول للانخفاض في حال استمر ضعف الليرة التركية.



انتخابات 2019

بنى أردوغان شعبيته على أساس التحسن القوي الذي شهده الاقتصاد غداة الأزمة المالية الكبيرة التي شهدتها تركيا بين العامين 2000 و2001. وستضعف أي إشارات إلى تراجع الاقتصاد موقفه بينما يستعد للانتخابات المقبلة عام 2019.

وقد حذر مراد ساري رئيس شركة "كونسينساس" لاستطلاع الرأي في تركيا من أنه إن لم تتحسن الظروف الاقتصادية التركية، فإن التأييد لحزب العدالة والتنمية الحاكم سيتراجع إلى أقل من 40 بالمئة في الانتخابات المحلية القادمة في 2019.

وقد أظهرت أحدث استطلاعات الرأي التي أجرتها الشركة، أن نسبة كبيرة من المشاركين فيه وتبلغ 65% يصفون العام الماضي بأنه "سيئ" وأن 80% يقولون: إنهم يواجهون متاعب اقتصادية.

لكن الاستطلاع أظهر أن 51% من نفس المجموعة يتوقعون تحسن الظروف في 2018.

وخلص ساري إلى أنه إن لم يشهد 2018 إنجاز التوقعات الاقتصادية، فإن الناخبين سيعاقبون الحزب الحاكم على ذلك في الانتخابات المقبلة المقررة في مارس 2019.

واجهت تركيا موقفا مشابها في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس 2009 عندما هوت نسبة الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية إلى 38.6%. واعتبر ذلك وقتها عقابا للحكومة على بطء تحركها في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي أثرت على تركيا بانكماش الناتج المحلي بنسبة في خانة العشرات في الربع الأول من 2009.

بعد ذلك، وفي ظل تدفقات نقدية عالمية هائلة ساعدت الحكومة في جبهة الناتج المحلي الإجمالي، وتقليص تضخم أسعار المستهلك لمستوى قياسي في خانة الآحاد في ظل قوة الليرة، نجحت الحكومة في زيادة حصتها من الأصوات إلى 46% في الجولة التالية من الانتخابات المحلية.

آراء شركة كونسينساس قيمة ليس فقط لأنها شركة استطلاعات لها مصداقية، لكن أيضا لأنها تذكرنا مجددا بحالة الاقتصاد التركي المثيرة للاستغراب التي تفسر بأحد احتمالين؛ إما أنه يوجد خطأ في أرقام النمو أو أن النمو التركي ليس جيدا بما يكفي للشعب التركي لسبب ما رغم تسجيله رقما قياسيا على المستوى العالمي.

وفي حال صحة أبحاث شركة كونسينساس، فإن الانتخابات المحلية المقبلة ستكشف بالتأكيد عن نقاش ساخن في تركيا. هل النمو المرتفع بمفرده يعالج كل المشكلات التي يراها حزب العدالة والتنمية؟ أم سيكون من الأفضل السعي إلى خفض التضخم الذي يمكن أن يصحبه معدل نمو أقل حتى يشعر الناس بالأمان في الاستثمار والإنفاق والتخطيط للمستقبل.

ولأن مسار الاقتصاد يؤثر بلا شك في نتائج الانتخابات، فإن أداء حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة سيكشف لنا الكثير عن مدى نجاح الحكومة في إدارة اقتصاد تركيا.



اضف تعليق