على من تدور الدائرة في الحرب التجارية بين أمريكا والصين؟


٠٢ أبريل ٢٠١٨ - ٠٥:٢٧ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين نذر حرب تجارية ضارية، أطلق شرارتها الأولى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلانه فرض رسوم جمركية على واردات الفولاذ والألومنيوم الصينية تحت عنوان الدفاع عن الأمن القومي الأمريكي والحمائية التجارية، وهو القرار الذي ردت عليه بكين بأنها ستتخذ إجراءات مماثلة تخص البضائع الأمريكية.

حمائية ترامب تتسع

تسعى إدارة ترامب إلى مواجهة العجز التجاري الأمريكي مع باقي دول العالم، معتبرة أن السلع المستوردة كثيرًا ما تكون مدعومة بشكل غير قانوني. وفي حالة الصين طالب ترامب العملاق الآسيوي بتقليص فائضه التجاري مع واشنطن بما لا يقل عن 100 مليار دولار.

وتعاني الولايات المتحدة عجزًا تجاريًا هائلًا مع بكين بلغ في 2017 ما قيمته 375.2 مليار دولار.

لذلك قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوقيع قرارا مطلع مارس الماضي يقضي بفرض رسومًا جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على واردات الألومنيوم.

وإضافة إلى الرسوم على الصلب والألومنيوم، ستكشف الإدارة الأمريكية خلال الأسبوع الجاري النقاب عن قائمة بالواردات الصينية التي ستفرض عليها الولايات المتحدة تعريفات جمركية لمعاقبة بكين على سياسات نقل التكنولوجيا في خطوة من المتوقع أن تزيد من التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.

وتوقع مسؤولون في الإدارة الأمريكية أن تستهدف القائمة التي تشمل واردات سنوية تتراوح قيمتها بين 50 مليار دولار و60 مليار دولار منتجات التكنولوجيا المتطورة، وأنه ربما يكون هناك أكثر من شهرين على بدء سريان هذه التعريفات.

وتهدف هذه التعريفات إلى فرض تغييرات في سياسات الحكومة الصينية التي يقول الممثل التجاري الأمريكي إنها تؤدي إلى نقل "غير اقتصادي" للملكية الفكرية الأمريكية للشركات الصينية.

الكيل بمكيالين.. الصين تحتج

اللافت للانتباه أن ترامب استثنى مؤقتا الصادرات الأوروبية من هذه الضرائب فيما بدا أشبه بالكيل بمكيالين وهو ما احتجت عليه الصين لدى منظمة التجارة العالمية.

وحصل الاتحاد الأوروبي مؤخرا على استثناءات من الرسوم الجمركية الأمريكية على الصلب والألومنيوم، ولكن الإعفاء من هذه الرسوم يسري حتى شهر مايو المقبل فقط. ولا تزال مناقشات جارية من أجل التوصل لحل دائم.

وكانت كوريا الجنوبية أول دولة اتفقت مع واشنطن على استثناء غير محدد المدة من الرسوم الجمركية الأمريكية، إلا أنها قدمت في المقابل تنازلات كبيرة فيما يتعلق باستيراد سيارات أمريكية.

إلى ذلك، قال البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيبحث "العلاقات التجارية والاستثمارية المشتركة" مع رئيس وزراء اليابان شينزو آبي خلال زيارة في أبريل الجاري.

ولم تحصل اليابان، أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة، على إعفاء من الرسوم الأمريكية الجديدة على واردات الألومنيوم والصلب.

رسوم صينية على 128 منتجًا أمريكيًا

وانطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل، أعلنت وزارة المالية في الصين فرض رسوم جمركية إضافية على 128 منتجًا أمريكيًا، وذلك في رد انتقامي على رسوم فرضتها الولايات المتحدة على واردات الألومينيوم والصلب الصينية.

وفرضت لجنة الرسوم الجمركية التابعة لمجلس الدولة (الحكومة) رسومًا جمركية بنسبة 15% على 120 نوعًا من المنتجات المستوردة من الولايات المتحدة، بما في ذلك الفواكه والمنتجات ذات الصلة، ورسومًا بنسبة 25% على ثماني منتجات أخرى تشمل خصوصًا لحم الخنزير ومشتقاته.

وذلك سيشكل ضربة قاسية لواشنطن التي تسير بعدوانية باتجاه حرب تجارية، وسيجعل الولايات المتحدة تدفع ثمن سياستها التجارية المتطرفة حيال الصين.

وبلغت قيمة الواردات الصينية من هذه المنتجات الأمريكية 3 مليارات دولار العام الماضي، أي ما يشكل بالكاد 2% من إجمالي الصادرات الأمريكية إلى الصين (بلغت قيمتها 154 مليارا في 2017).

هدم قواعد الاقتصاد العالمي

التجارة الحرة إحدى الدعائم الهامة التي يقوم عليها النظام الاقتصادي المعاصر، والذي انطلق منذ عام 1945 (نظام بريتون وودز) بتأسيس عدد من المؤسسات الاقتصادية الدولية وأبرزها البنك الدولي وصندوق النقد العالمي.

وكانت الولايات المتحدة أول داعم لإطلاق حرية التجارة منذ وقتها، بوصفها في أول الأمر داعمة للمعسكر الرأسمالي في مواجهة نظيره الشيوعي، ثم بعد ذلك لضمان استمرار النظام الاقتصادي الذي أقامته أمريكا نفسها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

لكن اليوم، أمريكا نفسها جعلت العالم قلقًا من دخول مرحلة حرب تجارية، فإذا كانت التجارة حرة فهو أمر جيد لنمو الاقتصاد العالمي، والعاميين الماضيين خير مثال على ذلك، حيث ازدهرت التجارة الدولية في الاقتصاديات الناشئة والمتقدمة، وتحدث صندوق النقد الدولي عن نسبة نمو عالمية تتجاوز 4%.

كما أن أي شيء يمنع نمو التجارة مثل قيود ترامب سيؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي، وهذا ما دفع المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي إلى التحذير من أن الجميع سيكونوا خاسرين من هذه الحرب.

وجاء التحذير الأبرز من السياسات الحمائية وتأثيراتها السلبية منذ زمن بعيد على لسان المفكر الفرنسي فريدريك باستيا بأن قال "إذا لم نسمح للسلع بعبور الحدود فستعبرها الجيوش" في إشارة إلى أن بعض الدول قد تضطر للحرب لفتح الأسواق المغلقة في وجهها.

سيكون الخاسر الأول من سياسات ترامب الحمائية هو المستهلك الأمريكي، الذي سيجد نفسه مضطرًا لشراء منتجات الصلب والألمنيوم بأسعار تفوق تلك التي اعتاد على الحصول عليها.

وسيؤدي ذلك قطعًا إلى موجة تضخمية (كبيرة أو محدودة هذا ما سيتضح لاحقًا)، بل سيؤدي ذلك إلى تأثر الصناعات المحلية سلبًا أيضًا، فالثابت اقتصاديًا أن المنافسة (محلية أو عالمية) هي الدافع الأول من أجل التطور وتقديم أسعار تنافسية والحد من المنافسة يؤثر على تطور الصناعات.

والأمر الأخطر هنا أن في الأمر هدما لقواعد أقامتها واشنطن بنفسها للنظام الاقتصادي العالمي، لذا فإنه سيكون في وسع بقية دول العالم أن تفرض إجراءات حمائية بدورها.


سعيا لإرضاء قاعدته الانتخابية وتشتيت الانتباه عن الأزمات الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية، يعتقد ترامب أن فرض قيود تجارية على الصين أو أية دولة أخرى من شأنها تحسين أوضاع بيئة العمل الأمريكية، ومن ثم تجاوز العجز التجاري مع الصين. لكن مثل تلك القيود ستتسبب في حرب تجارية قد تدخل العالم في مرحلة ركود طويلة.


اضف تعليق