"أبي أحمد".. صفحة جديدة من التاريخ الإثيوبي


٢٩ مارس ٢٠١٨ - ٠٦:٤٧ م بتوقيت جرينيتش

رؤية -  محمود سعيد

بعد احتجاجات كبيرة شهدتها إثيوبيا لشهور طويلة، استطاع الائتلاف الحاكم نزع فتيل الأزمة التي كادت تعصف بالبلاد، حيث انتخب الائتلاف الحاكم في إثيوبيا الدكتور "أبي أحمد" رئيسًا جديدًا للوزراء، والذي ينحدر من عرقية أورومو، أكبر مجموعة عرقية في البلاد والتي كانت تقود الاحتجاجات المناهضة للحكومة السابقة على مدار ثلاث سنوات.

واختار ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية أبي أحمد، رئيسًا للائتلاف مما يجعله رئيسًا للوزراء بشكل تلقائي خلفا لرئيس الوزراء السابق "هايلي مريام ديسالين"، الذي أعلن استقالته فجأة الشهر الماضي.

وسيكون أبي أحمد أول رئيس وزراء من عرقية "أورومو" حكم إثيوبيا منذ بداية حكم الائتلاف الذي بدأ قبل 27 عامًا.

الاحتجاجات

ودفع رحيل ديسالين الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، تحسبا لوقوع اضطرابات أو احتجاجات جديدة.

واندلعت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في عام 2015 بسبب نزاع بين المواطنين غالبيتهم من عرقية أورومو والحكومة حول ملكية بعض الأراضي، ولكن رقعة المظاهرات اتسعت لتشمل المطالبة بالحقوق السياسية وحقوق الإنسان، وأدت لمقتل المئات واعتقال الآلاف.

وقادت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية البلاد إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع في ثاني أكبر بلدان أفريقيا من حيث عدد السكان، لكنها واجهت انتقادات من الداخل والخارج بسبب طبيعة الحكم الاستبدادي.

وازداد الموقف تعقيدا بعد انضمام الأمهرية، ثاني أكبر مجموعة عرقية في البلاد إلى الاحتجاجات فيما بعد، والتي تراجعت فقط بعد أن فرضت الحكومة حالة لمدة 10 أشهر، وفرضت الطوارئ في أكتوبر/تشرين أول 2016.

لكن كلا المجموعتين العرقيتين ظلت ساخطة على الحكومة، وتستمر في تنظيم الإضرابات والاحتجاجات ولا سيما في منطقة أوروميا الفيدرالية، معقل عرقية أورومو.

منقذ الائتلاف

ويقول إيمانويل إغونزا، مراسل بي بي سي في أفريقيا من إثيوبيا، إن الدكتور أبي يعتبر سياسي مذهل له مؤهلات أكاديمية وعسكرية مثيرة للإعجاب، ولكن منتقديه شككوا فيما إذا كان سيحصل على الوقت والقوة الكافية لإقامة إصلاحات يطالب بها ديمقراطيون، خاصة بعد أن مات مئات الأشخاص واعتُقل كثيرون آخرون منذ بدء الاحتجاجات في البلاد قبل نحو ثلاث سنوات.

وكتب الناشط محمد أديمو، من أوروميا على تويتر: "انتخاب الدكتور أبي مهم لأسباب عديدة، إنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ الائتلاف الحاكم من الحل والتلاشي".

يقول الدكتور عبد الرحمن البشير الخبير والمحلل السياسي في الشؤون الأفريقية: لقد بدأ الائتلاف الحاكم يسجل سطورًا فى صفحة جديدة من تاريخ هذا البلد المحوري فى القارة الأفريقية ، فقد تم ترشيح لإختيار أول حاكم من قومية أورومو ذات الأغلبية ، وتعتبر هذه الخطوة سابقة تاريخية ، ذلك لأن الحكم فى هذه الدولة كان بين قوميتين معروفتين وهما ، القومية الأمهرية التي حكمت الوطن قرنا ونيفا من الزمان ، والقومية التغرانية التى عادت إلى الحكم منذ سقوط النظام الشيوعي عام ١٩٩١م ، وبقيت فى الحكم بشكل مباشر وغير مباشر فى عقدين ونصف من الزمان.

من هو أبي أحمد

ولد أبي أحمد، في منطقة أغارو، بمدينة جيما بإقليم الأورومو، والتحق بالنضال المسلح عام 1990 مع رفاقه في "الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو" إحدى جبهات الائتلاف ضد حكم نظام منجستو هايلي ماريام العسكري (1974 - 1991)، حتى سقط حكم الأخير.
التحق رسميًا بقوات الدفاع الوطني الإثيوبية (الجيش) عام 1991، في وحدة المخابرات والاتصالات العسكرية، وتدرج بها حتى وصل رتبة عقيد عام 2007.

لم يغب أيضًا عن الساحة السياسة، رغم تجوله ما بين المؤسسة العسكرية وتطوير إمكاناته العلمية والأكاديمية، ففى عام 2010، غادر وكالة أمن شبكة المعلومات الإثيوبية (إنسا) ليتفرغ للسياسة بصورة رسمية ومباشرة، كما أن المهام الأخرى التي تولاها كان يمارس السياسة بجوارها.

وبدأ أبي أحمد عمله السياسي التنظيمي عضوًا في الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو، وتدرج إلى أن أصبح عضوًا في اللجنة المركزية للحزب، وعضوًا في اللجنة التنفيذية للائتلاف الحاكم في الفترة ما بين 2010 - 2012.

وانتخب عضوًا بالبرلمان الإثيوبى عن دائرته فى 2010، وخلال فترة خدمته البرلمانية، شهدت منطقة جيما بضع مواجهات دينية بين المسلمين والمسيحيين، وتحول بعضها إلى عنف، وأسفرت عن خسائر فى الأرواح والممتلكات.

ولعب أبي أحمد دورًا محوريًا بالتعاون مع العديد من المؤسسات الدينية ورجال الدين، في إخماد الفتنة الناجمة عن تلك الأحداث وتحقيق مصالحة تاريخية فى المنطقة.

فى عام 2015 أعيد انتخابه فى مجلس نواب الشعب الإثيوبى (البرلمان)، كما انتخب عضوًا فى اللجنة التنفيذية لـ"الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو.

وفى الفترة من 2016 إلى 2017 تولى أبى أحمد، وزارة العلوم والتكنولوجيا بالحكومة الفيدرالية، قبل أن يترك المنصب ويتولى منصب مسؤول مكتب التنمية والتخطيط العمرانى بإقليم أوروميا ثم نائب رئيس إقليم أوروميا نهاية 2016، وترك الرجل كل هذه المناصب لتولى رئاسة الحزب.

صفحة جديدة فى تاريخ الحكم

يقول الدكتور عبد الرحمن البشير الخبير والمحلل السياسي في الشؤون الأفريقية: "دخل الحزب الحاكم ( التغراي ) مرحلة جديدة، تبدت له من خلالها أن المرحلة القادمة برجالها ونسائها وشبابها، لن تكون كالمرحلة القادمة ، فلا بد من تغيير للخريطة السياسية ، ومن هنا فهو بين خيارين لا ثالث لهما:

أولا : الخيار الإستراتيجي لصالح الوطن ، وهو أن يتنازل عن الحكم ، ويجعل الوطن كله فى طاولة الحوار بين القوى السياسية المختلفة من الموالين والمعارضين ، وذلك أمر عسير لأسباب سياسية ، ولكن ذلك الخيار هو الأنفع للمدى البعيد ، ولو كانت ولادته عسيرة ، وذات خطورة عالية .

ثانيا : الخيار التكتيكي ، وهو أن يلعب بجميع الأوراق السياسية بذكاء سياسي ، ومن هنا إختار الحزب التغراني هذا الأسلوب ، وأعاد الأمر إلى الحزب الحاكم ، وهو الإئتلاف الحاكم ( الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية) ، وهي الجهة التى تمثل المرجعية فى القرار".

وأضاف: "إن الخيار الثانى يمثل نقطة تحول تكتيكي ، ولا يمثل نقطة تحول إستراتيجي ،ولكنه عند القومية الحاكمة يمثل لها حفاظا على المكتسبات التى تحققت لها ، وتوزيعا للقوى المعارضة ، وتفريقا للصف الثوري ، وهي من الناحية الأمنية إستراتيجية ، ولكنها من الناحية السياسية تكتيكية ، فهي رؤية مركبة ، وقد خرجت من توصيات رجال الأمن والجيش ، وهاتين المؤسستين تحت القومية التغرانية.

لقد خططت القومية التغرانية شق الصف المعارض، وخاصة القوميتين ذات البعدين الإستراتيجيتين ، وهما القومية الأمهرية ذات الثقل التاريخي والسياسي ، والقومية الأورومية ذات الثقل العددي ، والنوعي ، ولكن الخطة فشلت ، وذلك بعد أن تنازلت القومية الأمهرية لصالح القومية الأورومية ، وكانت المفاجآة فى توحيد القوميتين على الخيار الواحد المتمثل بالدكتور آبي أحمد رئيسا للوزراء فى المرحلة القادمة، وهو من القومية الأورومية ذات الأغلبية السكانية والجغرافية".

ويتابع الدكتور عبد الرحمن البشير الخبير والمحلل السياسي في الشأن الأفريقي: هناك محددات ثلاثة سوف تجعل هذا الخيار مقبولا وممكن الإستمرار ، وهي: أولا، القبول الشعبي ، وخاصة عند الشباب المتعطش للتغيير فى حياته الإجتماعية والإقتصادية ، وهذا لا يمكن فى ظل الحالة السياسية المالية ، والتى ربطت الخصخصة والثروة بالحكم ورجاله ، ولهذا فلا بد من طرح رؤية مغايرة لنظام الخصخصة الذى جعل الوطن كله شركة خالصة لزمرة الحكم ، فإذا إستمر النظام على السياسة القديمة ، فلن تتغير الأوضاع ، وبالتالي فإنها تؤدى إلى إستدامة الثورات والهيجان ، فهناك مثل إثيوبي يقول : لا فائدة من تغيير الطعام مع بقاء القدر، وثانيا "وجود قبول من المعارضة لهذا النوع من التغيير ، وخاصة من المعارضة النوعية من القوميتين ، الأورومية والأمهرية ، وهذا شرط أساسي فى نجاح التغيير التكتيكي، وثالثا عدم محاولة القوة الخفية إفشال هذا المشروع ، وهذه القوة الخفية تتمثل بالقوات المسلحة ، ورجال الأمن ، والمال ، وغالبيتهم من الدولة العميقة الجديدة (القومية التغرانية ) ، كما أن الأمر مرتبط إلى مدى الإرتباط السياسي ما بين القومية الأمهرية ، والقومية الأورومية ، والقوى المختلفة في هاتين القوميتين .

وختم بالقول: "إن الأيام القادمة حبلى للمفاجآت ، ولكن هذه المحددات الثلاثة هي التى سوف تشكل المستقبل وخيارات القوى السياسية فى هذه الدولة المحوية".
   




اضف تعليق