صناعة الخونة: ما الذي تريده قطر من الإرهابيين؟


٢١ فبراير ٢٠١٨ - ٠٦:٤٦ م بتوقيت جرينيتش

رؤية


كانت سوريا هي المحطة التالية بعد العراق التي ينظر لها الإسلاميون كأداة تجنيد لأسراب المتحمسين من المقاتلين. تحوّلت الكارثة الإنسانية إلى قضيّة سياسية تُمتَطى، لتحضير معسكرات التدريب لرجالهم، ومكان كسب الشرعية “القتالية”، ومختبرٍ لأفكار الدولة، والأهم من هذا كله، جعلت سوريا مكان الحبكة في مسرحية “الإخوان خير من القاعدة وداعش والنصرة، لأنهم لا يمارسون العنف ويقبلون اقتسام الكعكة معكم”. ولم تكن قطر ببعيدٍ عن هذه المسرحية. عبر مراحل دعمت فيها خيانة العرب لأوطانهم ووفرت الغطاءين الثقافي والديني لذلك، ودعمت الإرهابيين.


بدأت رحلة تحريض العرب ضد أوطانهم قبل دوامة الخريف العربي، ولكنها تعززت بقوّة بعد أن هبت رياح التغيير، فتحوّل المواطن تحت وهم “الإعلام الجديد” و”حرية الإنترنت” إلى عميلٍ ينقل المعلومات لخصوم بلده، ويحدد لهم أين يضربون وكيف يفكرون ولماذا، ظنًا منه أن ذلك يخلصه من جحيم “الطاغية”، وفي سبيل شرعنة هذه الخيانات المؤلمة، تكفلت الجزيرة القطرية بقيادة حملة “صناعة السخط” وأقبلت تشحذه حتى غدا دينًا وديدناً لمثقفين استغلتهم الحملة دون إدراك منهم، فتورّطوا. كانت الجزيرة قادرة على جذب الساخطين، وهم كثر، وقدّمت لهم وجبة ثقافية مسمومة، جعلتهم يظنون أنّها رأس “حر” يفكر لهم ويقودهم لحريّة يتشاركون في بنائها، قبل أن يكتشفوا أنها ذيل لجسمٍ منقاد بكليته لرايةٍ عُميّة.


كان القرضاوي، أحد الفاعلين في شرعنة غدر الأوطان، تقوده حمولة تنبعث من ذاكرة مليئة بالقبح عاشها في وطنه، وميراث من الإخفاقات التنظيمية، فانتظم بسرعةٍ كبيرة في مختبرات التخوين هذه، يطلق العبارات الرنانة التي تدعو أميركا لضرب ليبيا، وتحرّض على اغتيال القذافي ومبارك والأسد وصالح، وتحض المواطنين على التبليغ عن المواقع الحساسة، وإرسالها للعدو. أما في سوريا فقد توجه بحملةٍ شعواء ضد أكبر فقيه ومتصوف سني في الشام: البوطي، انتهت بمقتله ضحية عملية إرهابية.


لذلك لم يكن مستغربًا أن تحتفي جهات شعبية في قطر بمقتل ح. م. المريخي عام 2013، في سوريا، ولا أنّ تتورّط جهات نافذة بإرسال أسلحة لتلك الجماعة، كما صرّح حمد بن جاسم خلال لقاء له قبل شهر على التلفزيون الرسمي، وحاول أن “يرقّع” الخرق فوسعه، وحاول أن يبرر فأكد، شكوك كثيرين وقوف قطر وراء العملية التجميلية التي أجريت لوجه الإرهاب في سوريا حينما تمّ تحويل جبهة النصرة إلى اسم جديد ولافتة جديدة. وتمّ إرسال إعلامي “الجهاد الأفغاني” أحمد منصور، إلى ساحات المعركة مجددًا للقاء زعيم التنظيم الإرهابي وترويج صورته للعالم، عام 2015، بعد عامين من حوار تيسير علوني في 2013.


هذا المشهد قد يبدو مكررًا، إذ قامت الجزيرة نفسها، بدورٍ قريب في العراق، حينما قدّمت الإرهابي أبا مصعب الزرقاوي كبطلٍ للمقاومة، وصورته كفارس للسنة، ولا يزال الفيلم الوثائقي الذي بثته بتقديم مديرها الحالي ياسر أبو هلالة أكبر تمجيدٍ لم ينل الزرقاوي مثله من مواقع الإرهابيين، وإلى وقت قريب يتم استعادة دور الزرقاوي سواء من قبل أبو هلالة أو غيره، على أنه نجم يهتدى به!.


في دراسة لكتاب نشره مركز المسبار بعنوان “ما بعد قطر”، أسند محمد الخطيب، رعاية النصرة لتنظيم الإخوان، وأن “الجماعة” كانت تعمل على تلميع صورة �جبهة النصرة�، وترويجها سورياً وإقليمياً، وإبعادها -ما أمكن- عن �الجهاد العالمي�، إذ دعوا الجولاني مراراً إلى فكّ ارتباطه مع �القاعدة�، “حتى إن إحدى الدعوات أطلقها محمد حكمت وليد (المراقب العام للجماعة في سوريا) غير أنّ الجولاني لم يلبِّ دعوتهم بعد. بالتالي، ما قامت به �الجزيرة� يتناغم مع توجّهات الإخوان، وسياسة القناة الداعمة لهم”.


يشير كثيرون إلى الوساطات والتبرع بدفع الفدية لتحرير المسجونين كإحدى سبل تمويل الإرهاب، فقد توسطت قطر في عدد من الاتفاقيات بين تنظيم جبهة النصرة من جهة، والنظام السوري أو الإيراني أو حزب الله من جهة أخرى. ويشير الخطيب إلى أن قطر قامت “بتمويل التشكيلات العسكرية ذات الميول الإسلامية، وخصوصاً السلفية الجهادية والإخوانية منذ بداية الحرب السورية، وخصوصاً المجموعات التابعة تنظيمياً لحركة الإخوان المسلمين منذ أوائل عام 2012، لتشكل فيما بعد ما يُسمى (الدروع) و(هيئة حماية المدنيين) وبالتالي تشكيل فصيل (فيلق الشام) المدعوم إخوانياً. وعند تشكيل (حركة أحرار الشام) الإسلامية نالت حصة الأسد من التمويل من بعض الشخصيات الاعتبارية في قطر، ومنظمة قطر الخيرية، والحكومة القطرية. كما كان لجبهة النصرة قسم من الدعم المالي المباشر”.


ما الذي تريده قطر من جبهة النصرة؟ هل الأمر يتعدى رغبتها –الطفولية- في الحصول على مقعد في كل مفاوضات؟ أم إن تأثيراً كهذا يساعدها لتبدو أكبر حجمًا؟ أم إن هذه الظنّون على سوئها نقطة في بحر الحقيقة الدموي، الذي تبدو قطر فيه تتاجر بالإسلام وإصلاحه؟! فهي تصنع المشكلة وتزعم امتلاكها للحل. وفي الأثناء ما الشعوب إلا فئران تجارب!.



اضف تعليق