العلاقات المصرية السودانية.. محاولة إنقاذ أخيرة من براثن الانتهازية التركية


١٢ مارس ٢٠١٨ - ٠٨:٤٨ ص بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

على الرغم من التحفظ المصري، على بعض المواقف السياسية الأخيرة لقيادات دولة السودان الشقيقة، وخاصةً في ملف "سد النهضة" الإثيوبي الشائك، والذي يمثل قضية أمن قومي بالنسبة للقاهرة، إلا أنها في الوقت ذاته، تعد بحاجة ماسة للتقارب مع الأشقاء في الخرطوم، في ظل توغل تركي، داخل القارة الأفريقية، ربما يغير الكثير من المواقف السياسية، لدول القارة السمراء عمومًا، والسودان خصوصًا، بعد سنوات طويلة، سعت خلالها مصر وعدٌ من دول الخليج العربي، إلى دعم أفريقيا، اقتصاديًا وعسكريًا، ليأتي دخول أنقرة إلى عمق القارة، ليربك كافة الحسابات، وربما التوازنات خلال الفترة المقبلة، خصوصًا في حال فشلت الجهود المصرية والعربية في احتواء الموقف.

التوغل التركي في أفريقيا.. تاريخ من الانتهازية السياسية


منذ قدوم حزب "العدالة والتنمية" إلى سدة الحكم في تركيا، وهو معروف بخلفيته الدينية الإسلامية، وهو يسعى لإحياء هوية عثمانية، جعلت البعض يلقب "أردوغان"، أحد أبرز رموز الحزب، ورئيس الحزب حاليًا، بـ"الخليفة"، في إشارة إلى الخلافة العثمانية، التي حكمت المنطقة العربية، حتى عشرينيات القرن الماضي.

وفي سبيل ذلك، سعت الدولة التركية، بقيادة أردوغان، لتوسيع نطاق نفوذها، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بشكل مباشر، عبر أنظمة وحكومات، تتفق معها أيديولوجيًا، مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إبان حكم الرئيس المعزول "محمد مرسي"، أو بشكل غير مباشر، عبر جماعات وميليشيات مسلحة، مثلما هو الحال في سوريا حاليًا.

وبالرغم من هذا، لم تكتفي أنقرة بذلك، بل واصلت التوغل، لتصل إلى عمق القارة الأفريقية، في مسعًا، لسحب النفوذ المصري والعربي منها، وكانت البداية من الصومال، حيث قدمت لها أنقرة، في عام 2011، العديد من المساعدات المادية والعينية، في محاولة لانتشالها من الجفاف والمجاعة، وحمايتها من ويلات الإرهاب.

في هذا السياق، يستعرض تقرير أعدته "هيئة الإذاعة الوطنية العامة في أمريكا"، أشار إلى أن تركيا، تمتلك جملة من الدوافع الثقافية والاقتصادية والجيوسياسية، تسعى من خلال لتعزيز موقعها ومكانتها داخل القارة السمراء، فخلال السنوات الـ 15 الأخيرة، بلغ حجم التجارة التركية في القارة الأفريقية نحو 6 أضعاف، لتصل إلى 17.5 مليار دولار.

وأضاف التقرير، أن تركيا لديها في الوقت الحالي أكثر من 40 سفارة داخل القارة السمراء، كما تقوم بتسيير رحلات جوية لأكثر من 50 وجهة أفريقية، وليس هذا فحسب، ففي الخريف الماضي، افتتحت أنقرة قاعدة العسكرية الأولى في أفريقيا، داخل الصومال، وهي القاعدة التركية الأكبر خارج البلاد.

وينقل التقرير عن "سيدات أيبار"، مدير مركز أبحاث إفريقيا في جامعة أيدين بإسطنبول، أن الحكومة التركية، باتت مهتمة حاليًا، بما وصفه "إعادة تنشيط الذاكرة التركية"، والتي تحمل دلالة على الأراضي الأفريقية التي كانت واقعة تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، حتى أواخر القرن التاسع عشر، الأمر الذي دفع أنقرة لترميم المواقع الإسلامية التي تعرضت للدمار في جزيرة سواكن السودانية، والتي استحوذت عليها تركيا مؤخرًا، بعد اتفاق مع السودان.

وتدرك تركيا الحجم الاقتصادي الضخم في القارة الأفريقية، كونها تمتلك موارد طبيعية، كانت في السابق الذريعة الرئيسية والحقيقية للنزاعات الاستعمارية، خلال القرون الماضية، والتي بمقدروها أن تفيد القطاع الصناعي التركي، لغناها بالنفط والغاز، وعلى الجانب الآخر، تحتاج القارة السمراء إلى دخل جديد، وبنية تحتية متطورة، فضلًا عن فرص عمل لأبناء شعبها.

مكمن الخطر التركي الجديد الآن، أصبح في استحواذها على جزيرة "سواكن"، بغرض إعادة تطويرها، كما يروج في وسائل الإعلام، إلا أن المغزى الحقيقي، وفق تحليلات سياسية وعسكرية عدة، تسعى لإيجاد موطئ قدم للأتراك في البحر الأحمر، الذي يشكل عصب الحركة التجارية الدولية، فضلًا عن تأثيراته العسكرية، وتوابعه على التوازنات الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط، وهو ما أدركته القاهرة، فسعت لتقارب جديد مع السودان، يذيب خريف الخلافات التي نشبت بين البلدين، بسبب الإثارة المتعمدة لقضية "حلايب وشلاتين"، فضلًا عن الموقف السوداني الغامض من أزمة "سد النهضة"، إضافةً تناول بعض وسائل الإعلام، الذي يتسبب في بعض الأحيان، في توتير العلاقات بين الدول.

تدخل مصري عاجل لإنقاذ العلاقات مع السودان



لم تكن زيارة اللواء "عباس كامل"، مدير المخابرات العامة المصرية بالوكالة، الأخيرة إلى الخرطوم، إلا من منطلق شعور مصري قوي، بحصار تركي نافذ، في عمق المنطقة الأفريقية، وصل حدوده إلى الشقيق التاريخي لمصر، المتمثل في السودان، حيث التقى المسؤول المصري بالرئيس السوداني "عمر حسن البشير"، ونظيره السوداني "صلاح عبد الله (قوش)"، وكذلك وزيري الخارجية والدفاع "إبراهيم غندور" و"عوض بن عوف".

وأثمر التقارب المصري عن عودة السفير السوداني "عبد المحمود عبد الحليم" مجددًا إلى القاهرة، بعد فترة من الغياب بسبب الخلافات الأخيرة.

تصريحات الجانبين المصري والسوداني، تشدد على ضرورة توحيد المواقف بين الشقيقين، وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، وفي ذلك أشار السفير السوداني، أن اللقاء الأخير الذي جمع الرئيسين المصري والسوداني السيسي والبشير، أكد على ضرورة إعادة العلاقات المصرية- السودانية مرة أخرى إلى طبيعتها، وتم خلاله تشكيل اللجنة الرباعية بين القاهرة والخرطوم وتضم وزيري خارجية البلدين وكذلك رئيسي المخابرات لحل المشاكل العالقة بين البلدين.

وأضاف السفير السوداني، أن لقاء وزيري الخارجية المصري سامح شكري ونظيره السوداني بروفيسور إبراهيم غندور، على هامش اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية مؤخرًا، كان ضمن خطوات المتابعة لمخرجات الاجتماع الرباعي.

وبشأن ملف "سد النهضة"، أكد "عبد الحليم"، أن السودان لا يقف ضد مصر ولا مع إثيوبيا في ملف سد النهضة، وإنما يقف مع مصالح السودان.

أما عن سبب توتر العلاقات المصرية السودانية، فمن وجهة نظر السفير أوضح أن "الإعلام المنفلت"، وما أسماه "عدم الشفافية"، قد يكونا السبب في ذلك.

التصريحات السودانية، تبعتها تصريحات مصرية مماثلة، جاءت آخرها أمس، على لسان السفير "محمد العرابي"، وزير الخارجية المصري السابق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري، حيث أكد أن العلاقات المصرية السودانية، ينبغي أن تتجاوز المشاكل والتوترات، وأن تسمو على أي خلافات.

وأشار "العرابي" إلى ارتباط الأمن القومي المصري بالسودان ارتباطًا وثيقًا، مشددًا على ضرورة العمل على إقامة نسيج قوي بين البلدين في ظل وجود رصيد كبير يدعم هذه الفكرة وتلك الاستراتيجية.

موقف خليجي قوي


عبر عددٌ من الدول الخليجية عن استيائها من التدخلات التركية في شؤون دول المنطقة، ومحاولة إيجاد نفوذ جديد لها، على أساس "الهيمنة العثمانية" القديمة، وهو ما استدعى ردة فعل، ربما ليست بالعنيفة بعد، وإنما تحمل دلالات وإشارات، الهدف منها تحجيم التمدد التركي في الشرق الأوسط.

فمن خلال تغريدات على موقع "تويتر"، أشار "أنور قرقاش"، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنه "لا يخفى على المراقب أن العلاقات العربية التركية ليست في أحسن حالاتها، ولعودة التوازن، على أنقرة أن تراعي السيادة العربية وأن تتعامل مع جوارها بحكمة وعقلانية"، مضيفًا، أن "التعرض للدول العربية الرئيسيّة ودعم حركات مؤدلجة تسعى لتغيير الأنظمة بالعنف لا يمثلان توجها عقلانيا نحو الجوار، وأنقرة مطالبة بمراعاة سيادة الدول العربية واحترامها".

وفي خطوة سعودية، وإن كانت بشكل غير رسمي، قررت مجموعة "إم بي سي"، المملوكة لشخصيات سعودية، إيقاف عرض المسلسلات التركية المدبلجة، فيما اعتبره مراقبون رسالة سعودية لتقويض “القوة الناعمة” التركية في العالم العربي.

الخلاصة

النفوذ التركي المتزايد في منطقة الشرق الأوسط، أضحى خطرًا، ولم يعد السكوت عليه في محله، في ظل أيديولوجية، تسعى للهيمنة، وإلغاء الآخر، وما وجودها داخل الأراضي السورية، وقبلها في العراق عنا ببعيد، والذي بدأ يطرق أبواب القارة الأفريقية، وسواحلها الاستراتيجية، بشكل لم يعد محض صدفة، وإنما مصالح وسياسات، تسعى لإعادة "الأمجاد العثمانية" من جديد.


اضف تعليق