وسط مناورات الروس والمعارضة.. هل تتحول الغوطة إلى "حلب" جديدة؟


٠٦ مارس ٢٠١٨ - ٠٤:٤٦ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

برغم القرارات الأممية، والمبادرات الدولية، والمساعي الإقليمية الرامية لإنهاء معاناة الشعب السوري، بأي وسيلة، وفي مقدمتها أطروحات الحل السياسي، يبدو أن الأمور في سوريا، وفي مدينة الغوطة الشرقية على وجه التحديد، في طريقها نحو مزيدٍ من التأزم، بشكلٍ يغلق الطرق، ويضيقها أكثر فأكثر، على الشعب في المقام الأول، وعلى المعارضة في المستقبل السياسي السوري.

الغوطة الشرقية.. باتت المدينة السورية التي يقطنها قرابة النصف مليون مواطن، الوجع الجديد في الجسد السوري المترهل، والذي يعاني منذ نحو سبع سنوات، هم عمر الثورة السورية، التي انحرفت تمامًا عن مسار "الربيع العربي"، الذي تحول إلى خريفٍ من الفوضى والتخريب، وكابوسٍ بعد أحلامٍ حملتها أمريكا وحلفائها، لتؤجج الشعوب ضد حكامها، ويجد الإرهاب منها منبتًا وذريعة للانتشار كالسم في شريان الأمة العربية والإسلامية.

عرض روسي بخروج آمن


بطريقة مشابهة تقريبًا، لما آلت إليه الأحداث في مدينة حلب المكلومة، قدمت روسيا عرضًا أو مقترحًا للمعارضة السورية المسلحة، بخروجٍ آمنٍ من مدينة الغوطة الشرقية، وتسليم المدينة إلى النظام.
وذكرت القوات الروسية، في بيانٍ لها، تناقلته وسائل الإعلام العربية والعالمية، أنها ستوفر النقل والأمن للمسلحين وعائلاتهم.

وزارة الدفاع الروسية، أشارت في بيانها، أن المسلحين بإمكانهم المغادرة، هم وعائلاتهم وأسلحتهم الشخصية من خلال ممر آمن خارج الغوطة الشرقية، دون تحديد المكان الذي يمكن للمسلحين الانتقال إليه، لكن البيان أكد أنه "سيجري توفير المركبات وحماية الطريق بأكمله".

المعارضة ترفض: "تهجير قسري"


يبدو أن الضربات الروسية وغارات قوات النظام المركزة في الآونة الأخيرة، باتجاه الغوطة، لم تكن كفيلة للضغط على المعارضة السورية للقبول بأي مبادرة، من شأنها التنازل أو الاستسلام.

فقد نفى "فيلق الرحمن" أحد أكبر الفصائل المسلحة في الغوطة الشرقية، وجود أي اتصالات مع الجانب الروسي حول اقتراح "الخروج الآمن" من المدينة، متهمًا موسكو بالتصعيد العسكري، والسعي لتهجير سكان الغوطة "قسريًا".

المرصد السوري: تسجيل حالات اختناق.. ومقتل 780 شخصًا


تتواصل الاتهامات التي تلاحق النظام السوري، باستخدام أسلحة كيماوية، في ضرباتها ضد المدن التي تسيطر عليها المعارضة، وذلك وفقًا لنشطاء وبيانات تصدر بين الحين والآخر عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، فيما يستمر مسلسل سقوط القتلى بين المدنيين.

فقد كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن وقوع 18 حالة اختناق، أمس الإثنين، بين صفوف المدنيين، إثر قصف جوي للنظام استهدف بلدة حمورية في الغوطة الشرقية، وأكد ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استخدام قوات النظام للغازات السامة و"غاز الكلور"، في قصف البلدة.

أما الإعلام الرسمي السوري فقد نفى اتهامات المعارضة والمرصد، واصفًا حديث النشطاء بـ "مسرحية الكيماوي"، في ظل تقدم قوات النظام على الأرض، وهو ما يشير إلى هزيمة باتت قريبة للمسلحين بالمدينة.

وفي سياق ذي صلة، أفاد المرصد، أن القصف العنيف الذي يشنه النظام على المدينة، قد تسبب في سقوط 780 قتيلًا من المدنيين، منذ 18 فبراير الماضي، الأمر الذي يجعل منها واحدة من أشرس الهجمات التي يشنها النظام السوري منذ اندلاع الحرب في البلاد التي تقترب من إتمام عامها السابع  على التوالي.

اليونيسيف: مقتل 1000 طفل.. والصليب الأحمر يعلق المساعدات


إذا كان الحاصل في سوريا، خلاف سياسي، أفضى إلى حربٍ أهلية، فمن المتوقع أن تلحقه خسائر محققة بين المدنيين، تكوي بنيرانها الشيوخ والنساء والأطفال، وهذا الفصيل الأخير على وجه التحديد، قد دفع ثمنًا بلغ فقط منذ مطلع العام الجديد، 1000 طفل على الأقل، ومع استمرار العنف في سوريا، فإن العدد مرشح للارتفاع من كافة الفئات، خصوصًا مع تعذر وصول المساعدات الإنسانية الدولية إلى المنكوبين.

منظمة الأمم المتحدة للطفولة، والمعروفة اختصارًا بـ "اليونيسيف"، أعلنت اليوم عن تسجيل 1000 طفل على الأقل كقتلى، جراء العمليات القتالية التي تشهدها عموم المدن السورية.
أما الصليب الأحمر الدولي، فقد قرر تعليق مهامه بمدن وبلدات الغوطة الشرقية، مع تواصل أعمال العنف والقتال في المدينة، يتزامن ذلك، مع إعلان مركز المصالحة الروسي في سوريا، عن عودة القافلة الإنسانية التابعة للهلال الأحمر، أمس الاثنين، من الغوطة الشرقية.

وعلى الرغم من الوضع المأساوي الذي تشهده سوريا، فلا تكاد المنظمة الدولية الكبرى "الأمم المتحدة"، تبحث عن أي فرصة، للقيام بمهامها، في مساعدة ضحايا النزاع من الطرفين، ويتجلى ذلك في الأنباء التي تحدثت عن عودة قافلة مساعدات أممية إلى الغوطة، خلال الأيام المقبلة.

فقد أعلن المركز الروسي للمصالحة في سوريا، اليوم الثلاثاء، عن دخول قافلة مساعدات جديدة إلى الغوطة الشرقية في ريف دمشق، يوم الخميس المقبل، وذلك بعد فشل القافلة الأولى التي دخلت إلى مدينة دوما، أمس الاثنين.

الاقتصاد الروسي.. رهان المعارضة والغرب


تشير أحدث التحليلات السياسية، حول العرض الروسي المفاجئ للمعارضة السورية بـ "الخروج الآمن"، والذي يأتي على خلاف، البيانات الرسمية لإعلام النظام، والتي تتحدث عن تقدم كبير لقوات الأسد على الأرض داخل الغوطة الشرقية، ما يؤكد المعلومات حول نية روسية لإنهاء الحرب في سوريا بأقل خسائر ممكنة.

فروسيا التي أقحمت نفسها في الصراع، وساهمت بلا شك في إمالة الكفة نحو الأسد في سوريا، على حساب المعارضة المسلحة، التي كادت تقلب الطاولة على النظام وحلفاؤه، قد أعلنت منذ نحو 3 أشهر، انتهاء الحرب في سوريا، من خلال سحب بعض عناصرها المقاتلة هناك، فهي تسعى لإنهاء الحرب سريعًا، خوفًا من الإنزلاق في مستنقع شبيه لما كان عليه الحال في أفغانستان، في ثمانينيات القرن الماضي، والتي كلفت "الاتحاد السوفيتي" حينها، خسائر ضخمة وباهظة، ولا قبل لـ "الدب الروسي" بتحمل مثلها الآن، مع ما يعانيه اقتصادها حاليًا.

المعارضة، والغرب على وجه التحديد، باتا أكثر إدراكًا لذلك، فالاقتصاد الروسي يكاد يقارب حجم الاقتصاد الإسباني، وربما أكثر قليلا، وهو الغرب يعلم أن اقتصاد روسيا أضحى أكثر عرضة للتصدع، ولا مناص من الخروج من سوريا سريعًا، ولو بالوضع الحالي للحرب هناك.

الخلاصة

الحرب في سوريا عمومًا، والغوطة الشرقية على مؤخرًا، باتت تستنزف دماء الشعب السوري، الضحية الوحيدة لأصحاب المصالح المختلفة، وبصرف النظر عن نهاية الحرب، ولعبت التوازنات السياسية الإقليمية والدولية، فالمؤكد أن سوريا الغد، لن تكون كاليوم أو الأمس، فإلى أي مصير ستتجه بلاد الشام؟، ربما تحمل الأيام المقبلة إجابة مستوفية عن ذلك.


اضف تعليق