خط تابي لنقل الغاز .. انفتاح تركمانستان على شبه القارة الهندية


٢٤ فبراير ٢٠١٨ - ١١:١٥ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

بحضور الرئيسين الأفغاني أشرف غني، والتركماني قربانقلي بيردي محمدوف، والسيد شهيد خاقان عباسي رئيس الوزراء الباكستاني، والسيد ايم جي أكبر وزير الشؤون الخارجية الهندي، وسط إجراءات أمنية مشددة، انطلقت أمس في إقليم "هرات" بغرب أفغانستان، أشغال بناء الجزء الأفغاني من خط الغاز الإقليمي "تابي" الذي سيربط تركمانستان بالهند مرورًا بأفغانستان وجارتها باكستان، وسيؤمن نقل 33 مليار متر مكعب من الغاز يوميًا على مدى ثلاثين عامًا.

وقد أوضح السيد عبد القدير مفتي المتحدث باسم وزارة المناجم والنفط الأفغانية، في تصريحات صحفية، أن الجزء الأفغاني من خط أنابيب الغاز الذي يبلغ طوله 1800 كيلومتر، سيمتد لمسافة 816 كيلومترا وسيعبر خمسة أقاليم من بينها أقاليم تشهد صراعا مع مسلحي حركة "طالبان".

وذكر أن بلاده ستحصل على ما يصل إلى 500 مليون دولار في صورة رسوم عبور سنويا وستحصل على1.5 مليار متر مكعب من الغاز، مضيفا أنه سيتم عبر هذا المشروع أيضا توفير الآلاف من الوظائف المباشرة وغير المباشرة للأفغان. وأشار إلى أن أعمال تنفيذ الخط بدأت منذ عام 2015 في جزئه، بالأراضي التركمانية، ومن المقرر أن ينتهي بحلول عام 2019.

وتعقيبا على انطلاق تنفيذ المشروع، قال متحدث باسم "طالبان": "نرحب ببداية مشروع خط أنابيب الغاز "تابي" في أفغانستان، إنه سيساعد على وقوف بلادنا على قدميها".

نحو أسيا

حسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية، يعد مشروع ربط حقول الغاز في آسيا الوسطى بشبه القارة الهندية واحدا من أكبر المشاريع الطموحة في العالم، وبعد انسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان في نهاية ثمانينيات القرن الماضي خاضت شركتا يونوكال الأمريكية وبريداس الأرجنتية منافسة شرسة لمحاولة بناء خط الغاز هذا في تكرار حديث لصراع "لعبة الأمم" الشهير في القرن التاسع عشر بين روسيا وبريطانيا من أجل السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية.

وفكرة خط أنابيب الغاز المنشود هذه لم تخمد أبدا، وقبل عام واحد من انسحاب قوات الحلف الأطلسي من أفغانستان تحتدم المنافسة في الكواليس لبناء خط أنابيب "تابي"، ومع سعي باكستان والهند المحموم للحصول على الطاقة اللازمة لضمان نموها الاقتصادي يمكن لأفغانستان الفقيرة أن تربح مئات ملايين الدولارات من رسوم العبور.

صراع خطوط

يعد خط تابي أحد المشاريع التي تدخل في خط الصراع بين إيران والولايات المتحدة، خاصة أن إيران سعت لتصدير الغاز إلى شبه القارة الهندية عن طريق أراضيها، وكذلك سعت إلى أن يعبر الغاز التركمانستاني عن طريق خطوطها التي تعد جاهزة للعمل بشكل أقرب، وهو ما لم يتحقق حتى الآن بسبب ضغوط أمريكية وإقليمية سعودية.

حيث تؤيد الولايات المتحدة التي تؤيد بقوة خط تابي، وتعارض مشروع خط الأنابيب الإقليمي الثاني "اي بي" الذي يفترض أن يربط بين إيران وباكستان. ولم تخف واشنطن معارضتها لهذا المشروع وكانت قد شددت وزارة الخارجية الأمريكية عام 2013م، على "وجود حلول أخرى طويلة المدى لتلبية احتياجات باكستان من الطاقة" معتبرة في المقابل أن لإسلام آباد "مصلحة في تفادي أي نشاط يمكن أن يعرضها لعقوبات".

وكانت المملكة السعودية قد دخلت على خط التنافس، حينما كشفت تركمانستان أن السعودية قدمت استثمارات في خط غاز تابي وفق اتفاق مبرم يعود للعام 2016. وهو ما يجعل خط "تابي" أحد مشاريع التنافس بين الرياض وطهران.

حاجة أكبر

تراهن إيران على توتر العلاقات بين الهند وباكستان وكذلك على الاضطرابات الأمنية في أفغانستان في فشل مشروع نقثل الغاز من تركامنستان إلى الهند. ولذلك بدأت تهتم إيران بإسالة الغاز وتجهيز محطات لذلك من أجل تصديره للهند وباكستان عن طريق المحيط.

حقيقة الأمر أن حجم الطلب على الغاز في شبه القارى الهندية، وأن احتياجات الطاقة تفوق كافة المشاريع المقدمة، تظهر أن هذه المشاريع متنافسة سياسيًا، لكن حجم الطلب يستطيع أن يستوعبها جميعًا من الناحية الاقتصادية.

وحضور ممثل من الهند في افتتاح المشروع أمس، يدل على استيعاب الهند لاحتياجات المرحلة الاقتصادية، وأن هناك سياسة عامة للفصل بين المصالح الاقتصادية والخلافات السياسية، وأن تحولات العالم الاقتصادية لا تتنظر حل الخلافات. وكذلك حاجة باكستان لهذا الخط سيدفعها لعمل المزيد من الجهد لضمان أمن واستقرار أفغانستان الذي يمر منها هذا الخط، سيما أن باكستان لديها الكثير من الإمكانات للسيطرة على حركة طالبان. وكذلك هناك حاجة باكستانية للعبور إلى أسيا الوسطى عن طريق أفغانستان.

بعيدًا عن إيران

لطالما تشتكي تركمانستان من إيران حول مسألة انخفاض أسعار الغاز، حيث تعمل طهران على شراء الغاز التركمانستاني بأسعار رخيصة، ثم تقوم هى ببيعه إلى السوق الخارجي. وخط الغاز تابي فرصة لتركمانستان للخروج من الحصار الإيراني نحو شبه القارة الهندية، إلى جانب الخط الفعلي الذي ينقل غازها حاليًا نحو الصين.

والإهتمام التركمانستاني بشبه القارة، يظهر الأهمية التي توليها عشق آباد بالاقتراب من شبه القارة الهندية لانعاش اقتصادها ووضعها في حركة التجارة الإقليمية، حيث تم طرح نقل 500 كيلو واط من الكهرباء من تركمانستان إلى أفغانستان وباكستان، ومد خط سكة حديد من تركمانستان إلى داخل أفغانستان ومد كبل ألياف ضوئية طول خط "تابي".

خلفية

بدأ المشروع الأصلي لخط تابي لنقل الغاز، في 15 مارس 1995 حينما وقعت حكومتا تركمانستان وباكستان مذكرة تفاهم لبناء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي يربط بين البلدين. بدعم من شركة بريداس الأرجنتينة. في المقابل قدمت شركتا يونيكال الأمريكية ودلتا السعودية مشروعهما الخاص لبناء غاز. وقد قام الرئيس التركماني صابر مراد نيازوف بتوقيع عقد لبناء خط الأنابيب مع ائتلاف تجاري بقيادة شركة يونيكال الأمريكية في 21 أكتوبر 1995. وفي 27 أكتوبر 1997 تأسست شركة خط أنابيب أسيا الوسطى المحدودة.

ولأن خط الأنابيب سوف يعبر الأراضي الأفغانية فقد بدا من الضروري الاتفاق مع حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان. وقد وقعت طالبان على عقد لمرو خط الأنابيب عبر الأراضي الأفغانية واختارت في يناير 1998 شركة خط أنابيب أسيا الوسطى المحدودة على منافستها شركة بريداس الأرجنتينية لبناء الخط في القسم الأفغاني.

في 7 أغسطس 1998 فُجرت سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في دار السلام ونيروبي وكان على رأس قائمة المتهمين أسامة بن لادن الذي حظي بدعم زعيم حركة طالبان الملا عمر ونتيجة لذلك أوقفت شركة يونيكال جميع محادثات بناء الخط الأنابيب مع طالبان. وفي 8 ديسمبر 1998 أعلنت شركة يونيكال انسحابها من الائتلاف التجاري.

بعد سقوط نظام طالبان وقع اتفاق جديد بين حكومات تركمانستان وأفغانستان وباكستان في 27 ديسمبر 2002 لبناء خط أنابيب يربط البلدان الثلاثة. وفي 2005 قدم بنك التنمية الآسيوي دراسة الجدوى النهائية للمشروع. وفي 11 ديسمبر 2010 انضمت الهند إلى المشروع ووقعت في العاصمة التركمانية عشق أباد اتفاقا مشتركا مع كل من تركمانستان وأفغانستان وباكستان لببناء خط أنابيب لنقل الغاز.

وبدأ بناء الجزء التركمانستاني لخط أنابيب "تابي" في ديسمبر عام 2015. وبعد التدشين الكامل لخط الأنابيب.

ويبلغ طول خط الأنابيب المقترح 1,680 كلم وهو يبدأ من حقل حقل دولة أباد في جمهورية تركمانستان إلى أفغانستان حيث يمر بهرات وقندهار ثم إلى باكستان حيث يمر بكويته ومولتان ثم يصل إلى وجهته النهائية وهي بلدة فزيلكا بالهند الواقعة على الحدود الهندية الباكستانية.


اضف تعليق