أمريكا تضرب والصين ترد.. المواجهة الاقتصادية مستمرة


٠٢ أبريل ٢٠١٨ - ٠٨:٠٣ ص بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

هل الصين والولايات المتحدة مقبلتان على حرب تجارية؟ بات هذا السؤال الأكثر إلحاحًا في الآونة الأخيرة، وأوضحت التكهنات والتحليلات، حول الوضع الاقتصادي العالمي، في ظل سعي بكين، لوضع حد للهيمنة الأمريكية على العالم، متمثلة في "الدولار"، خطرًا يراه محللون، على الولايات المتحدة الأمريكية، ربما أكثر من الصين نفسها، سواءً من الناحية الاقتصادية أو حتى على المستوى السياسي.

البداية جاءت من الولايات المتحدة، التي شرعت في توجيه ضربة تجارية للصين، التي تمثل السوق الأمريكية لها نحو 25% من صادراتها، حيث قررت الإدارة الأمريكية فرض تعرفة تجارية تبلغ 25% على وارادات الفولاذ، و10% على وارادات الألومنيوم، من عدة دول على مستوى العالم، في طليعتها الصين، وذلك لدعم الصناعة الوطنية الأمريكية، إضافة لأنباء عن فرض تعريفات جمركية مماثلة للمنتجات الجمركية، التي زعمت واشنطن انتهاك بكين لحقوق الملكية الفكرية لها.

الصين، وكما تعهد برلمانها، لم تقف مكتوفة الأيدي، فقررت تعريفه جمركية مماثلة بلغت 40%، شملت 128 منتجًا أمريكيًا، توزعت بين 15% على 120 من المنتجات الأمريكية تشمل الفواكه والمنتجات ذات الصلة، فيما تفرض 25% آخرين على منتجات أخرى مثل لحم الخنزير ومشتقاته.

التصعيد الأمريكي، والذي قابله رد صيني، ربما يحمل في طياته مظهرًا من مظاهر التوتر الاقتصادي، في ظل إدارة أمريكية تعسفية ومتهورة أحيانًا بقيادة ترامب، وربما يكون من خلفياته سياسيًا، متمثلًا في الإحراج الأمريكي من الموقف الصيني المتخاذل فيما يخص القضية الكورية الشمالية، التي شهدت مؤخرًا حالة من المرونة، ربما يؤدي إلى وضع نهاية أفضل لها خلال المستقبل.

أمريكا تضرب.. والصين ترد

يعتبر شهرا فبراير ومارس، هما شهرا التوترات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، والتي كانت بدايتها من الأخيرة، حيث تحركت الإدارة الأمريكية، بتوجيه مباشر من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، فأعلنت عن فرض تعرفة تجارية بنسبة 25 في المائة على الفولاذ و10 في المائة على الألمنيوم لكل المستوردات الأمريكية، لحماية المنتجين المحليين، وبلغت حجم مبيعات الصين إلى الولايات المتحدة من الفولاذ والألومنيوم حوالي 4 مليارات دولار، العام الماضي، إلا أنها، وعلى كل الأحوال، تعد نسبة ضئيلة من صادرات الصين.

لم تكتف الولايات المتحدة بذلك، فقد أعلن ترامب في 22 مارس عن عزمه فرض رسوم جمركية على منتجات أخرى تصدرها الصين إلى الولايات المتحدة، تصل قيمتها إلى 60 مليار دولار سنويًا، وذلك بهدف وضع حد لما يقول إنها منافسة غير مشروعة من جانب بكين وسرقة صينية للملكية الفكرية.

من جانبها، رفضت الصين الوقوف مكتوفة الأيدي تجاه الضربة الأمريكية، فأعلنت وزارة المالية الصينية، عن فرض رسوم جمركية إضافية على 128 منتجا أميركيا، شملت نسبة 15 في المئة على 120 نوعا من المنتجات المستوردة من الولايات المتحدة، بما في ذلك الفواكه والمنتجات ذات الصلة، ورسوما بنسبة 25 في المئة على ثماني منتجات أخرى تشمل خصوصا لحم الخنزير ومشتقاته، وسيبدأ سريان الرسوم الجمركية الجديدة، اليوم الاثنين، وهي تعادل قائمة رسوم محتملة على سلع أمريكية تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات دولار نشرتها الصين في 23 مارس.

الخطوة الصينية، تأتي في أعقاب تحذير فتح أبواب جهنم، واللعب بالنار، و"حفر حفرة"، قامت أمريكية بافتعالها لآخرين، ضمن سياسة "حمائية"، تتبعها الإدارة الأمريكية الجديدة حول العالم، وجاء التحذير من المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية "جاو فنج"، الذي صرح أيضًا أن الصين نصحت الولايات المتحدة بالامتناع عن الإجراءات، التي قد تؤدي إلى تدهور العلاقات الثنائية في مجال التجارة بطريقة أو بأخرى.

حرب تجارية جديدة
ربما يرى البعض، في الأزمة الاقتصادية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، إشارة إلى حرب تجارية جديدة، خاصةً مع تصريحات تبدو عدائية من الجانبين، بدأت من "ترامب" الذي يسعى دومًا للإثارة وافتعال الأزمات، سواءً على المستوى الداخلي أو الخارجي، وحتى من قبيل معارضيه كرد فعل، في بعض الأحيان، وبسياسات مارقة، على غرار كوريا الشمالية مثلًا.

وربما كان تصريح المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية أقل حدة، من الهجوم الحاد الذي شنه "زهانج يسوي"، المتحدث باسم مجلس الشعب الوطني الصيني، الذي أعقب القرار الأمريكي بفرض تعريفة جمركية على الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة، فأكد أن بلاده "لا تود الاتجار مع الولايات المتحدة"، محذرًا في الوقت ذاته، بأن الصين "لن تقف مكتوفة اليدين وهي تشاهد حقوقها تتعرض للأذى".

تكمن الأزمة أو "الصداع الاقتصادي" -إذا جاز التعبير- في رأس صناع القرار في الصين، متمثلًا في هيمنة "الدولار" لسنوات طويلة، على السوق العالمية، فلا تخفي بكين منذ الأزمة العالمية الطاحنة، التي اجتاحت العالم قبل 10 سنوات محاولاتها لتقليص وساطة الدولار من تعاملاتها مع دول كثيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية وشرق أوروبا والشرق الأوسط.

ولعل أخطر ما صدر عن الصين في المناوشات التجارية الأخيرة هو تسريبها خبرا يؤكد أنها تعتزم استخدام عملتها "اليوان" في سداد مقابل وارداتها النفطية، وهو ما يمكن أن يضعف مكانة الدولار، لأن الصين أكبر مستورد للنفط في العالم وسيؤدي ذلك لتعزيز دور "اليوان" في التعاملات العالمية.

على الرغم من التوترات الضخمة التي تشهدها العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، إلا أن اندلاع "قطيعة" أو "حرب تجارية" بين البلدين، يعد مستبعدًا، على الأقل على المدى القريب، يرجع ذلك إلى حجم التداخل الكبير بين الاقتصادات العالمية، التي يصعب بسببها فض الاشتباك بينها، ربما كان ذلك أكثر سهولة، قبل 20 عامًا، عندما كانت الروابط التجارية أقل بمئات المرات من مستوياتها الحالية.

ففي الصين، توجد استثمارات أميركية بتريليونات الدولارات، وأكثر منها من الجانب الصيني في الولايات المتحدة، إذا أضفنا الرصيد السيادي الصيني من السندات الأميركية التي تبلغ نحو 3 تريليونات دولار، وربما مثلها أو أكثر لدى الشركات والمستثمرين الصينيين.

فإذا توقفت الصين عن شراء السندات الأميركية، يمكن حينها أن تشل نشاط الحكومة الاتحادية الأميركية خلال ساعات وتؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي، لكنها بالتأكيد لن تفعل ذلك لأنها ستسقيظ على كارثة دمار الاقتصاد الصيني، وفقدان مئات ملايين الوظائف، حيث أن ربع الصادرات الصينية يذهب إلى الاقتصاد الأمريكي.

الخلاصة

مما سبق، يتبين لنا، أن معركة الرسوم، سواءً التي فرضها، أو الأخرى التي يلوح "ترامب" بها، على الواردات الصينية والتي تبلغ قيمتها 60 مليار دولار، مجرد مناوشات استعراضية ستفضي في نهاية الأمر إلى تسوية ترضي الطرفين، فترامب لا يمكنه أن يكون جادًا في فرض تلك الرسوم، وإذا كان جادا فإن المؤسسات الأمريكية ستجبره على التراجع، لأن تأثيرها على الأميركيين أكبر بكثير من تأثيرها على الصين، كما ستنعكس آثار تلك الرسوم على المستهلك الأمريكي، وخاصةً مؤيدي ترامب من الفقراء عبر ارتفاع الأسعار، كما سيطول تأثيرها الشركات الأمريكية من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج.

أما الإجراءات الصينية المضادة والتي لا يتجاوز حجمها 3 مليارات دولار، فإنها مجرد "إنذار صغير"، يبعث رسالة واضحة تؤكد لترامب خطورة "اللعب بالنار"، وتؤكد له أن بكين لا تريد التصعيد.




اضف تعليق