العراق نقطة ارتكاز للقرن الأمريكي الجديد


١٢ مارس ٢٠١٨ - ١٢:٠٣ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

يحظى الشرق الأوسط بأهمية كبيرة في السياسة الأمريكية؛ ورسم استراتيجياتها المستقبلية؛ لاعتبارات كثيرة، أهمها ثرواته النفطية والمعدنية، وجغرافيته إذ يُعد قلب العالم، وحلقة الوصل بين البحار والمحيطات.

ولم يكن اهتمام الولايـات المتحـدة الخاص بالعراق وليد المرحلة الآنية، بل بدأ منذ ظهـور الـنفط في العراق، واهتمامها بثروته الوفيرة المتعددة وخاصة النفطية، وذلك ليس لقلـة الكميـات الموجـودة في أراضـيها، وإنمـا للتطـور الصـناعي الأمريكي الممتـد الـذي أخـذ مـديات واسعة بحيث أكدت الدراسات المستقبلية الحاجة الأمريكية للنفط، ما دعاها إلى التفتيش عن مصادر أخرى، تخدم طموحاتها في السيطرة على مصادر الطاقة في العالم.

وبعد احتلال العراق في 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والحـديث عـن عـراق جديـد، يختلـف عـن السـابق في الفكـر والعقيـدة والتوجـه هذا الأمر، مما يعني أنه أصبح للعراق دور جديد في علاقـته بأمريكا وتغير شكل التوافق السياسي وتلاقي المصالح الاستراتيجية التي ترسمها الخطط الموضوعة من قبل وزارة الـدفاع الأمريكيـة، إذ كان للعراق دور محوري فيها بحكم موقعه الاستراتيجي وثرواته التي ستوظفها الولايات المتحدة لمصلحتها.

وأخذت الرؤية الأمريكية نحو العراق منحى جديدا وخصوصا بعد أحداث ١١ أيلول وبالذات في عهـد رئاسـة جـورج دبليـو بـوش مصـحوبا بالمحـافظين الجـدد الـذين بشـروا حـتى قبـل تـوليهم الأمـور بقـرن أمريكي جديد تكون السيطرة المطلقة فيه لقوة عظمى واحدة فوق الجميع وهي الولايات المتحدة .

الأطماع الاقتصادية

ويعد الدافع الاقتصادي، من أبرز الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة لاحتلال العراق، الذي يرقد على خزين هائـل مـن النفط، من المقدر له حسب خبراء النفط الاحتفاظ بالبرميل الأخير في العالم تحـت أراضـيه بعـد مـا يتجاوز المائة عام بعد أن تنضب النفوط العالمية.

وللمعادلة وجهان يصبان في رافد واحد، بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، وآخر طامع في السيطرة على نفط غيره، ولتحقيق ذلك على أمريكا أن تحوز على نفط العراق (لتصحح المعادلة ) وفق النظرة الأمريكية.

وتقدر نسـبة الاحتياطـات النفطيـة العراقيـة الثابتـة بــ112.5 مليـار برميـل ، وهـو مـا يعـادل ١٢% مـن مجمـل الاحتيـاطي العـالمي، في حـين يـرى بعـض الخـبراء أن العـراق لـو اسـتأنف التنقيـب عـن الـنفط لأصبح يملــك ضــعف احتياطاتــه الحاليــة، إذ توقفــت أعمــال التنقيــب بــدءا مــن عــام ١٩٨٠، ولم يســتطع العــراق استئناف التنقيب بعد تلك الفترة بسبب حربي الخليج الأولى، والثانية، والحصار الدولي الذي فرض عليه.

ويتميز النفط العراقي بتكلفـة إنتـاج منخفضة كثـيرا بالقيـاس لغـيره مثـل النفط الأمريكي أو نفط بحر الشمال، فتكلفة إنتاج برميل الـنفط العراقـي تـتراوح بـين (٧،٠ - ١) دولار، في حين تصـل في بحـر قـزوين إلى مـا بـين (٧- ٨) دولارات، وفي الولايـات المتحـدة تصـل لأكثر مـن ١٠ دولارات.

في حين انخفض إنتــاج الولايــات المتحــدة للــنفط بشكل ملحوظ إذ بات يهــدد اقتصـادها وقوتها، فبعـد أن كانـت تنـتج عـام ١٩٥٠ نحـو ٥٢% مـن الإنتـاج العـالمي، تراجـع في السـنوات القليلـة الماضـية إلى ١٠% فقـط، وصـاحب ذلـك ارتفـاع شـديد في معـدل الاسـتهلاك النفطـي.

وفي المقابل تستورد الولايات المتحدة ما يقرب من ٦٠% من احتياجها النفطي، كما تستهلك وحدها ٢٦% مـن الاسـتهلاك العـالمي للـنفط، بالمقارنـة مـع اليابـان ٧% الصـين، ٦% ألمانيـا٦,٣%، روسـيا ٣,٣%، المملكة المتحدة 2.2%.

ويوصف الاحتياطي النفطي الأمريكي بالقليل، إذ مـن المقـدر نضوبه بعد ربع قرن، وبالتالي فإن الدولة التي تستهلك سبع الإنتاج العالمي، لا بد ان تبحث عن مصادر طاقة تؤمن حاجتها المتزايدة للنفط في ظل فشل معظم منـابع البحـث عـن طاقـة بديلـة للـنفط لتحـل أزمــة القــوى الغربيــة الــتي تشــعر أنها رهينــة لمــوارد الــنفط الموجــود في منــاطق (مناوئــة) للسياســات الغربيــة والأمريكية.

وهنـا فإن احـتلال العـراق سـيحقق اكثـر مـن هـدف، للولايـات المتحـدة حيث يؤمن لها مصدر نفطيا هائلا ورخيصا، ويذهب معظم الدخل النفطي للشركات الأمريكية التي حظيت بعقود استثمار في العراق.

وبحساب بسيط إذا كان سعر برميل النفط خمسين دولارا أمريكيا فإن قيمـة الـنفط العراقـي ستصـل إلى مـا يقـارب ٦ تريليـونات دولار، ومعظمهـا مـن المفترض أن يذهب إلى رصيد الشركات الأمريكية.

ومن جهة ثانية والأهم على المدى البعيد، فإن السيطرة على العـراق تجعل الولايـات المتحـدة مؤثرا رئيسـا في تحديـد أسـعار الـنفط مـن خلال تعزيز قدرتها في ممارسة الضغوط على الدول الكبرى المنتجة للـنفط في منظمـة الأوبـك، فهـي تـتحكم في إنتـاج الـنفط العراقـي وبالتـالي تسـتطيع ان ترفعـه مـتى مـا دعـت الحاجـة إلى ذلـك أو تخفضـه مـتى رغبت.

وستساوم به الدول الأخرى المنافسة لها وخصوصا الصين التي تشير كل الدراسات إلى تصاعد احتياجها النفطي في ظل ارتفاع معدل النمو بما يتراوح بين ٨- ١٠%، وهنا فإن الصين التي يرتفع استهلاكها السنوي للنفط بمعـدل 1.5- ٢% سـتكون بحاجـة إلى مصـادر نفطيـة جديـدة لسـد الاحتياجـات، ولذلك نجد أنها أبرمت اتفاقيات تجارية مع المملكة العربية السعودية لتأمين احتياجها من النفط.

وتبعـا لـذلك فإن السـيطرة علـى الـنفط مسـألة بالغـة الأهميـة للـتراكم العـالمي كمصـدر للطاقـة ووسـيلة للتحكم في المنافسين الدوليين وقيمـة مضـافة للتـداولات محملـة بـالعلم علـى السـلعة الأوليـة.

وهنا شرطان أساسيان لا بد أن يتباينا حتى يفيا بأهداف الاحتلال الأمريكي للعراق، وهما:-

على الصعيد العالمي إذ ستتمكن الولايـات المتحـدة مـن السـيطرة علـى آبـار الـنفط لفـترة مقبلة، وجعلها بوضـع تنافسـي أفضـل في مواجهـة شـركائها في العـالم الغـربي.

وهنا يتضح الدور الاستراتيجي للعراق في خطط أمريكا بالشرق الأوسط، والذي سيحقق المشــروع الأمريكــي ذاتــه، والدور الجديــد المرســوم للعــراق كنقطــة ارتكــاز في اســتراتيجيتها "للقرن الأمريكي الجديد".

ويرى المحلل الاستراتيجي الأمريكي مايكل هدسون أنه سـيكون للعراق دور إيجـابي علـى صـعيد الاسـتراتيجية الأمريكيـة في المنطقـة والعـالم أجمـع، إذ سيكـون نقطــة بــدء وتجربــة تعمــم في الشــرق الأوســط بهدف تحويــل مجتمعاتــه إلى (ديمقراطيـة) علــى المســتوى السياســي و(ليبرالية) على المستوى الاقتصادي وأن أمريكا لم تأت إلى العراق ليومين ثم ترحل أو حتى تنهزم أو حتى تستسـلم وتسلم الراية للآخرين، هذ ما أكده بـوش في كلمته امام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم ١٩ أيلول ٢٠٠٦ إذ قال: "إن مهمتنا لم تنته ونقول للشعب العراقـي إننـا لـن نـترككم ولـن نتخلـى عـنكم في بناء أمة حرة".

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن: ما الدور الذي يمكن للعـراق الجديـد أن يؤديه في الاستراتيجية الأمريكية؟

أن تحليلنا يكشف أن الاحتلال الأمريكي للعراق هو بالأساس يعد تطبيقـا لاسـتراتيجية الأمـن القـومي الـتي تبنتهـا إدارة الـرئيس بـوش في أيلـول ٢٠٠٢، وتطبيق مبدأ الضربات الوقائية، بحيث يمكن القول إن العراق كان ساحة الاختبار المهمـة لهـذه الاسـتراتيجية الجديــدة، فــإدارة بــوش تســعى إلى اســتغلال احتلالهــا للعــراق في تحقيــق أهــداف تجاوزت الســياق العراقــي الضيق، وسـيحقق لهـا أهـدافا تتـداخل معهـا وفـق العمليـة المعقـدة الملامـح المرسـومة لـدور العـراق الجديـد، وذلك باحتفــاظها بوجــود عســكري في العراق ســيحقق لها أهــدافا سياسية وعسكرية واقتصادية، وسيكون له دور محوري في تحقيق تلك الأهداف.

ويقـوم جـوهر الرؤيـة الاسـتراتيجية الأمريكيـة على أن التغيير الذي حصل في العراق، كان مجـرد خطـوة أولى لإعادة ترتيــب الأوضــاع في الشــرق الأوســط.

ويكـون العـراق في هـذه الحالـة نمـوذجا للدول العربية والشرق أوسطية التي تهدد أو تتعارض مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة.

وعليه يكون دور العراق مرتكزا لقواعـد أمريكيـة ثابتـة وعلـى المـدى الطويـل قاعـدة مهمـة للانطلاق الأمريكي نحو تحقيق أهدافها في المناطق الأخرى. وبمعنى آخر فإن العراق سـوف يشـكل مـوطئ قـدم رئـيس للولايات المتحدة الأمريكية.

ويمثل العراق القاعدة الأمريكية المهمة في المنطقة، وللمرة الأولى في تاريخه يرتبط بنوع من التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بعـد أن ظـل العـراق بعيـدا عـن الأحـلاف الأمريكيـة.

وهنـا فإن يكون دور العـراق أداة قوة وضـغط بيـد الولايـات المتحـدة على الـدول الأخـرى سواء كانت نفطية ام غير نفطية.

ويرى خبراء مختصون تأثير دور العراقي في تنشــيط الاقتصاد الأمريكي من خلال عمليات إعادة الإعمار والاستثمارات، ولكـن هـذا الـدور سـيبقى مرتبطـا ومرهونـا بمـدى التقـدم الأمريكـي في العـراق، ومـدى نجـاح الولايـات المتحـدة في إعـادة الأمـن المنشـود وتحقيـق الرفاهيـة الاقتصـادية للعراقيين، وكسب ودهم ورضاهم من خلال الوفاء بالوعود التي قطعتها الإدارة الأمريكية على نفسها، وإلا فإن المشروع الأمريكـي سيفشـل فشـلا ذريعـا في العـراق، وقـد يلحـق الفشـل في المنـاطق الأخـرى.

ويؤكد الخبراء أن بقـاء الأوضـاع كمـا هـي عليـه الآن في العـراق سيشـكل عقبـة كـأداء أمـام المشـروع الأمريكـي، وسـيتحول دور العـراق الجديـد مـن دور إيجـابي لخدمـة الاسـتراتيجية الأمريكيـة إلى دور سلبي كابح للمشروع الأمريكي، القـائم علـى الهيمنـة الأمريكيـة المنفـردة علـى العـالم المصـحوبة بالتبعيـة والانقيـاد مـن قبـل الآخــرين للرغبــات الأمريكيــة، وتحقيــق الأهــداف الكونيــة عــبر القــوة كوســيلة لتحقيــق الهــدف عوضــا عــن الدبلوماسية الفاشلة الـتي يـرى فيهـا المحـافظون الجـدد أنها عـائق أمـام الهيمنـة الأمريكيـة.

وعليه سيكون مستقبل الوضع الأمريكي في العراق، كما خططوا له ســاحة عمليــات لتطبيــق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بالشرق الأوسط، واختـير العـراق ليكـون هـو تلـك السـاحة لأكثر من سـبب أو حجـة، ولتحقيـق أكثـر مـن مصـلحة.

فـالعراق بموقعـه الاسـتراتيجي المهـم وبثروتـه الاقتصـادية النفطيـة الهائلـة، يشـكل مغنمـا مهمـا للولايـات المتحـدة، ولأن هـذه الأخـيرة لا تختـار إلا السـاحات المهيـأة عمليـا لتقبـل الصـدمات فقـد اختـارت العـراق المنهـك بسـبب الحصـار الـدولي منـذ ١٩٩١ والمـدمرة أسـلحته بسـبب قـرارات مجلس الأمن بعد حرب الكويت، فقد نجحت الولايات المتحدة في أولى الخطوات فقامـت بـاحتلال العـراق لتنتقـل إلى تحقيق مطامعها التوسعية والاقتصادية في المنطقة.

ومـن هنـا رسـم للعـراق الجديـد هـذا الـدور الجديـد ولكـن هـذا الـدور بقـي مرهونـا بمـدى النجـاح الأمريكـي في الداخل العراقي.

الربيع العربي في بعض الدول العربية يحقق الاستراتيجية الأمريكية

استطاع الربيع العربي أن يحقق بعض ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي تطمح إليه أمريكا، إذ إن الدول التي طالها الربيع العربي، ما زالت تعاني صراعا داخليا ومشاكل سياسية واقتصادية وأمنية، كما هي الحال في سوريا وليبيا ومصر مثلاً، وفي ظل هذا الصراع القائم في هذه الدول ستتمكن أمريكا من تسيير سياسات هذه الدول بما يتوافق ومصالحها في المنطقة.

ومع وصول دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية بلغت خطورة السياسة الأمريكية في المنطقة ذروتها؛ لأن ترامب يصنف ضمن اليمين المتطرف، وتكمن خطورة هذا الرجل في اعتماده على استراتيجيتين رئيسيتين:-

الأولى: وهي الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأموال الخليجية بشكل مباشر أو غير مباشر كما حصل في صفقة الأسلحة والاتفاقات والاستثمارات التجارية مع السعودية والتي تجاوزت 400 مليار دولار أمريكي.

الثانية: وهي الأخطر والتي تتمثل بإدامة زخم الصراع الطائفي والمذهبي في المنطقة، مما يعني تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة عملياً من خلال صراع سني سني، وشيعي شيعي، وصراع أوسع شيعي سني.


المصدر: شذى خليل - مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية



اضف تعليق