سيوة (2).. لا توقظ الموتى!


١٩ مارس ٢٠١٨ - ٠٢:٤٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

"بلدي بلد الآثار، مشهورة بالزوار، فيكي رحلة سفاري مشهورة بالأمان، شتا ولا صيف في إكرام للضيف، يا محلا طلعة شمسك بتفتح النوار".. فوق هضبة أغورمي يقع معبد الوحي الذي بني عام 662 قبل الميلاد في عهد الملك أمازيز أحد ملوك الأسرة 26 ليكون مركزا لعبادة الإله آمون.
 
أراد قمبيز ملك الفرس -الذي غزا مصر عام 525 قبل الميلاد- أن يقضي على كهنة آمون ومعبدهم، فأرسل جيشا من طيبة إلى منطقة الخارجة، وسُئل كهنة سيوة عن الجيش، فكان ردهم أن "نبوءة الإله آمون انتقمت ممن أرادوا تحطيم معبده، فأرسل إليهم ريحا عايتة ردمتهم تحت رمالها".
 
صدقت النبوءة ودفن جيش قمبيز المكون من 50 ألف جندي في الرمال وهم في طريقهم لغزو المعبد للقضاء على عبادة الإله آمون، ولم يعثر أحد على أثره حتى اليوم. وازدادت من بعدها شهرة المعبد الذي كان يضم أكثر من ألف كاهن.
 
أنها بقايا معبد آمون أو معبد "التنبؤات"، الذي تم هدمه وأخذ حجارته لبناء المسجد الكبير في الواحة، ويقال: إن العرّاف اليوناني الشهير آمون كان يعيش فيه، فتوجّه إليه الإسكندر الأكبر مباشرة بعد وصوله إلى مصر للمرة الأولى عام 331 قبل الميلاد، ليحصل على مباركته. ويعتقد الكثيرون أن القائد المقدوني قد سأل عرّاف المعبد عما إذا كان "سيحكم العالم"، وكانت إجابة الكاهن "نعم، لكن ليس لفترة طويلة".
 
على بعد أمتار، نصعد إلى قدس الأقداس، المكان المخصص للكاهن الأكبر، نسير على خطى القائد المقدوني الإسكندر الأكبر، نقتفى آثار أقدامه، عندما وصل إلى المعبد فوجد الكهنة يلوحون للشمس بأذرعهم. هنا دخل الإسكندر مشغولا ثم خرج مبتسما رافضا أن يبوح بما سمعه، لكنه بعدها نودي بالإسكندر ابنا للإله آمون وفرعونا على مصر.
 
لا توقظ الموتى!


توقف قليلا واتعظ من جلال الموت ورهبته، فأنت على جبل الموتى، تصعد بقدميك فوق رفات الراحلين السابقين، هنا رفات من مروا قبلنا، عبر آلاف السنين، تتخيل يوم توارى الثرى جوارهم.

مجرد صدفة حدثت عام ‏1944‏ أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت سببا في اكتشاف تلك "الجبانة" الأثرية، عندما لجأ أهالي سيوة للاحتماء بالجبل فاكتشفوا تلك المقابر المتجاورة. جبل مخروطي الشكل ارتفاعه ‏50‏ مترا، يتكون من تربة جيرية كانت المرفأ الأخير لأجساد من رحلوا‏.

‏الجبل بأكمله عبارة عن مقابر للموتى منحوتة على شكل خلية نحل من الحجر، على هيئة صفوف منتظمة ومتتالية بشكل هندسي يشبه شكل الواحة القديمة، و‏يرجع تاريخه إلى الأسرة ال‏ـ26‏ ويمتد إلى العصر البطلمي والروماني. بين الفن المصري القديم والفن اليوناني، جاء تصميم هذه المقابر، التي يوجد بعضها على عمق كبير، وكل مقبرة عبارة عن دهليز بشكل مستطيل ينتهي إلى فناء واسع مربع، يتفرع منه مجموعة فتحات مخصصة لوضع الموتى.
 
على أعلى الجبل يمكنك مشاهدة لوحة رائعة الجمال للواحة القديمة، تسكن في هدوء ودعة. أما أجمل المقابر الموجودة حتى الآن فهي مقبرة سي آمون، وهو أحد الأثرياء الاغريق الذي كان يتبع الديانة المصرية القديمة،‏ وعاش ودفن في سيوة طبقا لتلك الديانة. وتتمتع هذه المقبرة بمجموعة من النقوش البارزة وتضم رسما يمثل الإلهة نات وهي واقفة تحت شجرة الجميز‏. ‏


مقبرة أخرى أطلق عليها اسم مقبرة التمساح، نسبة للرسوم المنقوشة عليها التي تمثل شكل تمساح أصفر اللون يمثل الإله سوبيك، وتمثل هيكلا أشبه بكهف مكون من ثلاث حجرات ولم يتم التعرف علي صاحب هذه المقبرة حتى الآن‏.‏ ومقبرة أخرى تسمى ثيبر باثوت وهي مزينة برسومات ونقوش ساحرة مصبوغة باللون الأحمر الذي يغلب على الأواني الفخارية المستخدمة في سيوة حتى الآن ويرقد في تلك المقبرة تابوت حجري موضوع على أرضية غرفة الدفن‏.‏
 
من جبل الموتى إلى بحر الرمال كانت وجهتنا، في السفاري يتسع أمامك الأفق، فإن ضاقت نفسك فعليك بالخروج إلى الصحراء الشاسعة. هنا بداية البحر العظيم، حيث الرمال البيضاء الناعمة، برودة لذيذة تحت أشعة الشمس الحارقة، تشعر بها عندما تمسك الرمال بيديك. داخل عربات الدفع الرباعية المجهزة للسير في الصحراء، تسير السيارات في سرب واحد، لا يتخلفون عن بعضهم، حتى إن غياب أحدهم يستدعي أن ينتظره الآخرون. هذا السرب يختار له قائدا مسئولا عنهم، غالبا هو أقدمهم في المهنة.

تتوقف السيارات بعد رحلة مثيرة تعلو وتهبط فوق المرتفعات الرملية التي يتغير شكلها دائما بفعل الرياح، لهذا لا يعتمد السائقون على شكلها ليهتدوا إلى طريقهم. نبدأ في التزلج على الرمال، حتما يسقط أغلبنا دون النجاح في التحكم على "البوورد".  

من الرمال العالقة في ملابسنا، نغتسل في إحدى العيون الكبريتية الساخنة التي تصل درجة حرارتها إلى 50 درجة مئوية، تسترخي عضلاتك وسط المياة المندفعة من باطن الأرض، لتطيب بشرة جسدك المنهكة.
 
المدينة القديمة


أنشئت سيوة في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، وكان مكانها الأول على الأرجح هو أغورمي قرب معبد آمون، كما جاء في المخطوطات السيوية، وكان على السكان أن يدافعوا عن أنفسهم ضد الغارات، حيث تضاءل عدد سكان الواحة حتي أصبحوا أربعين رجلا نتيجة لاعتداءات البدو من البربر والعرب، فقرروا ترك قريتهم المعرضة لخطر الغزو، وشيدوا قرية جديدة محصنة فوق جبل، لتحميهم من أعدائهم، وأطلقوا عليها اسم "شالي" وتعني باللغة السيوية "البلدة"، ويرجع تأسيسها كما ورد في المخطوط إلى عام‏ 600‏ هـ‏/ 1203‏ م.
 
كان لشالي مدخل واحد فقط للاطمئنان علي حسن الدفاع عن المدينة إذا هاجمها عدو من الخارج ومازال الباب قائما حتى الآن ويسمى الباب "أنشال" بمعنى باب المدينة، ثم فتح باب ثانٍ في الجهة الجنوبية وسمى الباب "أترات" أي الباب الجديد،‏ وكان يستخدم لرؤساء العائلات الذين يفضلون تحاشي المرور أمام الأجواد، وكانوا يقصدون مجلسهم اليومي على مقربة من المدخل الرئيسي للمدينة.
 
لم يكن الباب الجديد معروفا سوى لأهل سيوة، وهو ما أعطاهم فائدة كبيرة كلما تعرضت مدينتهم لهجوم أو لحصار، فكانوا يستخدمون هذا الباب سرا للخروج أو الدخول‏.‏ وكانت عادة أهل سيوة هو عدم السماح للنساء بالخروج من أسوار المدينة، ولكن مع مرور الزمن كانوا يسمحون لبعضهن بالخروج للمساعدة في العمل أو لنقل ما يلزم من الوقود‏,‏ وكان يتحتم على هؤلاء النساء ألا يعبرن من أمام الأجواد‏,‏ ولذلك استقر الرأي على فتح باب ثالث للنساء بعد مرور قرن من الزمان سمي باب "قدوحة" نسبة إلى صاحب الدار التي تواجهه.
 


كان أهل سيوة يشيدون منازلهم بالكرشيف، وهو طين مأخوذ من الأرض المشبعة بالملح‏,‏ وإذا جف يصبح شبيها بالإسمنت في صلابته ولهذا ارتفعت بعض منازل سيوة القديمة إلى سبعة أو ثمانية طوابق، كما يذكر د. زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق‏.‏
 
هنا نشاهد المسجد العتيق، أهم العناصر المتبقية في شالي، وهو أقدم مسجد أنشئ مع المدينة،‏ على شكل مستطيل وبه مئذنة ضخمة من طراز الصوامع، متشابهة مع مآذن المساجد في المغرب والأندلس.. هنا كانت تنطلق الصيحات بالأذان، وفي أحيان أخرى بالتحذير من عدو خارجي.

لكن تأتي السيول بما لا يشتهي أهل سيوة، لتنهار أجزاء كبيرة من القرية عام 1926، فاضطر الأهالي إلى تركها، لكن أطلالها لا تزال باقية تحمل بين جنباتها حنين السيويين إلى مدينتهم القديمة.  
 
ثلاثة أيام في الجنة، تودع المكان من خلال جولة بالدراجة تطوف بها الواحة، يخرج الأطفال من بيوتهم يلوحون لك بأيديهم ويرددون "هالو" يلحقونها بالسؤال "How are you"، لم يلتحقوا بالمدارس بعد، لكنهم اعتادوا رؤية "الغرباء"، فألفوهم وألفناهم! 


الكلمات الدلالية واحة سيوة سيوة

اضف تعليق