دمشق والغوطة وعفرين.. صراعات دولية ومعاناة إنسانية مستمرة


٢٠ مارس ٢٠١٨ - ٠٤:٤٥ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

ما يزال الوضع الميداني والإنساني في سوريا، يتصدر اهتمامات كافة وسائل الإعلام العربية والعالمية، ولا تزال تبعات ما يُعرف بـ"ثورات الربيع العربي"، تصب ويلاتها فوق رؤوس السوريين، في خضم صراعات دولية، تطمع للنيل من أحد أقوى الأنظمة العربية في المنطقة، والذي طالما تغنى بشعار "محور المقاومة والممانعة"، في خصر العدو الصهيوني، وإن خالف الواقع ذلك.

تعد غوطة دمشق الشرقية وعفرين، أبرز المواقع الملتهبة داخل الساحة السورية، حيث تخوض القوات النظامية في الأولى، معارك تهدف لاستعادتها من قبضة من أسماهم النظام ب"التكفيريين" أو "الإرهابيين"، بدعمٍ مباشر من الحليفين الروسي والإيراني، والمليشيات الموالية لهما على الأرض، فيما يهدف الجيش التركي إلى ضرب "الأكراد" في معقلهم الهام بمدينة عفرين، والتي أعلن الأتراك قبل يومين عن سيطرتهم التامة عليها، فيما يسعى حلفاء "أردوغان" إلى الامتداد بعمق الشريط الحدودي مع سوريا، والذي قد يشمل شمال العراق أيضًا بحسب تصريحات مسؤولين.

عفرين.. احتلال "تركي" وتحذير أممي


قبل يومين، أعلنت تركيا على لسان رئيسها "رجب طيب أردوغان"، عن سيطرة قوات جيشها على مدينة "عفرين" التي كانت خاضعة لسيطرة مقاتلي "حزب العمال الكردستاني"، الذي تصنفه أنقرة كـ"تنظيم إرهابي"، وذلك ضمن عملية "غصن الزيتون"، التي بدأت مع أواخر يناير من العام الجاري، وذلك بدعم من فصائل "الجيش السوري الحر"، الموالي لتركيا.

وعلى هامش احتفالات تركيا بـ"ذكرى شهداء معارك (جناق قلعة)"، صرح أردوغان، بأن "رموز الأمن والسكينة ترفرف في مركز مدينة عفرين بدلا عن أعلام الإرهاب. في عفرين الآن ترفرف الأعلام التركية وأعلام الجيش السوري الحر".

واستنكر "أردوغان" ما وصفه بـ "الادعاءات المتكررة" عن استهدافهم للمدنيين في عفرين، مشيرًا إلى أن قوات بلاده سعت لـ"تطهير" المدينة من "المجموعات الإرهابية"، ولم يكن استهداف المدنيين، إلا أخطاءً غير متعمدة، متعهدًا بإعادة تأهيل مدينة عفرين ومركزها والبنية التحتية فيها، قبل إتاحة الفرصة لسكان المدينة في العودة إلى منازلهم.

اليوم، أعلنت القوات التركية، عن إغلاق مداخل "عفرين" ومخارجها، ومنعت المدنيين وحتى عناصر "الجيش السوري الحر" الراغبين في العودة إلى منازلهم من الولوج إليها، موضحة أنها تقوم حاليًا بما أسمته "إجراءات أمنية غير مسبوقة"، بعد 3 أيام من سقوطها، إبان حملة "غصن الزيتون"، التي انطلقت قبل 8 أسابيع.

لم يكتف النظام التركي بالسيطرة على "عفرين"، وإحلال الإضرابات وأعمال السلب والنهب فيها، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية وعالمية، فتوعد "أردوغان"، بتوسيع نطاق عمليات "غصن الزيتون"، لتطال مدن أخرى في الشمال السوري.

فقد أكد الرئيس التركي أن قوات بلاده، ستواصل الهجوم على عناصر "وحدات حماية الشعب الكردية، بامتداد الحدود السورية التركية، وحتى ولو وصل الأمر إلى شمال العراق، مضيفًا، أن بلاده تستهدف تأمين منطقة تمتد لنحو 400 كيلومتر إلى الشرق من "القامشلي" الواقعة في الشمال السوري.

وعلى الرغم من تشديد "أردوغان"، على قطع "أهم خطوة" في عملية "غصن الزيتون"، إلا أن طموحاته مستمرة بهدف السيطرة على "منبج" و"عين العرب (كوباني)، إضافة إلى مناطق "تل أبيض"، و"رأس العين"، و"القامشلي"، حتى "تطهير" كامل الحدود السورية مع تركيا.


على الصعيد الإنساني، وضعت العمليات العسكرية التركية، سكان مدينة "عفرين"، في حصار، دفعهم إلى الهروب صوب القرى المجاورة، انتظارًا لانتهاء المعارك، والسماح بدخولهم إلى مدينتهم مرة أخرى.

وأشار "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، الذي يتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرًا له، أن العمليات المستعرة في المدينة، تسببت في "فوضى عارمة"، تحاول خلالها "أعداد خجولة"، من المدنيين، العودة إلى منازلهم وأرزاقهم ومحالهم التجارية فيها، وذلك بعد أن فر منها أكثر من ربع مليون مدني.

في غضون ذلك، ناشدت الأمم المتحدة، بتقديم معونات إنسانية عاجلة، بغية وضع حد للوضع الكارثي الذي يحياه عشرات الألوف من سكان مدينة عفرين.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، إن ما يقدر بنحو 100 ألف شخص ما زالوا داخل منطقة عفرين السورية، نصفهم أطفال.

الأتراك في عفرين.. تنديد سوري وقلق أمريكي


قوبلت العملية العسكرية التركية -أو إن شئنا القول: "الاحتلال التركي"، لمدينة "عفرين" السورية- بهجومٍ وتنديدٍ شديد، سواءً من قبل النظام السوري، الذي لا يستحي من التنكيل بشعبه ليل نهار، ومن الأمريكان حلفاء الأمس، وإن كان الأخير قد اكتفى بالإعراب عن قلقه! على غرار المنظمات الدولية، التي لا تحرك ساكنًا، سوى بقليل من الشجب والإدانة، ومساعدات إنسانية تهدف لـ"غسل ماء الوجه" من جرائم، ضحيتها الوحيدة هم المدنيين.

فقد أدانت دمشق، أمس الإثنين، "الاحتلال التركي" لمدينة عفرين، وطالبتها على الفور بالانسحاب منها.

وفي رسالة وجهتها إلى مجلس الأمن الدولي، أعلنت وزارة الخارجية السورية أنها "تدين الاحتلال التركي لعفرين، وما يقترفه من جرائم، وتطالب القوات الغازية بالانسحاب فوراً من الأراضي السورية التي احتلتها".

إلى ذلك، دعت الجالية الكردية في ألمانيا أو (KGD)، قادة أوروبا إلى الوساطة بين أطراف النزاع في عفرين، وصرحت "شاهيت باسار"، السكرتير العام للجالية الكردية في ألمانيا اليوم "إن أوروبا يمكنها كوسيط أن تقلل من تلك المعارك بسرعة كبيرة أو تضع لها نهاية، عن طريق توجيه إشارات إلى أنقرة والمطالبة بتأسيس نظام إدارة ذاتية ديمقراطية في شمال سوريا من جديد".

في سياق ذي صلة، أبدت الولايات المتحدة قلقها، جراء الوضع الإنساني والأمني المتدهور في عفرين، وبخاصة في أعقاب سيطرة الأتراك على المدينة.

فقد صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أمس الإثنين: "نحن أيضا قلقون حيال معلومات عن عمليات نهب داخل مدينة عفرين"، مناشدة كل من تركيا وروسيا والنظام السوري بالسماح لمنظمات الإغاثة الدولية بالوصول للسكان، وإعداد خطة لتوفير عودة آمنة لهم.


أما، تركيا، فقد ردت على "الاتهامات" الأمريكية، بالتأكيد على أنها ستحقق في تقارير عن عمليات نهب قامت بها فصائل موالية لها سيطرت على مدينة عفرين الأحد.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية: إن أنقرة تأخذ هذه التقارير "بشكل جدي" و"تحقق في هذه الحوادث عن قرب وستتخذ الإجراءات الضرورية بشكل واضح"، بدون أن يقدم تفاصيل عن ماهية هذه الإجراءات. وأضاف "بشكل واضح حدث ذلك (عمليات النهب)، بعض الفصائل على الأرجح لم تلتزم الأوامر التي أُعطيت لها من قادتها".

وفي سياقٍ متصل، وجهت أنقرة انتقادًا، يحمل معاني الاستنكار والاستغراب، من التصريحات الأمريكية، بشأن الوضع في مدينة عفرين.

وذكر المتحدث باسم الخارجية التركية، "حامي أقصوي"، أن السلطات الأمريكية لم تدرك بعد سبب عملية "غصن الزيتون"، أو "أنها لا تريد ذلك"، مشيرًا إلى أن العملية، تهدف بالأساس لمواجهة والقضاء على تنظيم إرهابي، وحماية المدنيين في المنطقة.

الغوطة ودمشق.. النظام يضرب وداعش يسيطر


المشهد الختامي، هذا اليوم، يأتي من مدينة دمشق وضواحيها، بالطبع نتحدث بالأساس، عن الغوطة الشرقية، التي تشهد واحدة من أعنف المعارك، منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، قبل أكثر من سبع سنوات.

فالغارات السورية والروسية متواصلة ليلًا ونهارًا، وزخات الرصاص والقذائف والصواريخ، تصب العذاب صبًا فوق رؤوس المدنيين المحاصرين، والعناصر المسلحة، تستمر في اتخاذ المدنيين دروعًا بشرية، وبحسب تقارير أخرى، تمنع خروجهم من الممرات الآمنة "المزعومة" للنظام السوري على أطراف المدينة.

وفي جديد الوضع الميداني، تابعت القوات النظامية عملياتها القتالية ضد تنظيم "جبهة النصرة"، والفصائل المتحالفة معها داخل الغوطة الشرقية، يأتي هذا، في وقت يستمر فيه خروج مجموعات من المدنيين، وفق وسائل الإعلام الرسمية، من خلال المعابر التي وفرها النظام، وتواصل القوات الحكومة تقدمها بشكل ثابت، واستهدفت منذ الأمس، محاور "حزمة" و"عين ترمة" و"زملكا" و"حرستا".

الجيش الروسي من جانبه، أعلن أن العدد الإجمالي للمدنيين الذين تم إجلاؤهم من منطقة الغوطة الشرقية المحاصرة في سوريا ارتفع إلى 79702 منذ بدء عملية إنسانية، وأشارت إلى أن معظمهم من الأطفال.

وأضافت وزارة الدفاع الأمريكية في بيانٍ لها، نقلته وكالة "رويترز"، أن 6046 مدنيا غادروا الغوطة عبر ممرات إنسانية، مساء أمس الإثنين.

وعلى الصعيد الإنساني أيضًا، أفادت وكالة "سبوتنيك" الروسية، أن الجيش السوري، قدم مساعدات إنسانية لأهالى الغوطة الشرقية بالتعاون مع مركز المصالحة الروسى فى سوريا، إضافة إلى تنظيم فرق عمل داخل مراكز استقبال السكان النازحين تقوم بالطهى وتقديم الوجبات الساخنة، فيما تشكلت مجموعات طبية اسعافية تعمل على الكشف عن الحالات الصحية ومعالجتها وإعطاء أصحابها كل ما هو ممكن فى سبيل الحرص على سلامتهم وحياتهم.

وليس ببعيد عن العاصمة دمشق، فقد عاود تنظيم "داعش" الإرهابي، الظهور مجددًا في وسائل الإعلام، بعد سيطرة على أحد الأحياء الصغيرة في العاصمة السورية.

فبحسب "رويترز"، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن مقاتلي تنظيم داعش، تمكنوا من السيطرة على حي القدم الصغير في دمشق، بعد طرد وحدات الجيش السوري التي تحركت صوب منطقة مجاورة غادرها مقاتلو المعارضة الأسبوع الماضي.

وأضاف المرصد، أن التنظيم المتشدد قتل خلال اشتباكات استمرت 24 ساعة 36 جنديا سوريا. ولم يتسن الحصول على تعليق من الجيش النظامي بهذا الشأن.

يُشار إلى أن حي القدم على المشارف الجنوبية للعاصمة السورية، ولم يكن جزءا من الهجوم المستمر منذ شهر الذي يشنه الجيش على المعارضة في الغوطة الشرقية.

والحي قريب من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين الذي شهد قتالا شرسا في بداية الصراع السوري الذي دخل عامه الثامن.

الخلاصة
العمليات العسكرية متواصلة في الغوطة وعفرين وغيرها، والخاسر الوحيد، هو الوطن والمواطن السوري، الذي يحلم كل يوم، بعد أن يستقيظ على أصوات الطيور أو المحال التجارية، والمصالح الحياتية، بدلًا من قذائف الموت، وصواريخ العذاب، التي تذيقهم كأس المرارة، لثورة، ضلت أهدافها، وحادت عن مبادئها، واستحوذتها المصالح والتوازنات الإقليمية والدولية، ولا عزاء للمواطن سواء أمل بغدٍ أفضل.



اضف تعليق