مذبحة"ماي لاي".. الوجه القبيح للجيش الأمريكي


١٦ مارس ٢٠١٨ - ١١:١١ ص بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل

اختلفت المسميات ولكن الهدف واحد في النهاية "الإبادة"، حالة من التعطش للدماء تصيب الجنود في المعارك لا تهدأ إلا بعد الارتواء، ولكن للأسف ليست أرض معركة عادلة فالطرف الآخر أعزل لا يملك حتى أقل الأسلحة للدفاع عن النفس، وكيف يحملوا السلاح وهم في نهاية الأمر أطفال ونساء وشيوخ وقفوا أمام الرصاص منتظرين الإعدام وفي أعينهم سؤال واحد ماذا حدث ؟.

قرويون عزل




تحت عنوان" مهمة لمواجهة تجهيزات يقيمها أعداؤهم الفيتناميون" قامت القوات الأمريكية في صباح يوم 16 مارس عام 1968 بقتل من 300 إلى 500 قروي عزل معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن بقرية "ماي لاي" بفيتنام بعد أن أشعل النار في منازلهم، بعد أن أصدر الملازم الأمريكي "ويليام كايلي" الأمر إلى جنوده بتطويق القرية، لتنتهي قرية خلال 4  ساعات هي مدة الهجوم.

لا شيء يتحرك




عندما انسحبت الكتيبة بعد ثلاث ساعات من الإبادة، كانت قرية "ماي لاي" في الأراضي المرتفعة جنوب فيتنام قد سويت بالأرض، ولم يعد ثمة شيء حي يتحرك في القرية.

فالجثث غاصت في دمائها، ولم يبق كائن حي  يسير على الأرض حتى الكلاب لم تنج، وشوهدت أعمدة الدخان المنبعثة من الأكواخ عن بعد، أما جثث النساء الشابات فقد بدت بها آثار العنف الجنسي واضحة.

وتراوحت أعداد القتلى من الفيتناميين بين 347 و 504 أشخاص، وفي المقابل لم يتعرض أي جندي أمريكي لمجرد خدش فقد كانوا متعطشين إلى الدماء في مذبحة عمياء.

شعور بالندم




بعد مرور عام ونصف على المجزرة قام الجندي" رينولد ريدنهاور" ببعث رسائل إلى عدة شخصيات ومؤسسات رسمية مبلغًا بذلك عن الملازم "ويليام كايلي" كاشفًا عن فظاعة المجزرة، لتقوم  بعد ذلك وسائل الإعلام بكشف القضية وبنشر صور الضحايا.

"كالي" هو الأمريكي الوحيد الذي حوكم لإدانته بارتكاب مجزرة فقد أصدرت المحكمة العسكرية الأمريكية حكما بالسجن مدى الحياة لكن افرج عنه بعد ثلاث سنوات إثر تدخل من الرئيس الأمريكي حينها "ريتشارد نيكسون" حيث منحه عفوًا خاصًا.

في  عام 2009  خرج "وليام كالي" الضابط المسؤول عن ارتكاب مجزرة "ماي لاي" إلى وسائل الإعلام ليعرب عن ندمه لتورطه في قتل مئات المدنيين الفيتناميين، بعد أكثر من 40 عامًا على وقوع المذبحة.

وقال "كالي" أمام أعضاء نادي "كيوانيس" بلاية جورجيا الأمريكية:"لا يمر يوم دون أن أشعر بالندم على ما جرى ذلك اليوم في ماي لاي".

وأضاف "أشعر بالندم تجاه الفيتناميين الذين قتلوا وعائلاتهم والجنود الأمريكيين المتورطين وعائلاتهم. إنني أشعر بندم شديد".

وقال "كالي" حينها إنه تلقى أمرا بتنظيف القرية للاشتباه في أنها معقل حركة التمرد الشيوعي لكنها في الحقيقة كانت تعج بالنساء والأطفال والمسنين العزل.

وبعد إطلاق سراحه أقام "كالي" في "كولومبوس" حيث عمل في محل مجوهرات يملكه حماه ويقيم حاليًا في جورجيا.

وقد حوكم الضابط الذي كان يأمره حينها الكابتن إرنست مدينا أيضا في إطار هذه القضية لكنه بريء عام 1971.

لا نريد فيتنام أخرى




 كتبت مجلة "تايم" الأمريكية عقب الكشف عن هذه المذبحة  تقول: "تحمل الضمير الأمريكي وضمير الأمريكيين وطأة الاحساس الثقيل بالذنب عما حدث في "ماي لاي" أمر لا فكاك منه".

لكن الأمر تطلب ست سنوات أخرى قبل أن يفر الأمريكيون أخيرا في هلع من فيتنام على متن مروحيات من على أسطح ثكنات السفارة الأمريكية في أبريل عام 1975.

وعن هذا المذبحة يقول أبرز مهندسي تلك الحرب والمدافعين عنها وزير الدفاع الأمريكي السابق في الفترة من 1961 حتى عام 1968 "روبرت ماكنمارا" عن حزنه وهو يتذكر الماضي لكنه لم يبد ندما على الحرب.

وتساءل ماكنمارا : "هل هذا ما نريده للقرن الـ 21 ؟ .. إذا كنا نريد أن نتحاشى ذلك فإن علينا أن نتعلم من أخطائنا في القرن الماضي. وقد كانت فيتنام واحدة من تلك الأخطاء".

وكل تورط عسكري أمريكي في الخارج تواكبه تحذيرات: "لا نريد فيتنام أخرى" هكذا صاح العام الماضي السيناتور "إدوارد كنيدي" واصفا العراق بأنه "فيتنام جورج بوش" .

صداقة على دماء الضحايا

 اليوم تجمع أكثر من 1000 شخص في فيتنام، في الذكرى الخمسين لمذبحة "ماي لاي" ليصيح "دانغ نغوك دونغ"، المسؤول في المنطقة، في مراسم الاحتفال بذكرى المذبحة  قائلا: "إن "ماي لاي" كانت حالة نموذجية "للجرائم الوحشية التي ترتكبها قوات عدوانية وعدائية خلال الحرب"، وعلى الرغم من تجنبه ذكر اسم الولايات المتحدة إلا أنه دعى إلى تنحية  الماضي جانبا وإقامة صداقة مع البلدان الأخرى لبناء مستقبل أفضل يمكن أن يزدهر فيه السلام والسعادة.

ويأتي الاحتفال بذكرى المذبحة، فيما تعد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وفيتنام هي الأقوى منذ تطبيع العلاقات عام 1995، كما أن الولايات المتحدة الآن واحدة من أكبر الشركاء التجاريين والمستثمرين لفيتنام، وتوسعت العلاقات بينهما لتشمل أيضا الأمن والدفاع.



اضف تعليق