مأساة سوريا.. عندما سقطت ورقة التوت


٢٨ فبراير ٢٠١٨ - ١٠:٣٥ ص بتوقيت جرينيتش

 
كتبت – ولاء عدلان
 
ماذا وراء الهدنة الروسية المزعومة في الغوطة الشرقية؟ هل هو هدوء ما قبل العاصفة؟ يبدو أن الأمور تسير نحو الأسوأ في الغوطة من أجل نظام لا يرضيه سوى الإذعان الكامل لرغباته، وسط لا مبالاة دولية، لا نتوقع أن تنتهي مع اجتماع مجلس الأمن المقرر عقده اليوم لتقييم تطورات الأوضاع السورية.
 
تقول الكاتبه نتالي نوجيريدي -في مقال نشرته "الجارديان"، اليوم، سوريا هي أزمة أوروبية أيضًا، كما هي أزمة حقيقية تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، وأسوأ كارثة لحقوق الإنسان في العالم منذ عقود، سيذكّرنا المؤرخون يومًا ما بتقاعس الغرب عن مواجهة بشار الأسد، وإلى درجة أهدر الغرب فرصا عدة لإجباره على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، والضغط بشكل كافٍ عليه من خلال الضربات المباشرة، على غرار ما حدث مع سلوبودان ميلوسيفيتش الذي أجبر على توقيع اتفاق دايتون عام 1995، لوضع حد للمجازر الوحشية التي كانت ترتكب في البوسنة.
وتضيف، في صيف عام 2013، فشلت الولايات المتحدة في الرد على استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، ما شجع فلاديمير بوتين على مزيد من الدعم العسكري لديكتاتور جيشه كان يقتل المدنيين منذ عام 2011، وفي المقابل التزمت أوروبا بضبط النفس، على الرغم من أن ويلات الحرب ليست ببعيدة عنها.

 
العجز الدولي
 
وتتابع: هناك نصف مليون قتيل في سوريا، والعدد في ازدياد، ونحن نجلس لمشاهدة الصور التليفزيونية للأطفال الذين تعرضوا للقصف في أسرة المستشفيات في الغوطة الشرقية، دون مبالاة من الغرب أو أوروبا تحديدًا، لكننا مرتبطون بهذه الجرائم بطريقة أو بآخرى.
 
وتنوه الكاتبة هنا، إلى أن أوروبا كان من المفترض في أعقاب الحرب الباردة أن تكون قادرة على المشاركة بقوة في صنع القرر الدولي، إلا أن ذلك لم يحدث، فألمانيا وهي صاحبة الصوت الأعلى داخل الاتحاد الأوروبي نجدها اليوم أكثر ترددًا من أي وقت مضى في تمثيل الاتحاد والإمساك بزمام المبادرة فيه، لا سيما فيما يتعلق بالأمور العسكرية، أما بريطانيا وفرنسا -القوى الاستعمارية السابقة في الشرق الأوسط- فيبدو نفوذهما اليوم ضئيلًا للغاية.
 
"سوريا ستؤرق مضاجعنا لفترة طويلة"، تقول نوجيريدي: فمنذ سقوط الرقة في العام الماضي، تحولت الأزمة تدريجيا إلى ما يشبه الحرب العالمية، على الرغم من عدم المواجهة المباشرة بين القوى العظمى التي تشارك فيها -روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة- لكنهم يتنافسون من أجل السيطرة على الأراضي وتحديدا حقول النفط.
 
يبدو أن الأوروبيين لم يفهموا بعد أن الكارثة السورية قد أثرت على كيفية ارتباطهم بالعالم، تضيف الكاتبة البريطانية: لقد أصبحت سوريا دليلًا واضحًا على عجزنا في مواجهة الصمت الدولي إزاء نظام الأسد، وينبغي أن يهمنا ذلك كثيرًا لأن أوروبا لها مصلحة أكبر من أمريكا في الحفاظ على منظومة الأمم المتحدة ومصدقيتها، فعندما تنهار قواعدها كما حدث مع عصبة الأمم في الثلاثينيات من القرن الماضي، ندرك جيدًا كيف يمكن للوحوش أن تطل برؤوسها.
 
الأوروبيون ليسوا وحدهم، تقول صحيفة "لاكروا" الفرنسية  -اليوم في افتتاحيتها- المجتمع الدولي ككل فرغ تمامًا من معناه، حقيقة مرة كشفتها المأساة السورية التي تعكس خللَ عالمٍ غابت عنه القوى العظمى بالمعنى الذي كان سائدًا إبان الحرب الباردة، فتشابك المصالح المحلية والإقليمية والعالمية في سوريا بلغ حدًّا يمنع ولادة أي حل يمكنه إيقاف الماكينة الجهنمية التي أطلقت العنان للعنف الأعمى والتدمير الممنهج.

 
ساحة المعركة والمصالح
 
الواقع أن سوريا تحولت إلى ساحة معركة بين المستبدين والشموليين الجدد -بوتين وأردوغان وخامنئي-  والأهم من ذلك أن شخصية مثل دونالد ترامب على رأس السلطة في أمريكا التي تتحكم في الكثير من خيوط اللعبة الدولية، إذ يقف كمنارة مطمئنة، لهؤلاء المستبدين، ما يجعلنا أمام ظاهرتين متناقضتين، لكن يعزز كل منهما الآخر في أوروبا.
 
الأولى - تقول نوجيريدي- هي عودة السحر مع رجل قوي لا يرحم مثل ترامب أو بوتين، فاليمين المتطرف في أوروبا، هو أكثر الأراضي خصوبة لهذا الخط الفكري، فبغض النظر عن الوسيلة، لا شيء يمنع القائد من الوصول إلى غايته لدى أصحاب هذا الفكر، فالمدنيون ليسوا مدنيين إنهم "إرهابيون"، وقرارات الأمم المتحدة ليست قانونا، هي مجرد حبر على ورق.
 
أما الظاهرة الثانية؛ فتتمثل في اللا مبالاة ممن نطلق عليهم دعاة السلام، وهؤلاء في أوروبا يمثلهم اليسار الراديكالي، ونزعتهم الأخلاقية التي يمكنا أن نعول عليها تتوارى لصالح نزعتهم القومية.
 
وتختم بالقول: سوريا تقوض أي زعم لأوروبا بأنها قوة أخلاقية، الغرب بكامله مذنب، وطيارونا مجرمون مثل بوتين، عندما لا يكترثون للقصف المتعمد والمتكرر لمستشفيات الغوطة الشرقية، وبالطبع هناك إدانات وتصريحات لوزراء الخارجية، ولكن مجتمعاتنا سقطت فريسة للقصور الذاتي والارتباك.
 
وفي يوم من الأيام سنحتاج إلى النظر عن كثب في التسلسل الزمني للأحداث التي أصبحت فيها مكافحة الإرهاب، وليس المفهوم المدعوم من الأمم المتحدة "المسؤولية عن حماية المدنيين"، أولويتنا الوحيدة؛ وأصبح التدخل العسكري ضد داعش مستساغا سياسيا في عام 2014 ليس بسبب تعرض العرب واليزيديين للذبح، ولكن بسبب قطع رأس الرهائن الغربيين.
 
وتتابع سوريا مأساة حقيقة لأوروبا لا لأنها أربكت ساسة قارتنا بسبب اللاجئين، بل لأنها جزء لا يتجزأ منا؛ لأننا بينما نود أن نعتقد أننا قادرين على النظر إلى أنفسنا في المرآة بعد مذابح أوروبا في القرن العشرين، فقد تخلينا عن إنسانيتنا بغض الطرف عما يحدث في سوريا وتسلل إلينا جزء من ويلاته.. سوريا هي عار علينا وهزيمة أخلاقية لأوروبا.
 
نعم، لغة المصالح والقوة صوتها اليوم أعلى بكثير من صيحات الأطفال والنساء في سوريا، الكل له مصلحة؛ بوتين وأردوغان والأسد وخامنئي وحتى ذلك الدخيل نتنياهو، والسر في الجائزة الدموية؛ إن كانت حقول نفط فدير الزور تضم أكبرها، وإن كانت قواعد عسكرية فالمعلن منها حتى الآن الروسية، وما خفي كان أعظم، والدم هو ثمن بخس!
 



اضف تعليق