دير المحرق.. 185 يوما في حضرة السيد المسيح


٠٥ مارس ٢٠١٨ - ٠٥:٣٣ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

لا تنقطع حركة الأقدام داخل دير المحرق بأسيوط، مسلمين ومسيحيين، يبحثون عما يؤنس وحشتهم، ويطبب جروحهم، وتستكين إليه نفوسهم القلقة. وكأن المكان لازال يحمل أنفاس السيد المسيح، حركاته وسكناته، وأمه السيدة العذراء. وكأن الله بارك المكان الذي كان مأوى للعائلة المقدسة في غربتها لمدة 185 يوما.

تدق الساعة الثانية والنصف صباحا. الظلام يخيم على الكون. والناس نياما في سكون. يتنعمون بدفء الفراش. ينهض الأب فيلكسينوس المحرقي، ينفض عن عينيه النوم والكسل. ويقبل على الله بقلب محب، يتلو صلواته. ثم يوقد شمعة أمام صورة السيدة العذراء. تمر الدقائق والساعات ولازال القلب خاشعا والصلوات تتواصل دون انقطاع، حتى تدق الساعة الخامسة أو ربما السادسة. ينهي صلواته ليستريح بعد أن أدى أولى طقوسه اليومية. ثم يبدأ في ممارسة عمله داخل الدير، فهو المسئول عن الأجانب والميديا والضيافة، يروي لهم تاريخ الدير ويصحبهم من مكان إلى آخر.

يمر اليوم ويودع الضيوف، تقترب الشمس من الغروب، فيجتمع مع زملائه في الكنيسة لتبدأ صلوات أخرى، بعدها يعود كل منهم إلى صومعته، وفي العاشرة أو الحادية عشرة مساء يغمض جفنيه أخيرا لينام في انتظار يوم جديد.

يقف الأب فيلكسينوس بطوله اليافع، تضفي السماحة مزيدا من الجمال على وجهه الوسيم الذي لا تخفيه لحيته الطويلة ولا ملابسه السوداء. وسامة لم تمحها سنوات التقشف والخدمة الشاقة. يشع نور من عينيه وهو يتحدث عن فكرة الرهبنة التي يشعر خلالها الإنسان باشتياق لتكريس كل حياته للعبادة، وهو ما صاغه أحد الرهبان بأنها "انحلال من الكل للارتباط بالواحد وهو الله" هذا هو النداء الداخلي للإنسان. أما النداء الانجيلي فيقول أن هناك أناس يُفرزون لخدمة الله ومنها التعبد.

لم يعد قلب الأب فيلكسينوس يتعلق بالدنيا، منذ اختار طريق الرهبنة وعمره أربع وعشرون عاما، أغلق باب الهوى واكتفى بالإيمان الذي زرعه الرب بداخله وهو لا يزال في الثامنة عشرة من عمره. لا يحب أن يتذكر حياته الأولى. نسيها تماما وأغلق عليها بابا وألقى بمفاتيحه بعيدا. عندما سألته ماذا درس قال: جامعة. استفسرت أي جامعة. افتر ثغره عن ابتسامة قائلا: كلية يعني. لم يرغب في ذكر ماذا درس وماذا تخصص، فتلك الأمور الدنيا طوحها بملء يديه وأصبحت حياته هي ما يعيشه هنا يوميا داخل دير المحرق بأسيوط.


قبل دخول الدير يواجهك سور عالي يبلغ ارتفاعه 12 مترا، يشبه سور مدينة القدس القديمة، شيده الأنبا باخوميوس، أول أسقف للدير فى أوائل القرن العشرين. هنا فقط يمكن للأقباط من كل العالم أداء "نصف تقدس"، عوضا عن الذهاب إلى القدس المحتلة لأداء التقديس الكامل.

يشتهر دير السيدة العذراء بجبل قسقام، باسم دير المحرق، الذي اكتسب هذا الاسم لملاصقته منطقة تجميع وحرق الحشائش، فأطلق عليها اسم المنطقة المحروقة أو المحترقة. داخل الدير يمكنك أن تزور عدة كنائس هي: "السيدة العذراء" الأثرية، "الملاك ميخائيل" بالحصن، "مارى جرجس"، وكنيسة "العذراء" الجديدة. وتذكر الوثائق أن الدير كان يضم عدداً آخر من الكنائس القديمة قبل إزالتها منها كنيستي القديس يوحنا المعمدان، والقديسين بطرس وبولس.

أشهر هذه الكنائس هي "السيدة العذراء" الأثرية، التي بقيت على مساحتها حتى القرن التاسع عشر، وهي البيت الذى سكنته العائلة المقدسة، بعدما هربت من أورشليم، وتنقلت بين عدة بلاد وقرى، ثم استقرت عند سفح جبل قسقام، الذي كان في ذلك الزمن، صحراء لا يسكنها أحد على الإطلاق، وكان بها بيت مهجور من الطوب اللبن، سقفه من سعف النخيل، وخارجه يوجد بئر ماء.

استراحت العائلة المقدسة في هذا البيت البسيط، فترة من الزمان، وازداد ماء البئر وأصبح صالحا للشرب بالرغم من جفافه مدة طويلة. وقام يوسف النجار بعمل إصلاحات في البيت، الذي كانت تعلوه غرفة تمكث فيها السيدة العذراء والسيد المسيح. وقرب البيت كانت توجد مغارة في الجبل تذهب إليها السيدة مريم وابنها.


ظلت العائلة المقدسة في هذا البيت حتى ظهر ملاك ليوسف النجار في حلم قائلاً "قم وخذ الصبى وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبى". وقبل رحيلهم بارك الله هذا المكان الذي كان مأوى وراحة لهم في غربتهم. وطبقا للتقويم المصري والروماني، وصلت العائلة المقدسة إلى قسقام ليلة يوم 7 برمودة الموافق 2 ابريل وغادروا في نهار 6 بابة الموافق 3 أكتوبر، أي مكثوا 185 يوما.

الكنيسة التي احتضنت أنفاس وآثار السيد المسيح يوما وأمه السيدة العذراء، تشعر داخله بسكينة خاصة، وتستشعر قداسة المكان الذي يعتقد مريديه أن طلباتهم تستجاب فيه. وتعرف بالمغارة أو الغرفة، تبدأ بدهليز كبير يضم بعض الأيقونات، وخريطة لطريق العائلة المقدسة، وتزين ببيض النعام الذي يرمز إلى عناية الرب الدائمة للمؤمنين.


البساطة تميز المكان الذي يضم مذبح حجري واحد، يقال إنه الحجر الذي جلس عليه السيد المسيح، يحيط به أربعة أعمدة في أركان الهيكل، يرمزون إلى البشائر الأربعة، وعلى جانبي الهيكل توجد غرفتان صغيرتان، حسب طقس الكنيسة الأولى. كما تضم عدد من الأيقونات تعود إلى القرن التاسع عشر، للسيدة العذراء، عماد السيد المسيح، التلاميذ الأطهار، وأيقونة الصعود.  

وتقول نبوءة أشعياء النبي في العهد القديم قبل ميلاد السيد المسيح بسبعمائة عام "في ذلك الوقت يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها"، ويقصد بهذا مذبح للكنيسة المسيحية، إذ كان مذبح العهد القديم في القدس ولا يجوز تقديم ذبائح للرب خارجها.


برأس منخفض عليك أن تصعد الحصن الذي بني في القرن السادس أو السابع، وهو أصغر الحصون الموجودة في الأديرة حاليا، والتي بنيت لحماية الرهبان من غارات البربر، لكنه لم يستخدم مطلقا للحماية، فالمكان آمن ببركة السيد المسيح. يتكون من ثلاثة طوابق، الأول يضم عدة غرف بها تماثيل صغيرة على هيئة رهبان، والثاني يتم الدخول إليه عن طريق قنطرة متحركة، والثالث يضم كنيسة باسم رئيس الملائكة ميخائيل.

أنشئت كنيسة مارجرجس عام 1880، وبنيت بالرخام الإيطالي، وبها العديد من الأيقونات الرخامية للعديد من القديسين، ويوجد بها ثلاثة مذابح أحدها للسيدة العذراء، والآخران للقديس يوحنا المعمدان، والشهيد مارجرجس، وبها ثلاث مقصورات اثنتان منها للقديسة السيدة العذراء، وتضم الثالثة رفات القديس ميخائيل البحري.


أما كنيسة السيدة العذراء الجديدة فتأسست عام 1940، وبها ثلاثة مذابح، يوجد أسفلهم "الطافوس" وهو المدفن الحالي لرهبان الدير. وهناك كنائس أخرى حديثة خاصة بالآباء الرهبان هي كنائس: العائلة المقدسة، الأنبا أنطونيوس، والأنبا بولا.

دير المحرق هو الوحيد الذي يقام فيه القداس الإلهي يوميا باللغة القبطية. وهناك سمة أخرى انفرد بها منذ القدم وهي تقديم الخدمة الروحية لزواره ومريديه، وكان مأوى آمن للمضطهدين في العصر الروماني، واعتاد الآباء الرهبان على تخفيف آلام المحتاجين، ومساعدة المرضى طالبي الشفاء من ماء البئر المقدسة.


كل عام من 19 حتى 29 يونيو، يحتفي الدير بذكرى تدشين أول كنيسة باسم السيدة العذراء، وهي أحد أشهر المناسبات المسيحية، ويستقبل خلالها أكثر من مليونى زائر، من المسيحيين والمسلمين.

كذلك يستقبل رحلات الحجاج الإثيوبيين مرتين سنويا، لأداء "نصف تقديس"، عوضا عن الحج إلى القدس المحتلة، حيث يعتبرون الكنيسة الأثرية فى الدير، ثاني أقدس مكان على وجه الأرض بعد القدس، لذا يحرصون على زيارة الدير في شهرى أغسطس ونوفمبر، لتأدية الترانيم والقداس، والاحتفال بإتمام "نصف تقديسة".


عشق الأحباش قسقام واعتبروها أورشليم الثانية، ويعتبرون ترابه بركة لأن السيد المسيح داسه بأقدامه وهو طفل، فاتجهوا إلى المكان وعاشوا فيه حياة الزهد والرهبنة. وتحكي مخطوطاتهم عن مئات المعجزات التي صنعتها السيدة العذراء في الدير.

في القرن الثامن عشر زارت الملكة منتواب، إمبراطورة اثيوبيا، الدير ونقلت ترابا منه مزجته في مواد بناء كنيسة عظيمة بإسم قسقام بإقليم جوندار في الحبشة. والتي بنيت عام 1738 م ومن ذلك الوقت رتبت الكنيسة الحبشية الصوم المعروف بصوم قسقام مدته أربعون يوما يبدأ من 26 توت وينتهي في 5 هاتور ليلة عيد تكريس كنيسة السيدة العذراء بدير المحرق.




وكان الأحباش لكثرتهم بالدير لهم كنيستهم الخاصة التي عرفت بكنيسة القديس يوحنا المعمدان التي كانت مجاورة لكنيسة السيدة العذراء الأثرية. ولما أزيلت وتوسعت الكنيسة الأثرية وبنيت الصالة الخارجية تم بناء كنيسة للأحباش فوقها في القرن 19 الميلادي، لكنها أزيلت في ثلاثينات القرن العشرين خوفا على مباني الكنيسة الأثرية.

ينقضي النهار ولا تقل الأقدام داخل الدير الذي يؤنس وحشة المغتربين ويطبب المجروحين، ترتفع زقزقة العصافير فوق الشجر العتيق، فيثير داخلك الغروب كثير من الشجن وأنت تودع المكان الذي لن تغادره إلا وقد تعلق به قلبك.


الكلمات الدلالية دير المحرق

اضف تعليق